عندها وجّهت سيلفيا نظرات حادة إلى داليا وضغطت عليها بسؤالها:
“ألم تكوني قد هدّدتِ صاحبة السمو؟ لماذا لا تستطيع صاحبة السمو الكلام؟“
“لم يحدث شيء من هذا القبيل.”
أجابت داليا بهدوء وهي تلتقي بعيني سيلفيا دون ارتباك.
“البارحة كنتِ تتذرعين بالحصانة الدبلوماسية، أما اليوم فتدخلين قصر الأميرة بكل هذه الجرأة؟ اخرجي حالًا!”
“لقد جئت بدعوة من صاحبة السمو، بوصفي صديقة لها. أليس كذلك يا آنسة فيفي؟“
“نعم، صحيح. أنا من دعوتُهن.”
قالت فيفيانّا ذلك بصوت مسموع وهي تنظر إلى سيلفيا بنظرة واثقة.
“صاحبة السمو، ألا تعلمين من يكون هؤلاء؟ تلك المرأة ضربتني الليلة الماضية. انظري إلى وجهي!”
قالت سيلفيا وهي تُبرز خدّها المتورم بفخر.
نظرت فيفيانّا بدهشة بين سيلفيا وداليا.
ابتسمت داليا لها ابتسامة محرجة ثم حوّلت بصرها إلى سيلفيا.
وقد تأكدت سيلفيا حينها أن الأميرة في صفّها فارتسمت على وجهها ابتسامة واثقة.
إلا أن داليا قابلت ذلك بنظرة هادئة، ثم فتحت فمها قائلة:
“أرجو أن تُحضري موني يا آنسة.”
“مـ… من؟“
تلعثمت سيلفيا وقد بدت عليها الدهشة، إذ لم تتوقع أن يُذكر ذلك الاسم فجأة.
“الخادمة الصغيرة موني. لقد سرقت شيئًا يخصّني، وعليّ استعادته لذا أحضريها من فضلك.”
عندها فقط ارتسمت على وجه سيلفيا ابتسامة رضا.
“آه، كنت أعلم منذ البداية أن يدها سيئة. وماذا سرقت تلك الطفلة؟“
أخذت داليا نفسًا عميقًا محاولة كبح انزعاجها.
“سأخبرك بعد أن أقابلها بنفسي، لذا أرجو أن تحضريها.”
“هذا غير ممكن. سأقوم أنا بمعاقبتها على عاداتها السيئة.”
تجمّد وجه داليا عند الرفض القاطع.
“ولماذا تقررين أنتِ ذلك؟ لقد سرقت شيئًا لي. لذا أحضريها حالًا.”
“لا يمكن. هي من أطفال قصري، وأنا من يقرّر مصيرها.”
وبينما احتدم التوتر بين الاثنتين، فتحت فيفيانّا التي كانت تستمع بصمت، فمها بحذر:
“سيلفيا… أحضري موني.”
“صاحبة السمو! أنا مُرضعتكِ.”
كانت هذه أول مرة تناديها الأميرة باسمها، لا بلقب “المربية“. ما الذي يحدث؟ لماذا لا تقف في صفها، بل تقف مع تلك النبيلة الغريبة؟
ازدادت نظرات سيلفيا حدّة.
في المقابل، أغمضت فيفيانّا عينيها بإحكام، ثم أخذت نفسًا عميقًا وفتحتهما ببطء.
كانت نظرتها وهي تواجه سيلفيا أشدّ ثباتًا من قبل.
“نعم، أعلم ذلك. لكن هذا ليس قصركِ بل قصري أنا. أحضري موني، هذا أمر.”
حدّقت سيلفيا في الأميرة بفمٍ مفتوح، كسمكة مصدومة.
لماذا تغيّرت الأميرة التي كانت تطيعها دائمًا هكذا؟
عضّت سيلفيا شفتيها بقلق ونظرت حولها.
كانت أنظار فرسان القصر والخادمات والوصيفات جميعها موجّهة نحوها.
لو كانت الأميرة وحدها لكان بإمكانها تجاهل الأمر، لكن الآن ومع وجود نبلاء من دولة أخرى وكثرة الشهود، لم يكن بوسعها الرفض بعد أن قالت الأميرة صراحة إنّه أمر.
“…أمتثل للأمر.”
انحنت سيلفيا قليلًا وأومأت للخادمة الواقفة خلفها.
دخلت خادمتان القصر بوجوه متوترة.
وبعد وقت، عادتا وهما تجرّان موني من ذراعيها.
كان رأس الطفلة مطأطأً، وأحد كاحليها ملتويًا في اتجاه غير طبيعي.
“موني!”
اندفعت فيفيانّا إلى الأمام، لكن سيلفيا اعترضت طريقها بنظرة صارمة.
“لا تقتربي يا صاحبة السمو. إنها قذرة.”
شدّت داليا على يديها المرتجفتين وهي تطحن أسنانها عند رؤية حالة موني المروّعة.
كان الوضع أسوأ مما سمعته من الأميرة.
ذلك الكاحل الملتوي كان بحاجة إلى علاج فوري وإلا ستكون العواقب خطيرة.
“أرسِلوا… الطفلة إليّ.”
قالت داليا بصوت منخفض عميق، تحاول كبح غضبها دون أن ترفع عينيها عن موني.
“لا يمكن. قد تكون سرقت شيئًا يخصّكِ، لكنّها الآن تابعة لقصرنا وسأتولى أنا أمرها.”
“بعد أن ضربتموها هكذا، وتريدون ضربها مجددًا؟“
نظرت داليا إليها غير مصدّقة.
“همف. من يرتكب خطأً يستحق العقاب أليس كذلك؟“
“صحيح. من يرتكب خطأً يستحق العقاب.”
ردّت داليا مكرّرة كلامها وقد اشتعلت عيناها غضبًا.
“ها نحن نتفاهم أخيرًا. إذًا، ما الذي سرقته تلك الطفلة منكِ؟ سأبحث عنه بنفسي.”
نظرت داليا إلى سيلفيا وقالت بصوت واضح وهادئ، وكأنها تريد أن تسمع جيدًا:
“سرقت قلبي…هذه الطفلة سرقت قلبي.”
اتسعت عينا سيلفيا بدهشة.
‘هل هذه المرأة مجنونة؟‘
“لماذا؟ هل أبدو لكِ مجنونة؟“
سألتها داليا بابتسامة مشرقة متعمّدة وبنبرة ودودة.
“……..”
ارتجفت عينا سيلفيا.
حين يعترف المجنون بنفسه أنه مجنون، يعجز المرء عن الرد.
“هل أبدو مجنونة لكِ يا آني؟“
سألت داليا بصدق وهي تنظر إلى آني الواقفة بجانبها.
“لا. لقد رأيتكِ تنزعجين لأن قلبكِ تعلّق بتلك الطفلة.”
“وأنا رأيت ذلك أيضًا.”
أجاب آني وكول بهدوء.
نظرت سيلفيا إليهم واحدًا تلو الآخر بوجه مذهول.
‘هل جنّوا جميعًا؟‘
كان خطأً أن تُحضر الطفلة إلى هنا.
صحيح أن القصر مليء بأتباعها، لكن هذا ليس مشهدًا يليق بصباح مشرق كهذا.
“أعيدوا الطفلة إلى مكانها الأصلي.”
“نعم.”
تحرّكت الوصيفات ليأخذن الطفلة إلى الداخل مجددًا، لكن فيفيانا وقفت أمامهن مانعةً إياهن.
التعليقات لهذا الفصل " 40"