✿ الفصل 46 ✿
تلقت مساعدةً أخرى من جديد.
ورغم شعورها بالحرج، لم يكن أمامها إلا أن تتقبّل إحسانها مرةً أخرى بامتنان.
انحنت لورا قليلًا نحو داليا، فبادلتها داليا بابتسامة دافئة بعينيها.
“ما زلتُ مقصّرة يا صاحبة السموّ الأميرة، لكنني سأبذل جهدي قدر استطاعتي. أتطلع إلى حسن تعاونك.”
“حسنًا. إذن سأدعوكِ من الآن فصاعدًا لورا.”
“كما تأمرين، سموّك.”
“تعالي إلى هنا يا موني. كوني على وفاق مع لورا من الآن فصاعدًا.”
“نعم سموّك. تشرفتُ بلقائكِ يا آنستي. أنا موني، خادمة سموّ الأميرة.”
ضمّت موني يديها فوق بطنها وانحنت بأدب.
“نعم، سررتُ بلقائك. أتمنى أن نتعاون جيدًا من الآن فصاعدًا.”
وجدت داليا في موني شجاعةً لطيفة؛ فلم ترتبك من لقب “الوصيفة” الذي كان يثير الرهبة عادةً، فقرّبتها منها.
“موني، سأعطيكِ الحلوى لاحقًا، لكن كلي هذه الوجبة الخفيفة أولًا.”
ناولتها قطعة مادلين من صحن الضيافة، فارتسمت على وجه موني ابتسامة عريضة.
“شكرًا لكِ يا آنستي.”
أخذت مونيه المادلين، وانحنت مرةً أخرى، ثم ركضت بخفة نحو كول وقدّمت له نصفها.
لعلها كانت ممتنّةً له لأنه كان يحملها ويعتني بها حين كانت مريضة.
ابتسم كول وربّت على رأسها، ثم أخذ القطعة.
“يبدو أن كول محبوب.”
همست داليا بذلك في أذن آني التي كانت تراقب المشهد عن كثب.
“حقًا.”
“هل تشعرين بالغيرة؟“
“ما الذي تقولينه— أعني، بالطبع لا!”
ارتبكت آني وكادت ترفع صوتها، لكنها سرعان ما عدّلته.
ضحكت داليا بخفة، وهي تتأمل شحمة أذن آني التي احمرّت.
وعندما صرفت نظرها، رأت الأميرة الإمبراطورية ولورا وقد ازدادتا قربًا تتبادلان الحديث بمرحٍ واضح.
ليت الأيام تمضي كلّها على هذا النحو الجميل.
* * *
“بالطبع لا يمكن أن يستمر الأمر هكذا.”
تمتمت داليا لنفسها، وهي تفرك ذراعيها وقد شعرت بقشعريرة باردة.
“ماذا؟ هل تشعرين بالبرد؟“
“آني، ألا ترين تعابير وجوه تلك الشابات مخيفة؟ أشعر وكأن سهامًا ستنطلق من عيونهن في أي لحظة!”
أدارت آني بصرها حول المكان بوجهٍ هادئ.
بمناسبة حفل الشاي الذي أقامته الماركيزة سوندو، نُصبت عشرات الطاولات المستديرة في حديقة الورود بالقصر الإمبراطوري.
وبين مجموعات الشابات المتحلّقات حول الطاولات، كانت نظرات الحذر والحسد والترصّد الحاد تتقاطع بحدة.
كان صراعًا صامتًا، كمعركة رماح بلا دروع.
“هكذا هو المجتمع الراقي أصلًا.”
ارتجفت داليا وهي تهزّ رأسها نفيًا.
حقًا كان من حسن حظها أنها عاشت منعزلة في القصر المنفصل؛ فالمجتمع الراقي مكان مخيف.
ما إن تغادر الإمبراطورية، حتى تعود إلى القصر الآمن، ولن تخرج منه مرةً أخرى.
