✿ الفصل 51 ✿
ما إن رأى داليا واقفة بملامح متحيرة حتى انعقد حاجباه تلقائيًا.
لقد كان هوس ذلك الأخ وأخته بالجمال يفوق حدود الخيال.
كم أرهقاه في كل مرة جاءا فيها إلى لووسيفون! والآن وقد لفتت الأميرة أنظارهما، فمن المؤكد أن المتاعب ستزداد في الأيام القادمة.
“لماذا جئتِ إلى هنا أصلًا؟“
هل ترغب في إخفاء هويتها أم لا؟ أليس من المفترض أن تحاول قدر الإمكان ألا تلفت الأنظار؟
“لقد تلقيت دعوة…”
قالتها داليا، ثم تراجعت خطوة إلى الوراء وكأنها تتفاداه، رغم أنها حاولت كبح توترها، إلا أن بقاياه ما زالت واضحة.
“كنت أظن أن الآنسة تحاول دائمًا ألا تقع عليها الأنظار.”
“وكيف عرفتَ ذلك؟“
سألت داليا وقد اتسعت عيناها بدهشة.
عبس غراي أمام ردّها البريء مرة أخرى وراح يحدق فيها.
وحين ظل ينظر إليها بصمت، خفضت هي عينيها بخجل بعد أن التقطت الإشارة.
“أنا فعلًا لا أريد أن ألفت الانتباه… لكن يبدو أنني فعلت، وهذا مرهق جدًا…”
في تلك اللحظة، ارتفعت رموشها الطويلة ببطء، ثم أطبقت سريعًا.
طَق.
سقط رأسها على صدره كما لو كانت دمية انقطع خيطها.
فزعت آني وحاولت الإسراع للإمساك بداليا، لكن غراي سبقها وأمسك بها.
“هل يؤلمك رأسكِ يا آنسة؟ يا له من أمر خطير.”
قال ذلك بصوت عالٍ متعمدًا كي يسمعه من حوله، ثم حملها بين ذراعيه وبدأ يغادر قاعة الحفل بسرعة.
سارعت آني خلفهما.
وفي قاعة حفلة الشاي، اندلع اضطراب كبير بين الشابات النبيلات.
“ألم يكن ذلك الرجل يتحدث مع جلالة الإمبراطور قبل قليل؟“
“هل تلقّى جلالته امرأةً أغمي عليها؟“
“كيف يحدث هذا؟“
“بالمناسبة، شعر تلك الآنسة وردي اللون، أليس كذلك؟“
“لا يكون… هل هي نفسها صاحبة الشعر الوردي التي يُشاع أن جلالة الإمبراطور حملها إلى القصر الداخلي؟“
بدأ الهمس ينتشر شيئًا فشيئًا.
ومن بين من كانوا يحدقون بإلحاح في ظهر الإمبراطور وهو يبتعد، كانت الآنسة يوفْرون.
وفي أقصى الخلف، كانت الماركيزة سوندو تراقب المشهد بعين فاحصة وابتسامة خفيفة، ثم رفعت فنجان الشاي بهدوء.
* * *
مرّ يومان منذ ذلك الحين.
كانت داليا مستلقية على السرير كأنها جزء منه، ثم أدارت رأسها قليلًا حين شعرت بنظرة حادة من خلفها.
“آني… هل ارتكبتُ خطأً آخر؟“
“لماذا لا تخرجين؟ كنتِ قبل مدة تتجولين بنشاط في الخارج.”
“الإمبراطور لا يحب النساء…”
تمتمت داليا بصوت حزين كمن تعرّض للخيانة.
“هذا ليس أمرًا تجهلينه أصلًا.”
نظرت آني إلى الأميرة بوجه لا يخلو من الذهول.
“معرفة الأمر سماعًا تختلف عن رؤيته بعينيك.”
قالت داليا ذلك وهي ما تزال تغرز وجهها في الوسادة بملامح كئيبة.
“بسبب أن الإمبراطور لا يحب النساء، تحبسين نفسك في الغرفة يومين كاملين وتتألمين؟“
“لأن الإمبراطور يجب أن يتزوج.”
ضغطت آني على صدغها المتألم.
قررت تجاهل هذا الموضوع الذي يدور في حلقة مفرغة والانشغال بعملها.
“إذا واصلتِ الاستلقاء هكذا، سينمو عليكِ العفن.”
“لن ينمو! هذه المرة بقيت يومين فقط!”
احتجّت داليا بوجه مظلوم.
لكن آني هزّت رأسها بحزم.
“انهضي.”
احتجّت داليا بنظراتها، ثم رفعت جسدها ببطء.
“ما رأيكِ في ركوب الخيل يا آنستي ليا؟“
اقترح كول الذي كان يستمع إلى حديثهما من الخلف.
“الخيل؟“
أشرق وجه داليا على الفور.
“نعم. هذا نشاط اعتدتِ الاستمتاع به، لكنكِ لم تمارسيه منذ وصولك إلى هنا. وقد تأكدت من وجود إسطبل مخصص داخل القصر.”
“فكرة رائعة. ممتازة للوقاية من العفن.”
أضافت آني تعليقها، فنهضت داليا من السرير بنشاط.
“حسنًا!”
بعد أن بدّلت داليا ملابسها بزيّ الفروسية، توجّهت إلى الإسطبل المخصّص في قصر كريستال.
