تلون وجه كورين بخيبةٍ واضحة، لكنها كانت قد خرجت أصلًا من دائرة اهتمام فيفيانا.
“داليا، سأذهب لإلقاء التحية على عمّتي.”
“نعم، تفضّلي.”
وما إن تحركت الأميرة، حتى سارعت لورا إلى اتباعها.
فخدمة صاحبة السموّ كانت أَولى عندها من تلقّي اعتذار من آنسة سورينا.
تسللت بعض الشابات من بين الجمع ولحقن بهنّ على مهل، بينما بقيت الشابات اللواتي اعتدن تلقي الهدايا الثمينة من كورين خلفها يترددن في أماكنهنّ.
“يبدو أنني أنا من فاز بالرهان، أليس كذلك؟“
قالت داليا ذلك فاشتدّ بريق الغضب في عيني كورين.
«همف! أصلًا لم أكن أرغب في منصب وصيفة. من يودّ أن يكون وصيفة للأميرة وهو يعلم بسوء علاقتها بجلالة الإمبراطور؟ لا أحد سوى آنسةٍ سقط بيتها مثلها. وأنتِ أيضًا، مجرد فتاة من مملكةٍ صغيرة ومع ذلك لا تفوّتين فرصة للتدخل حيث لا مكان لكِ. أليس هذا وقاحة؟ أليس كذلك يا آنسات؟“
“صحيح.”
“بالفعل.”
أيّدتها الشابات واحدةً تلو الأخرى.
راقبت داليا المشهد بهدوء، ثم ابتسمت ابتسامةً خفيفة.
“آني، أليست عائلة الكونت سورينا تستورد الكريستال من مملكتنا؟“
“نعم.”
“يا للأسف… عائلة كونت في الإمبراطورية تضطر لاستيراد الكريستال من مملكة صغيرة. أمرٌ يدعو للشفقة، أليس كذلك؟“
عندها فقط تذكّرت كورين أن أعمال والدها مرتبطة بعمق بمملكة فويفرن.
لكن لم يعد بإمكانها التراجع عمّا قالته.
فقد ضاع منها منصب وصيفة الأميرة،
ولو سحبت كلماتها الآن، لتقلّص نفوذها في المجتمع الراقي كما حدث مع لورا أندير.
وذلك أمر لا يمكنها تحمّله.
كان مجرد التفكير فيه يبعث الرعب في قلبها؛ فالمجتمع الراقي كان كل عالمها.
“في عالم التجارة، الثقة هي الأهم. هل من الصواب التعامل مع شخص يقول شيئًا اليوم وينقضه غدًا؟ لا، هذا غير ممكن.”
“لقد نُقل الأمر بالفعل. منذ اللحظة التي دُفعتِ فيها ليا.”
انغرست نظرة آني الباردة في كورين.
“مستحيل… لا يمكن أن تكون لكِ تلك القوة!”
ارتجفت عينا كورين.
“أنا لا، لكن ليا تملكها.”
قالت آني وكأن الأمر بديهي، فأومأت داليا موافقةً.
“همف، وما الذي يمكن لتلك الفتاة أن—”
وفي تلك اللحظة—
“آنستي!”
ركضت خادمة على عجل ونادت كورين.
“ما الأمر؟“
حدّقت بها كورين بحدّة، منزعجة من مقاطعتها.
“حدث أمرٌ جلل!”
قالت الخادمة ذلك بوجهٍ شاحب يكاد يبكي.
“ماذا؟“
“وصل خادم للتو وأخبرنا أن تجارة الكريستال الخاصة بالعائلة أُوقفت بالكامل، وأن الكمبيالات أُعلنت غير قابلة للسداد. الكونت يطلب منكِ العودة فورًا… وقال إن كل ما حدث سببه أنتِ، وإنه يجب إحضاركِ بالقوة إن لزم الأمر…” ( كمبيالات يعني تعهد او وثائق؛ يعني عندهم تعهد بسد المال الخاص بالكونت ولكن الان اصبح غير قابل للسداد )
“… ماذا؟“
سألت كورين بوجهٍ شارد، وفي تلك الأثناء، تبادلت الشابات اللواتي بقين إلى جانبها نظراتٍ محرجة، ثم بدأن يتراجعن خطوةً خطوة.
“آه، أشعر فجأة بصداع.”
“وأنا كذلك، لا بد أنني أكلت شيئًا غير مناسب.”
“هيا بنا.”
حوّلت كورين نظرها ببطء نحو داليا وملامح الذهول تعلو وجهها.
أشارت داليا إليها بنظرةٍ مشفقة.
“اذهبي بسرعة. يبدو أن مصيبةً كبيرة حلّت بعائلتك.”
“ك–كيف…؟“
تمتمت كورين بصوتٍ مرتجف، لكن الخادمة أمسكت بها وسحبتها.
“آنستي، يجب أن تذهبي فورًا.”
“انتظري، لديّ ما أقوله لتلك الآنس—”
لكن خادماتٍ أخريات تدخلن وأمسكن بذراعي كورين وجررنها خارج المكان دون رحمة.
وبينما كانت تُسحب بتلك الهيئة البائسة، تعالت همسات الشابات في قاعة حفل الشاي.
وحين لم يبقَ سوى الاثنتين، نظرت داليا إلى آني بعينين واسعتين من الدهشة.
“هل… دمّرتِ العائلة بأكملها؟“
“يبدو أن شخصًا ما غضب كثيرًا حين علم بأنكِ دُفعتِ.”
