✿ الفصل 52 ✿
ظلّ الفارس الذي سُلب حصانه فجأة ينظر بوجهٍ مذهول إلى ظهر الإمبراطور وهو يبتعد، فيما اقترب أوريون الذي لحق به وربّت على كتفه كمن يواسيه.
* * *
كان النهار مشرقًا، غير أنّ الغابة بدت معتمة بسبب تكدّس أوراق الأشجار الكثيفة.
أوقف غراي جواده وأرهف السمع.
“آآآه!”
وصل إليه صوت صراخ الأميرة من بعيد.
شدّ غراي اللجام نحو الجهة التي صدر منها الصوت، واندفع خلفها بكل قوته.
كانت الأغصان الطويلة تمتد لتخدش وجنتيه وهو يشق طريقه.
“آنسة! واصلي الصراخ!”
لكن الصوت انقطع مرة أخرى.
واصل غراي الركض في الاتجاه ذاته مصغيًا بكل جوارحه.
وبعد اجتياز الأشجار الكثيفة، انكشف أمامه منحدر واسع، غير أن نهاية الطريق لم تكن سوى جرفٍ شاهق.
“اللعنة… أمــــيرة! الأمـــيرة داليـــااا! إن كنتِ تسمعين أجيــبي!”
“…هُــنااا!”
جاءه صوتها المرتجف باهتًا من بعيد.
حثّ غراي جواده واندفع بأقصى سرعته حتى لمحها أخيرًا من بعيد.
“أمـيرة!”
رآها تحاول الالتفات خلفها بصعوبة، لكن الرياح دفعتها لتثبيت نظرها إلى الأمام من جديد.
“أوقفي الحصان!”
“الحصان لا يطيعنييي!”
صرخت وهي ترتجف من الخوف.
اقترب غراي من الحصان الأبيض الذي تركبه، وراح يعدو بمحاذاته.
كانت عينا الحصان جاحظتين، والزبد يتصاعد من فمه على نحو غير طبيعي.
أفلت غراي لجام حصانه، وشدّ فخذيه بقوة.
“أميرة، اقتربي قدر الإمكان من مقدّمة الحصان.”
“ماذااا؟“
نهض غراي عن السرج، وبعد أن قدّر المسافة قفز بخفّة إلى خلفها.
“آآه!”
صرخت حين شعرت بشيء يهبط خلفها فجأة.
“هذا أنا.”
أحاط غراي خصرها بذراعيه بإحكام.
ولم يدرك أنه كان يحبس أنفاسه طوال الوقت إلا حين شعر بملمسها اللين وحرارة جسدها.
“هاه…”
تنفّس بعمق، ثم أمسك باللجام الذي كانت تقبض عليه.
“هوو، هوو.” [ صوت حصان ماعرفت اقلده ]
لكن كما توقّع، لم يستجب الحصان الأبيض الذي فقد السيطرة تمامًا.
مسح غراي المكان بنظره سريعًا، فوقع بصره على منحدر تغطيه أزهار صفراء برّية بكثافة.
“انظري إليّ يا أميرة.”
“كـ… كيف؟“
حاولت أن تدير رأسها وقد شحب وجهها من الرعب، لكن الرياح المعاكسة جعلت الأمر عسيرًا.
أمسك غراي بخصرها ورفعها فجأة ليجعلها تجلس مواجهة له.
“آآاه!”
لوّحت بذراعيها في فزع، ثم تشبثت بكتفيه.
“هذا خطر.”
أنزل غراي يديها ثم لفّ ذراعًا واحدة بإحكام حول خصرها.
“ماذا تنوي أن تفعل؟“
كانت عيناها البنفسجيتان ترتعشان من شدة الخوف.
مدّ غراي يده الأخرى وغطّى بهدوء عينيها.
“أغمضي عينيك.”
“لماذا— ممم!”
شدّها إلى صدره بقوة، ودفنها عميقًا في أحضانه.
ثم لفّ ذراعه بلطف حول مؤخرة رأسها، وما إن لاح له حقل الأزهار الصفراء حتى ارتمى بها جانبًا.
وبعد لحظات، أخذ الاثنان يتدحرجان على المنحدر.
وصل إلى صدره صدى صرختها المكتومة وهي بين ذراعيه، ثم تلاشى أثناء التدحرج.
“آخ…”
أطلق غراي أنينًا خافتًا، ولم يتوقف جسدهما إلا بعد أن ارتطم ظهره بصخرة كبيرة.
أبعدها عنه قليلًا وهو ما يزال يحتضنها، ثم نظر إليها.
كان شعرها كبحرٍ من الزهور الوردية منسابًا بين الأزهار الصفراء.
كانت الأميرة ساكنة، مغمضة العينين وجسدها يرتجف بعنف.
“هل أنتِ بخير يا أميرة؟“
رفرفت رموشها الطويلة عدة مرات، ثم انفتحت عيناها ببطء.
تلاقى بصره الأسود مع عينيها البنفسجيتين اللتين بدتا كأنهما تعكسان لون السماء، وتبادلا نظرة عميقة.
رمشت مرات متتالية، ثم مدت يدها بحذر نحو وجهه.
استقرّ ملمسها الناعم كزغب الريش أسفل موضع شامة الدمع في عينه.
“هل أُصبتَ؟“
كانت تشير على ما يبدو إلى الخدوش التي نالها وهو يلاحقها بين الأشجار.
“أهذا ما يهمكِ الآن يا أميرة؟“
“بالطبع يهمّ. سيكون مؤسفًا أن تُشوَّه تلك الملامح الوسيمة.”
