✿ الفصل 35 ✿
“موني… سأفتح هذا الباب حالًا. سأأمر المُرضعة أن تُعالِجك فورًا.”
كان حلقها يؤلمها فلم تخرج الكلمات بسهولة، لكن فيفيانا أجبرت نفسها على المتابعة.
“لا بأس يا صاحبة السمو. سأغادر القصر الإمبراطوري غدًا.”
“ماذا؟“
“قالت لي المُرضعة إنني لم أعد ذات فائدة، وستعيدني إلى دار الأيتام.”
قالت موني ذلك وهي مطرقة الرأس متصنّعة نبرة هادئة بصعوبة.
“لا، لن أسمح بهذا. لن أرسلك. سأذهب إلى المُرضعة حالًا.”
“سموك، من فضلك لا تفعلي هذا بسببي. كوني حذرة من المُرضعة… لم تعد كما كانت من قبل.”
“انتظري. سأُخرجك من هنا مهما كلّف الأمر.”
نهضت فيفيانا على عجل وتوجّهت مباشرة إلى غرفة المُرضعة.
صحيح أن المربية أصبحت أكثر حدّة خلال الأشهر الماضية، لكنها كانت دائمًا في نظرها شخصًا ملائكيًا يعتني بها بحنان.
فمن الذي ضرب موني بهذه القسوة؟ أيمكن أن تكون المُرضعة؟
ثقلت خطواتها كلما اقتربت.
‘مهما تغيّر الإنسان، هل يُعقل أن يضرب موني إلى هذا الحد؟‘
هزّت رأسها بقوة، فتطاير شعرها الأسود على وجهها.
‘لا… لا بدّ أنها ليست المُرضعة. لعلّ الخادمات الأخريات القريبات منها هنّ من فعلن ذلك.’
وبحكم أن المربية كانت تشرف على جناح الأميرة، كان مكتبها متصلًا بغرفتها.
فتحت فيفيانا باب المكتب قليلًا ودخلت، فرأت باب غرفة المُرضعة مواربًا، يتسرّب منه الضوء.
‘هل ما زالت مستيقظة؟‘
مجرد التفكير في مواجهتها جعل قلبها يخفق بقوة.
رغبت في العودة أدراجها، لكن وجه موني المتورّم ظل يلوح أمام عينيها.
يجب أن تأمر بعلاج موني فورًا. ويجب أن تطالب بإعادتها.
تجمّع العرق في كفّيها من شدّة التوتر.
مسحت يديها بثوب النوم، وبالكاد أمسكت بمقبض الباب، حين تسلّل صوت من الداخل.
“نعم، كما تعلم، صاحبة السمو لا تستطيع مخالفة كلامي. آه، جائزة أخرى؟ هذا غير معقول. ألم تعظني إياها من قبل؟“
كانت المُرضعة تتحدث بمرح مع شخصٍ ما.
أنزلت فيفيانا يدها عن المقبض وتلصّصت عبر الشق.
وفجأة اتسعت عيناها إلى أقصاهما.
كانت هناك قلادة في يد المُرضعة.
ياقوتة حمراء في الوسط، تحيط بها حلقة من الذهب كأنها شمس منتصف النهار.
‘لماذا هذه القلادة في يد المربية؟‘
كانت تلك القلادة… أثرًا من متعلّقات أمها، وقد رمتها بنفسها في البحيرة.
“صاحبة السمو لن تتخلى عن هذا. ستذهب مرة أخرى إلى ضفة البحيرة لتبحث عن تلك النسخة المزيّفة من دون أن تدري أن الأصلية بحوزتي. هوهوهو.”
كادت صرخة تفلت من فيفيانا، فسارعت إلى تغطية فمها بكلتا يديها.
‘لقد خدعتني المُرضعة… كيف يمكنها أن تفعل هذا؟ خدعتني طمعًا في القلادة؟‘
تراجعت إلى الخلف بذهول، واصطدمت بوعاء نبات موضوع على الأرض.