“آني، دعينا نلقي التحية سريعًا ثم نذهب إلى أحد الأركان.”
“فكرة جيدة.”
اقتربت داليا وآني من السيدة النبيلة الجالسة في المقعد الأرفع.
كان شعرها أبيض ناصعًا، لكن بشرتها ناعمة كجلد الشابات، فلا يُعرف عمرها، وبدت ملامحها رصينة وأنيقة.
“نشكركِ على دعوتنا إلى هذا اللقاء الكريم يا سيدتي الماركيزة. أنا ليا هيردلان.”
“وأنا آني هيردلان.”
“آه، آنستين من مملكة فوقفرن. أشكركما على الحضور. أتمنى أن تستمتعا بحفل الشاي.”
تفحّصت عينا الماركيزة سوندو السوداوان وجهيهما ببطء.
“شكرًا جزيلًا لكِ.”
وبينما همّتا بالانصراف بعد التحية، أضافت الماركيزة بصوتٍ هادئ:
“لكن، أيّكما هي الأقرب إلى صاحبة السموّ الأميرة الإمبراطورية؟“
كان صوتها منخفضًا، لكنه جذب أنظار الشابات القريبات دفعةً واحدة.
شعرت داليا بنظراتٍ لاذعة من خلفها، فابتسمت ابتسامة متكلّفة.
“أنا من يلتقي بصاحبة السموّ على نحوٍ متكرر.”
“فهمت. أرجو أن تعتني بسموّها جيدًا يا آنسة هيردلان.”
ابتسمت الماركيزة سوندو بلطف وهي تنظر مباشرةً إلى داليا.
“نعم.”
انحنت داليا بخفة، ثم انسحبت مع آني.
كانت تشعر بأن نظرات الشابات لا تزال تلاحقها بإلحاح.
وبما أنها لم تكن ترغب في لفت الانتباه، أمسكت بذراع آني وملامح القلق بادية على وجهها.
“آني، دعينا نذهب بسرعة.”
“حسنًا.”
وافقتها آني الرأي، وغادرتا المكان على عجل.
* * *
في أحد أركان قاعة حفل الشاي، تجمّعت مجموعة من الشابات وهنّ يرتدين فساتين فاخرة.
“مبارك لكِ يا آنسة سورينا! سمعتُ أنكِ ستصبحين وصيفةً لصاحبة السموّ الأميرة؟“
“لا يزال من المبكر تلقي التهاني. فالأمر لم يُحسم بعد.”
أخفت كورين سورينا ابتسامتها خلف المروحة، متصنّعةً التواضع.
“لكن قيل إنكِ حصلتِ على خطاب توصية، أليس من المؤكد إذن أن تُقبلي؟“
“لم يتبقَّ سوى موافقة رئيس الخدم.”
أنزلت كورين عينيها بخجلٍ مصطنع.
كانت قد سمعت أن رئيس الخدم صارم، لكنها وثقت بنفوذ الشخص الذي كتب لها خطاب التوصية.
“همم… مع ذلك، لا أعلم إن كان التقرب من صاحبة السموّ الأميرة أمرًا محمودًا فعلًا.”
“صحيح، خاصةً أن علاقتها بجلالة الإمبراطور ليست على ما يرام.”
علّقت إحدى الشابات التي لم تكن تستلطفها عادةً، فردّت أخرى مؤيِّدة.
نظرت كورين إليهن بابتسامة واثقة.
صحيحٌ أن العلاقة بين الإمبراطور والأميرة سيئة، لكن منصب وصيفة لإحدى أفراد العائلة الإمبراطورية كان ميزةً عظيمة في سوق الزواج.
أما أولئك اللواتي لم يستطعن حتى الحصول على خطاب توصية، فلم يكن حسدهنّ سوى دليلٍ على غيرتهن منها.