وبنبرة كلامها التي بدت وكأنها أمرٌ بديهي، ارتخت الأعصاب المشدودة لدى غراي.
“يبدو أنكِ لم تتأذي إذن.”
“نعم، أنا بخير. لقد حماني جلالتك.”
“لماذا تقع الحوادث دائمًا من حولك؟ ثم إنكِ لا تجيدين ركوب الخيل أصلًا، فلماذا—”
لكن حين امتلأت عيناها البنفسجيتان بالدموع في لحظة، عجز عن متابعة حديثه.
“أنا في الأصل أجيد ركوب الخيل جدًا، لكن الحصان تصرّف بغرابة فجأة…”
شدّت فكّيها وكأنها تحاول حبس دموعها، وأطلقت زفيرًا متقطعًا.
ارتعشت عيناه السوداوان وهو يحدّق فيها.
‘إنها امرأة بالغة… فلماذا تبدو لطيفة إلى هذا الحد؟‘
سرعان ما مسحت دموعها بشجاعة، وامتلأت عيناها بغضبٍ مكبوت.
“…هذا ظلم فعلًا. لو كانت لديّ فقط كاريزمتي اللطيفة الشرسة…”
‘ومن تكون هذه الكاريزما أصلًا؟‘
ظلّ غراي يحدّق بها يتأمّل تعابير وجهها المتقلّبة التي تتبدّل في لحظات.
“في المرة القادمة سأُريك كم أنا بارعة في الركوب!”
“لا داعي.”
مجرد تخيّله لها وهي تركب الخيل وحدها جعله يشعر بقشعريرة تسري في دمه.
“أنا فعلًا ماهرة…”
وحين رأى شفتيها بارزتين بتذمّر وهي تتذلّل بشكوى طفولية، ارتفعت زاوية فمه من دون أن يشعر.
“آه، بالمناسبة… كيف عرفت أنني أميرة؟“
“أهذا مهمّ الآن؟“
اتّسعت عيناها البنفسجيتان فجأة، ثم تبدّل تعبيرها إلى إدراكٍ متأخّر.
“آه! نسيتُ أهم شيء! شكرًا جلالتك لإنقاذي.”
حين انحنت برأسها قليلًا، دغدغ شعرها الوردي طرف أنفه.
كانت تجهل تمامًا ما هو الأهم حقًا الآن.
هل لا تدرك مدى قربهما من بعضهما؟
كان جسده كله واعيًا لملامستها له، بينما بدت هي غير مكترثة إطلاقًا.
“لكن… كيف عرفت فعلًا؟ لقد كذبتُ بإتقان تام، أليس كذلك؟“
بإتقان؟ لم يكن هناك أحد أكثر فظاظة وسذاجة منها.
صحيح أنه لم يدرك كونها أميرة، لكنها لم تُخفِ أنها تحاول خداعه.
“هل تعترفين الآن بأنكِ كذبتِ صراحة أمام الإمبراطور؟“
“…لم أقل شيئًا؟“
أجابت بوقاحة وهي ترمقه بنظرة سريعة تستطلع ردّ فعله.
وحين ارتسمت على شفتيه ابتسامة كاملة وواضحة، انسحب بصرها لا إراديًا نحو شفتيه.
وتبع بصره هو الآخر المسار نفسه، من عينيها إلى شفتيها بسلاسة.
“أمم… جلالتك؟“
“ماذا؟“
حتى هو سمع صوته منخفضًا على نحوٍ مريب.
سدّت أذنيها بيديها وكأن الصوت يثير لديها دغدغة، ثم أخيرًا نطقت بالأمر الذي كان يعلمه منذ زمن.
“ألا تشعر أننا قريبان جدًا؟“
“وماذا في ذلك؟“
جال نظره الثقيل ببطء على ملامح وجهها.
كما قالت، كانا قريبين فعلًا… قريبين إلى حدّ أن شفتيهما قد تلتقيان لو انحنى قليلًا.
“أمم، أشعر أن هذا الكلام وقح قليلًا، لكن… جلالتك ثقيل بعض الشيء…”
راحت تتحرّك تحت جسده وتتململ محاولة أن تصنع مساحة لنفسها، لكن حركتها تلك عادت عليه بإحساسٍ خطير للغاية.
نهض غراي فجأة واقفًا.
“نعم، هذا وقح.”
“نعم… أنا آسفة.”
انحنت داليا برأسها بصدق، وقد بدا عليها الندم الحقيقي.
“إذًا، من أين حصلتِ على الحصان الذي كنتِ تركبينه؟“
“من إسطبل قصر كريستال.”
تجمّد وجهه ببرود.
‘لم يكن حصانًا جلبته معها؟‘
نظر إليها بملامح جادة، بينما كانت هي تنزع بتؤدة بتلات صفراء وأوراقًا خضراء علقت بشعرها الوردي.
هل تدرك حقًا مدى خطورة الموقف الذي وجدت نفسها فيه؟
“هل تفهمين ما يعنيه هذا يا أميرة؟“
“همم… يبدو أن هناك من يكرهني داخل القصر الإمبراطوري.”
ارتفع أحد حاجبيه فجأة.
كان استنتاجًا دقيقًا على غير المتوقع.
“لا يبدو أنه مجرّد كره.”
“…لا تقول؟“
عندها فقط بدت عليها ملامح الإحساس بالخطر، وارتعشت عيناها البنفسجيتان قليلًا.
“يبدو أن هناك من يريد قتلكِ.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 52"