أومأت فيفيانا برأسها، وقد ارتسمت على وجهها ملامح قاتمة.
“لا أرغب في الذهاب، لكن بما أن عمّتي هي من أقامت الحفل خصيصًا، فسأذهب لألقي التحية فقط ثم أعود.”
“ولِمَ لا ترغبين في الذهاب؟“
ةليس لديّ نبيلات مقرّبات، والجميع تقريبًا لا يحبّني.ة
قالت فيفيانا ذلك بابتسامة متكلّفة وهي تعدّل نظارتها.
شعرت داليا برغبة جامحة في أن تمسك الإمبراطور من ياقة ثوبه وتهزّه بعنف.
ما الذي يجعل هذا الإمبراطورية قاسية إلى هذا الحد مع البراعم التي ما زالت تنمو؟!’
“أنا معكِ يا فيفي أليس كذلك؟ لقد أصبحنا صديقتين الآن.”
التقت فيفيانا بعيني داليا وابتسمت ابتسامة صغيرة مشرقة.
سماع كلمةصديقة‘ كان يبعث في نفسها سرورًا في كل مرة.
وفي تلك اللحظة، لمحتا نبيلة مألوفة تقترب حاملةً سلة.
كانت الآنسة أندير التي التقتا بها سابقًا في ساحة التدريب.
أضاء وجهها حين رأت داليا، لكنها ما إن لمحت الأميرة حتى أسرعت وأدّت التحية.
“تشرفت بلقائكِ يا صاحبة السمو.”
“نعم، يمكنك رفع رأسك.”
تلقت فيفيانا التحية بوجهٍ بدا عليه بعض الارتباك.
وحين رفعت الآنسة أندير رأسها وهي لا تدري كيف تتصرّف، بادرتها داليا بالكلام بلطف.
“سعدت برؤيتكِ يا آنسة أندير.”
“مرحبًا يا آنسة هيردلان.”
“ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟“
وبتشجيع من صوت داليا الودود، قدّمت الآنسة أندير السلة بحذر.
“في المرة السابقة ساعدتني، ولم أستطع أن أشكركِ كما ينبغي. كنت أبحث عن عمل، لذا تأخرت في القدوم.”
بادرت آني إلى أخذ السلة وفتحها، فظهرت من الداخل مناديل مطرّزة بعناية.
مدّت داليا عنقها ونظرت إلى داخل السلة بعينين متلألئتين.
“واو! كنت أغار من القائد إيثان لأنه حصل على منديل آنذاك! الآن تذكرت، لم نتعرّف رسميًا يومها. أنا ليا هيردلان، وهذه آني هيردلان. أما فيفي… فلا حاجة لتعريفها أليس كذلك؟“
“بالتأكيد. أنا لورا أندير. شكرًا جزيلًا لكِ على ما فعلتهِ في ذلك اليوم.”
انحنت لورا بعمق.
“لا داعي لذلك، لم يكن أمرًا يُذكر.”
لوّحت داليا بيدها بخجل، وقد شعرت بالإحراج من كثرة الشكر.
“وما الذي حدث بالضبط؟“
تدخّلت فيفيانا بفضول، وفي تلك الأثناء كانت السيدة كلوي قد اقتربت ووضعت كرسيين ثم تراجعت إلى الخلف.
“ما رأيكم أن نجلس أولًا؟“
باقتراح داليا، جلس الجميع.
وقفت كلوي على مسافة تؤدي مهام الحراسة، بينما اقتربت موني من كول وألقت عليه تحية صامتة بعينيها، فردّ عليها بابتسامة ودودة.
سكبت آني الشاي بمهارة في الأكواب الفارغة وقدّمتها للجميع.
“يبدو أنكِ بارعة في صبّ الشاي يا آنسة هيردلان.”
قالت فيفيانا ذلك بإعجاب، فانحنت آني قليلًا.
“شكرًا لثناء سموّكِ.”
في هذه الأثناء، كانت داليا قد أخرجت المنديل، وقد أضاءت عيناها إعجابًا.
“شكرًا لكِ يا آنسة أندير إنه جميل جدًا!”
كان منديل داليا مطرّزًا بزهور وردية أنيقة، أما منديل آني فزُيّن بزهور بلونٍ قرمزي يشبه لون عينيها.
لم تستطع فيفيانا أن ترفع نظرها عن المناديل، وقد تنهدت بإعجاب.
“يا له من إتقان… لديكِ موهبة كبيرة في الأشغال اليدوية.”
“أشكركِ يا صاحبة السمو.”
انحنت لورا بعمق وقد بدا عليها الامتنان.
“حسنًا، والآن أخبرانا كيف التقيتما.”
قالت فيفيانا ذلك وقد عاد الفضول يلمع في عينيها.
ترددت داليا قليلًا بوجهٍ محرج، لكن لورا التي كانت مدينة لهما بالفضل، تولّت شرح ما حدث بالتفصيل.
بدت لورا وكأن لديها موهبة في السرد، حتى إن داليا نفسها اندمجت في القصة وكأنها لا تخصّها.
وعندما انتهت الحكاية، نظرت فيفيانا إلى داليا بنظرة إعجاب صريحة.
“أنتِ حقًا مذهلة يا داليا. دائمًا تساعدين الآخرين.”
“في الحقيقة… كنت فقط أشعر بالفضول لأرى إن كانت تلك النبيلة تمتلك حاسة شم خارقة فعلًا.”