“آه، سمعتُ أن آنسة بروك حاولت جاهدةً الحصول على خطاب توصية. يبدو أنكِ لم تنجحي في ذلك في النهاية؟“
قالت كورين ذلك بملامح توحي بالأسف الشديد، فشدّت آنسة بروك شفتيها وحدّقت بها بغيظ.
ضحكت كورين بسخرية مستمتعةً بتلك النظرة؛ فالفائزة في النهاية كانت هي.
“أليست تلك آنسة أندير هناك؟“
أشارت إحدى الشابات إلى آنسة أندير التي دخلت القاعة للتو، محاولةً كسر الأجواء المتوترة داخل المجموعة.
فالتفت رأس كورين بسرعة.
ما زال الإحراج الذي تسببت به آنسة أندير يثير حنقها حتى الآن.
وكيف تجرؤ، وهي من أسرةٍ سقطت على الطمع في قائد الحرس الإمبراطوري؟
ترى أي فستانٍ بائس ارتدته اليوم؟
“آنسة أندير ترتدي فستانًا جديدًا؟“
رفعت الشابة التي لاحظتها أولًا صوتها بدهشة.
“صحيح، يبدو فخمًا إلى حدٍّ ما.”
“يا إلهي، أيمكن أن يكون…!”
أغلقت إحدى الشابات مروحتها فجأةً وقالت بنبرةٍ مسرحية، فالتفتت الأنظار إليها.
“سمعتُ من والدتي أن البارون هوريمان قدّم عرض زواجٍ لعائلة آنسة أندير.”
“يا إلهي! أليس البارون هوريمان قد تجاوز الثمانين؟“
“بلى. حتى زوجته الثالثة توفيت قبله، ويقال إنه يبحث الآن عن زوجةٍ رابعة.”
لمعت عينا كورين بمكرٍ وهي تستمع بصمت.
إذن، أذلك الفستان هدية خطوبة من البارون هوريمان؟
“يا للروعة! يا لها من أخبار سعيدة لآنسة أندير! علينا أن نذهب و نهنئها فورًا.”
قالت كورين ذلك بسخريةٍ مشبعةٍ بالتعالي، فتلألأت عيون الشابات الأخريات بالخبث.
“بالفعل.”
“بالطبع، هذا يستحق التهنئة.”
فالسخرية من مصير آنسةٍ سقطت عن مكانتها، كانت بالنسبة لهنّ إثباتًا على أنهنّ ما زلن في القمة.
* * *
في هذه الأثناء، كانت لورا قد حضرت حفل الشاي باكرًا تنفيذًا لأمر صاحبة السموّ الأميرة، لاستطلاع الأجواء مسبقًا.
وعندما رأت الشابات يتقدمن نحوها، تنهدت في داخلها.
كانت ترغب في أن تدير ظهرها وتهرب فورًا، لكن لم يعد ذلك ممكنًا.
فقد أصبحت الآن وصيفة للأميرة.
وإن كانت ستقوم بحماية صاحبة السموّ، فلا يجوز لها بعد اليوم أن ترتعد أمام مثل هذه التجمعات.
شدّت لورا كتفيها، وواجهت الشابات القادمات بنظرةٍ هادئة وثابتة.
“لقد مرّ وقتٌ طويل يا آنسة أندير.”
كانت كورين أول من بادرها بالتحية بنبرةٍ ودودة.
“نعم، مر زمن يا آنسة سورينا.”
“فستانكِ اليوم جميل جدًا.”
“… شكرًا لكِ.”
تفاجأت لورا بالمديح غير المتوقع، فتأخرت قليلًا قبل أن تجيب.
كانت تحب الفستان فعلًا، فهو هدية من صاحبة السموّ الأميرة، لكنها لم تتوقع قط أن تمدحها أكثر من كانت تتصدر إيذاءها دائمًا.
“لا بد أنكِ تلقيتِه هديةً من أحدهم، أليس كذلك؟“
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 46"