طَقّ.
“… لحظة.”
تشنّج وجه فيفيانا وهي تنظر حولها بقلق. رأت
مكتبًا بجانبها، فأسرعت تزحف تحته وتحبس أنفاسها واضعة يدها على فمها.
“من هذا الذي يتجسّس كالفأر؟“
سمعت صوت المربية العصبي يدخل المكتب، وكأنه على بُعد خطوات منها.
كانت الظلال المرتعشة لضوء الشمعة التي تحملها تقترب تكبر وتتمدّد مخيفة كأنها شبح.
وفي تلك اللحظة، هبّت ريح قوية من النافذة المفتوحة فأطفأت الشمعة.
وتتابعت الرياح، فاهتزّت النافذة مُصدِرة ضجيجًا.
“تسك! لا أحد يُنجز عمله كما ينبغي. قلتُ لهم أغلقوا النافذة جيدًا.”
أغلقت المربية النافذة وعادت إلى غرفتها ثم أغلقت الباب بعنف.
حبست فيفيانا أنفاسها وبقيت ساكنة.
خافت إن خرجت فورًا أن تُكتشَف، فانتظرت بصمت حتى انطفأ الضوء من خلف الباب المغلق.
كم من الوقت مرّ؟
‘اختفى كل ضوء. يبدو أن المُرضعة قد نامت.’
لم تستطع فيفيانا الوقوف من شدّة الارتخاء في ساقيها، فزحفت ببطء خارج المكتب.
وما إن خرجت حتى اندفعت تمشي بلا وعي.
كانت المُرضعة التي وثقت بها طوال حياتها… لماذا تغيّرت إلى هذا الحد؟
هل تغيّرت طمعًا في قلادة أمها؟
أين ذهبت تلك المربية الطيبة؟
هل تغيّرت فعلًا، أم أنها كانت هكذا منذ البداية؟
سارت فيفيانا في الممر المظلم بوجه شارد.
‘ممن أطلب المساعدة؟ أخي؟‘
لكن إن فعلت، سينكشف أنها تخلّت عن قلادة أمها بتهوّر. وتلك القلادة كانت ذات معنى كبير لأخيها أيضًا.
مجرد تخيّل نظراته الباردة وهو يدير ظهره لها كان مرعبًا.
كانت تريد أن تصبح فردًا نبيلًا من العائلة الإمبراطورية، مثله… لكنها أخفقت.
أظلمت الدنيا أمام عينيها، ولم تعد تعرف ماذا تفعل.
‘ليت أحدًا يساعدني… أيّ شخص، لا يهم من يكون.’
كانت قد خرجت من جناح الأميرة، ومع ذلك لم يكن هناك أحد يبحث عنها.
انهمرت الدموع بلا توقف.
أمها توفّيت وهي تلدها، ووالدها كأنه كان يلومها على ذلك لم يبتسم لها ولو مرة واحدة حتى وفاته.
وكان عليها أن تُظهر علنًا علاقة سيئة مع أخيها،
والمُرضعة الوحيدة التي ظنّت أنها تستطيع الوثوق بها… خانتها.
لم يكن إلى جانبها أحد.
لا أحد.
هل لو ذهبت إلى ضفة البحيرة وأحضرت القلادة المزيّفة، ستتمكّن من مصارحة أخيها بالحقيقة؟
وهل إن نزلت مرة أخرى إلى ذلك الماء البارد، ستتوقّف عن الشعور بالوحدة؟
في تلك اللحظة—
“صاحبة السمو الأميرة؟“
وأثناء توجهها باكيةً نحو ضفة البحيرة، سمعت صوتًا يناديها من خلفها.
أدارت فيفيانا رأسها ببطء بنظرة شاردة.
رأت الفتاة النبيلة الجميلة التي كانت قد أنقذتها من قبل تقف هناك.