قالت داليا ذلك مازحة، فانفجر الجميع بالضحك.
“هاهاها!”
“هوهوهو.”
ابتسمت داليا معهم.
وحين خفت صدى الضحك، سألت داليا لورا بنبرة لطيفة:
“إذًا، هل وجدتِ عملًا يا آنسة أندير؟“
“في الحقيقة… لقد تلقيت عرض زواج.”
قالت لورا ذلك وهي تطأطئ رأسها بوجهٍ قاتم، فانسكب شعرها البني على ملامحها.
مالت فيفيانا برأسها في حيرة؛ لماذا تبدو حزينة رغم أنها خُطبت؟
“هل لا ترغبين بالزواج من هذا الشخص؟ هل للأمر علاقة بالقائد إيثان؟“
سألت فيفيانا بحذر، وقد تذكّرت المقطع الذي تحدّثت فيه لورا عن إهدائه المنديل.
احمرّ وجه لورا حين رفعت رأسها.
“لا يا صاحبة السمو. القائد مجرد شخص أكنّ له الإعجاب. إنه شخص عظيم، أليس كذلك؟ وأنا أعرف قدري جيدًا.”
تدخّلت داليا بصوتٍ هادئ:
“هل يمكنني أن أسأل عن الشخص الذي تقدّم لخطبتكِ؟“
بدا أن السؤال أصاب جوهر الأمر، إذ أظلمت عينا لورا البنيّتان الداكنتان.
وبعد تردّد طويل، بدأت تتحدّث بحذر:
“إن تزوّجته… فسيكون هذا زواجه الرابع. فقد توفيت زوجته الثالثة منذ فترة قصيرة.”
“ماذا؟! وهل وافق والداكِ على هذا الزواج؟“
رفعت فيفيانا صوتها بدهشة.
هزّت لورا رأسها ببطء، مدافعةً عن عائلتها:
“لا، لقد عارضا الأمر. لكن… عائلتي لا تملك حاليًا ما يكفي لتأمين لقمة العيش. إن تزوّجته، فلن يضطروا أهلي للقلق بشأن المعيشة. موهبتي الوحيدة هي التطريز، ومع ذلك لم أجد عملًا مهما حاولت. صحيح أنني نبيلة بلا ثروة، لكن هذا يجعل الأمر أصعب… عامة الناس يترددون في توظيفي، والنبلاء ينظرون إليّ بازدراء…”
ساد الصمت فجأة على الطاولة التي كانت قبل لحظات تعجّ بالضحك.
ابتلعت داليا زفيرها ونظرت إلى لورا بعينين مليئتين بالأسى.
لم تختبر الفقر يومًا، ولذلك لم يكن لها أن تحكم على خيار لورا باستخفاف.
وحين أدارت رأسها إلى الجانب، رأت آني تصبّ الشاي بهدوء، وإلى جوارها كانت الأميرة تبدو حائرة، كأنها لا تعرف ما الذي ينبغي أن تقوله.
وفجأة، لمعت فكرة في ذهن داليا.
“هل أكملتِ اختيار الوصيفات يا فيفي؟“
“لا، ليس بعد. كبير الخدم يدقّق هذه المرة كثيرًا. آه! ما رأيك أن تصبحي وصيفتي يا آنسة أندير؟“
قالت فيفيانا ذلك بنبرة عادية في البداية، ثم أشرق وجهها وهي تنظر إلى لورا.
“ماذا؟ وصيفة لسموّكِ؟ هذا منصب لا يناله أي أحد.”
أجابت لورا مسرعة وقد بدا عليها الذهول.
فرغم أن علاقة الأميرة بالإمبراطور لم تكن على ما يرام، فإنها تظل شقيقته الوحيدة. ولكي تصبح المرأة وصيفة للأميرة، كان لا بد من اجتياز اختبارات عديدة والحصول على توصية من نبيل ذي نفوذ.
“أستطيع أن أزكّي شخصًا واحدًا على الأقل. أنتِ لطيفة في الحديث، ومتقنة للتطريز. ثم ماذا أيضًا تستطيعين؟“
“كانت آنسة أندير تبحث سابقًا عن عمل كمعلّمة خاصة.”
أضافت داليا بسرعة.
“أتذكرين ذلك؟“
كان ذلك الحوار الذي دار حين تعرّضت لورا للإهانة من الآنسة سورينا.
نظرت لورا إليها بدهشة، ولما تلاقت أعينهما، ابتسمت داليا ابتسامة دافئة.
“إذًا سأستفيد كثيرًا من التعلم منك.”
قالت فيفيانا ذلك مؤيدةً بسعادة.
“صاحبة السمو…”
ترددت لورا، وقد ارتسم على وجهها ارتباك واضح.
لو أصبحت وصيفة للأميرة، فستحصل على أجر كبير، وحينها يمكنها رفض عرض زواج البارون، وسيكون في ذلك عون كبير لعائلتها بلا شك.
لكنها لم تكن واثقة من قدرتها على أداء هذه المهمة.
وبينما كانت مترددة، التقت عيناها بعيني داليا.
كانت داليا تنظر إليها بنظرة حثٍّ وتشجيع، كأنها تقول لها: “اقبلي“.
عندها فقط أدركت لورا كيف بدأ هذا العرض أصلًا.
لقد مهّدت الأميرة داليا الحديث عمدًا، كي تتمكّن صاحبة السمو من عرض منصب الوصيفة عليها بشكل طبيعي.
التعليقات لهذا الفصل " 45"