أجابت آني بهدوء تام.
‘إذًا… لقد علم أخي بالأمر.’
هزّت داليا رأسها بتعب وكأن صداعًا داهمها.
ومع تسلّط أنظار الفضول من الشابات المحيطات بهما، همست داليا لآني:
“كنتُ أريد أن أبقى هادئة، لكن الأمر فشل مجددًا.”
أطلقت زفرةً طويلة، وفي تلك اللحظة شعرت بحركةٍ خلفها.
لقد كانت الأميرة قد أنهت تحيتها للماركيزة وعادت مع مرافقيها.
“لنذهب إلى هناك. يبدو المكان أكثر هدوءًا.”
قالت لورا ذلك مشيرةً إلى ظل شجرةٍ كبيرة بعيدة عن الناس.
“شكرًا لكِ يا آنسة أندر.”
“بل أنا من يجب أن أشكركِ. دائمًا ما أتلقى منكِ المساعدة. حقًا، أشكركِ.”
“لكنني لم أفعل شيئًا يُذكر.”
قالت داليا ذلك وهي تفتح عينيها دهشةً وتلوّح بيديها نافية.
نظرت إليها لورا باستغراب؛ فلم يكن تواضعًا مصطنعًا، بل بدا أنها تقول ذلك عن قناعة صادقة.
فالناس عادةً، إن فعلوا خيرًا، حرصوا على إظهاره بكل وسيلة ممكنة.
وهكذا أخذ الإعجاب بداليا ينمو في قلبها أكثر فأكثر.
“وأنا أيضًا أودّ أن أكون شخصًا نافعًا لكِ.”
كانت داليا على وشك أن ترفض بلطف، لكنها توقفت فجأةً حين وقعت عيناها على امرأةٍ بعينها.
شابة ذات شعرٍ أحمر متوهّج كاللهب، وعينين حمراوين كالروبي، كانت الأشد لفتًا للأنظار في المكان.
محاطةً بالشابات من كل جانب، كأنها ملكة نحل.
كيف لم تنتبه إليها من قبل؟
مهما بلغت براعة آني في جمع المعلومات، فلن تضاهي خبرة لورا التي كانت يومًا جزءًا من المجتمع الراقي في الإمبراطورية.
وبالنسبة لوضعها الحالي، حيث يتعيّن عليها البحث عن زوجٍ للإمبراطور، فإن أي معلومة حتى ولو ضئيلة كانت ثمينة.
“ليست لديّ معرفة كافية بالمجتمع الراقي في الإمبراطورية، لذا سأكون ممتنة لو قدّمتِ لي المساعدة يا آنسة أندير. هل لكِ أن تخبريني عن تلك الآنسة؟“
“آه، تلك هي آنسة أناستاسيا يوفْرون، ابنة الدوق يوفْرون.”
“وكيف علاقتها بجلالة الإمبراطور؟“
سألت داليا لورا التي أصبحت بالنسبة لها مصدر معلوماتٍ جديدًا بكل جدّية.
ابتسمت لورا ابتسامةً مترددة وألقت نظرةً خاطفة نحو الأميرة قبل أن تجيب:
“جلالة الإمبراطور لا تربطه علاقة خاصة بأي آنسة.”
“ومع ذلك فهي جميلة إلى هذا الحد!”
تنهدت داليا بوجهٍ متحسّر.
نظرت لورا إليها وقد عقدت حاجبيها قليلًا.
لا شك أن آنسة يوفْرون كانت تُلقّب بزهرة المجتمع الراقي في الإمبراطورية،
لكن بالمقارنة مع الجمال الذي أمامها الآن—آنسة هيردلان—كانت تميل إلى تفضيل أنستاسيا دون تردد.
أترى داليا لا تدرك مدى جمالها؟
“داليا أجمل!”
قالت فيفيانا ذلك فجأةً بصوتٍ خجول بعد أن كانت صامتة طوال الوقت.
“شكرًا لكِ، آنسة فيفي. وأنتِ أيضًا لطيفةٌ للغاية.”
عند مديح داليا، احمرّ وجه فيفيانا خجلًا.
“شكرًا لكِ. لكنني أشعر أن مثل هذه الأماكن لا تناسبني. اللعب مع موني في القصر أكثر متعة بكثير.”
“وأنا أشارككِ الرأي تمامًا.”
وافقت داليا من أعماق قلبها؛ فلو لم يكن عليها البحث عن زوجٍ للإمبراطور، لما رغبت في البقاء هنا لحظةً واحدة.
وأثناء استماعهما للحديث، تقدّمت لورا واقترحت على الأميرة بحذر:
“إن كنتِ متعبة، هل نعود الآن يا صاحبة السموّ؟“
“أيمكننا ذلك؟“
“بالطبع. فقد ألقيتِ التحية بالفعل على الماركيزة مضيفة الحفل.”
“إذن سأعود لألعب مع موني. هل تأتين معنا يا داليا؟“
“لا يزال لديّ أمرٌ لم أنتهِ منه بعد، لكنني سأزور القصر قريبًا.”
“حسنًا!”
وبعد أن غادر موكب الأميرة، بقيت داليا وآني مختبئتين بهدوء في أحد الأركان؛ فلم تعودا ترغبان في لفت الأنظار أكثر من ذلك.
وفي تلك اللحظة، ما إن ظهرت امرأةٌ ما، حتى انقطع فجأةً ضجيج الأحاديث عند كل الطاولات.
التعليقات لهذا الفصل " 48"