فالإمبراطورية، بوصفها دولة الفرسان، كانت تضمّ في كل قصر إسطبلًا خاصًا.
“أهلاً وسهلاً! تشرّفنا بقدومكما! شكرًا جزيلًا لزيارتكما!”
رحّب بهما سائسٌ في منتصف العمر بحفاوة مبالغ فيها.
تبادلت داليا وكول النظرات بدهشة.
أليس في الأمر شيء من المبالغة؟
“أعمل في هذا القصر منذ أكثر من عشر سنوات، ولم يطلب أحدٌ ركوب الخيل قط.”
وحين بادر السائس بشرح السبب من تلقاء نفسه، أومأت داليا برأسها تفهّمًا.
“سأُحضر الخيل حالًا.”
وسرعان ما عاد وهو يقود حصانًا أبيض وآخر أسود.
اقتربت داليا من الحصان الأبيض وربّتت على رأسه.
“يالجماله. أرجو أن ننسجم اليوم.”
فكأن الحصان فهم كلامها، إذ أرجع رأسه إلى الخلف وأطلق صهيلًا طويلًا.
“إنه حصان لطيف فعلًا.”
“إنهما أهدأ حصانين في إسطبلنا.”
وبعد أن وضع السائس السرج على ظهريهما، أخرج من جيبه جذورًا بيضاء اللون وأطعم بها الحصانين.
“ما هذا؟“
“مكافأة لهما كي يعتنيا بكما جيدًا. هذا أحبّ طعام لديهما.”
“حقًا؟ وما اسمه؟ أعطني منه لأطعِم حصاني أيضًا.”
سألت داليا بفضول، فتجنّب السائس نظراتها وقد بدا عليه الارتباك.
“إنه سرّ متوارث في عائلتنا، ولا يمكنني البوح به. أعتذر.”
“فهمت، عذرًا على تطفّلي.”
“تفضّلي بالصعود آنستي ليا.”
تفقّد كول السرج مرة أخرى، ثم حملها بخفّة وأجلسها على ظهر الحصان.
وبدا الحصان الأبيض متحمّسًا للجري بعد طول انقطاع، فراح يضرب الأرض بحوافره.
“هيا بنا يا كول.ة
“نعم.”
تحرّك الحصان الأبيض والحصان الأسود جنبًا إلى جنب.
وكانت أطراف القصر الإمبراطوري متصلة بالغابة، فاتجها نحوها.
لكن وقبل أن يبلغا الغابة أصلًا، هزّ الحصان الأبيض رأسه فجأة وانطلق مسرعًا.
ةتمهّل، تمهّل… ليس الآن.”
انحنت داليا لتحافظ على توازنها محاولة تهدئته، لكن سرعته لم تنخفض، بل ازدادت.
“هييييه!”
“آنستي ليا! يجب أن تواصلي التقدّم!”
في تلك اللحظة، توقّف الحصان الأسود الذي كان يجري خلف الأبيض فجأة، ثم بدأ يدور حول نفسه في المكان.
“هيّا! إلى الأمام!”
حاول كول تغيير الاتجاه على عجل، لكن الحصان الأسود اندفع فجأة في اتجاه معاكس للحصان الأبيض.
“لا!”
قفز كول من فوق الحصان الذي كان يركض بجنون، وتدحرج على الأرض.
شعر بألم في معصمه، وكأنه أخطأ في الارتكاز، لكنه نهض على الفور وحدّق في الاتجاه الذي اندفع فيه الحصان الأبيض.
غير أن الحصان الأبيض كان قد اختفى عن الأنظار.
“آنســــتي لـيا!!”
وانطلق كول بوجه شاحب يركض نحو الغابة في هلع.
* * *
“هل الشخص المصاب بالأرق ينام في أي وقت ومن دون انتظام؟“
سأل الإمبراطور هذا السؤال فجأة بينما كان متجهًا إلى مكتبه بعد انتهاء الاجتماع.
“قد يكون ذلك ممكنًا. فقلّة النوم أمر خطير على الإنسان. وأنا أيضًا أعاني من نقص النوم، لذا أحتاج إلى إجازة—”
“تحقّق أكثر من أمر الأميرة.”
قاطع الإمبراطور ثرثرة أوريون غير المفيدة ببرود.
“نعم.”
في تلك اللحظة، لاحت لهم فرس بيضاء تعدو بجنون نحو الغابة، وكان شعر امرأة وردي اللون يرفرف في الهواء ممتدًا خلفها.
“الأمـ…”
لم يُكمل أوريون كلمته من شدّة الذهول، حتى اندفع غراي إلى الأمام.
كان أقرب إسطبل يبعد عن هذا المكان عشر دقائق.
ورغم أنه كان يركض بأقصى سرعته، ثبّت غراي بصره على الاتجاه الذي اختفت فيه كي لا يفقدها.
حينها وقع بصره على فارس يمتطي جوادًا متجهًا نحو الإسطبل.
أسرع غراي نحوه.
وما إن رآه الفارس حتى حيّاه من دون أن يتمكّن من النزول عن حصانه.
“تشرفتُ بلقاء جلالة الإمبراطور—”
“انزل!”
ما إن ترجل الفارس على عجل، حتى قفز غراي بخفّة إلى ظهر الحصان، ثم اندفع مسرعًا نحو الغابة التي اختفت فيها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 51"