“آنسة…؟ هييكك.”
ومن دون أن تشعر، اندفعت نحوها وعانقتها بقوة.
وسرعان ما أحاط بها ملمس ناعم دافئ، يحتضن ظهرها بحنان.
“لا بأس… لا بأس.”
كانت اليد التي تربّت عليها دافئة إلى حدّ جعل فيفيانا تنفجر بالبكاء المرير.
وفي هذه الأثناء، كان شخصٌ ما يراقب المشهد من بعيد، فطقطق لسانه بضيق، ثم اختفى مسرعًا في مكانٍ ما.
* * *
[بي بـي بـي بـي بـي بـيب.]
في ساعة متأخرة من الليل، استيقظت داليا من نومٍ متثاقل حين بدأ ليمون يزقزق بصخب قرب رأسها.
“ليمون؟“
[بي بـي بـي بـي بـي بـيب.]
ما إن فتحت عينيها حتى رأت ليمون يرفرف بجناحيه الصغيرين ويخرج من النافذة المواربة قليلًا.
“تريدني أن أخرج؟“
[بيب.]
وكأنه يجيب بالإيجاب، هزّ ليمون رأسه ثم عاد وأمسك بشعرها بمنقاره وطار به قليلًا كأنه يحثّها على الإسراع.
«
ةحسنًا، فهمت. سآتي.”
ارتدت داليا شالًا على عجل فوق ثياب النوم، وأمسكت بشمعة ثم دخلت الغرفة المجاورة.
كانت آني نائمة بهدوء.
لو خرجت وحدها في هذا الوقت من الليل، فستنهال عليها وابلات من التوبيخ، لذا كان لا بد من إخبارها على الأقل.
اقتربت داليا من السرير على أطراف أصابعها، وخفّضت صوتها قدر الإمكان وهمست:
“آني، سأخرج قليلًا. لقد أخبرتك—”
“إلى أين تذهبين؟“
فتحت آني عينيها على اتساعهما وجلست فورًا.
“أفزعتِني!”
حدّقت داليا فيها بوجهٍ مصدوم.
‘هل كانت نائمة فعلًا؟ كيف استيقظت بهذه السرعة؟‘
“سأذهب معك. لا يمكنك الخروج وحدك مرة أخرى.”
“آه… حسنًا. مهلاً.”
أسندت داليا ظهرها إلى الجدار محاولة تهدئة قلبها الخافق، لكن جفونها انغلقت تلقائيًا وتدفّق عليها النعاس.
لماذا أيقظها ليمون في هذا الوقت المتأخر؟
“هيا بنا.”
“همم…”
ربتت آني على كتفها بخفة، وقد لفّت الشال حولها.
أومأت داليا برأسها بعينين نصف مغمضتين، وخرجت مع آني إلى الخارج.
كان ضوء القمر ساطعًا على غير العادة، فلم تكن هناك حاجة إلى الشمعة.
وكانت ريشات ليمون البرتقالية وقد انعكس عليها ضوء القمر تتوهّج بلونٍ أصفر واضح تؤدي دور دليل الطريق بامتياز.
“هل نتبع ليمون؟“
“نعم.”
“لماذا؟“
“لا أدري… لكن إن تبعناه سنعرف—”
تثاءبت داليا تثاؤبًا طويلًا ثم توقّفت فجأة في مكانها وقد رأت شيئًا ما.
كانت هناك الأميرة ترتدي ثياب النوم تسير بوجهٍ شارد.
ويبدو أن آني لاحظتها أيضًا، فشهقت بدهشة إلى جانبها.
أسرعتا معًا نحو الأميرة.
وزقزق ليمون بصفاء فوق رأس الأميرة، كأنه يؤكد أنه كان على حق.
[بيب بيب.]
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
https://t.me/+B1LRT5sCzNwxN2U0
التعليقات لهذا الفصل " 35"