حاولت الاقتراب من موني بساقين ترتجفان، لكن سيلفيا اعترضت طريقها.
“خُذوا هذه الفتاة فورًا إلى غرفة التأديب.”
أمسكت إحدى الوصيفات بذراع موني الممدّدة على الأرض وجرّتها جرًّا.
“يا مرضعتي، ألم تعديني بأنكِ لن تضربي موني بعد الآن إذا رميتُ قلادة أمّي في البحيرة؟!”
تشبثت فيفيانا بطرف تنّورة سيلفيا وهي تتوسّلها.
“همف! هل ظنّت تلك الطفلة التي اعتدنا تأديبها بالضرب أن وعدًا كهذا سيجعلها في مأمن فتمادت في وقاحتها؟ هذه فرصة مناسبة لتلقينها درسًا قاسيًا!”
رفعت فيفيانا نظرها إلى سيلفيا بعيونٍ دامعة وذهولٍ صامت.
“يا مرضعتي… لماذا تغيّرتِ هكذا؟“
“لم أتغيّر أنا، بل صاحبة السمو هي التي تغيّرت بمخالطتها تلك الوضيعة. في السابق كنتِ تطيعين كلامي جيدًا… أين ذهبت أميرتنا الطيّبة؟“
حدّقت سيلفيا في فيفيانا بنظرةٍ قاسية.
“أنا… أنا لن أخرج بعد الآن. لن أخرج، فقط لا تضربي موني بعد اليوم.”
“طبعًا يجب أن تلتزمي بكلامي يا صاحبة السمو. آه، يبدو وجهكِ قبيحًا الآن. ألم أقل لكِ؟ إخفاء الوجه بالنظارات يجعله أفضل قليلًا.”
قالت سيلفيا ذلك بنبرةٍ لطيفة، ثم دفعت النظارات المنزلقة إلى أعلى أنفها أكثر.
“نعم……”
“يكفي أن تطيعي كلامي وحسب، مفهوم؟“
“إذًا… لن تضربي موني؟“
“ادخلي غرفتكِ حالًا.”
بدّلت سيلفيا الحديث ثم غادرت المكان فورًا، وتبعتها الوصيفات الواقفات من حولها دون أن ينبسن بكلمة.
إلا وصيفةً واحدة، تأمّلت الأميرة بنظرةٍ مطوّلة، ثم تحرّكت أخيرًا بعد الجميع.
وقفت فيفيانا وحدها والدموع تتساقط من عينيها قطرةً بعد قطرة.
* * *
في ليلةٍ معتمة حين يكون الجميع غارقين في النوم، كانت غرفة فيفيانا مضاءة بضوء شمعةٍ خافت.
حدّقت فيفيانا في لهب الشمعة وبدأت تقضم أظافرها.
‘هل تلقّت موني ضربًا شديدًا؟ ماذا أفعل؟ كيف أُنقذ موني؟‘
كانت سيلفيا دائمًا مرضعتها التي تدلّلها، لكنها تغيّرت في لحظة.
أم لعلّ كلامها صحيح، وأن فيفيانا هي التي تغيّرت؟
في تلك اللحظة، سُمِع طَرقٌ خفيف على النافذة.
طق… طق.
التفتت فيفيانا التي كانت غارقة في أفكارها نحو النافذة بوجهٍ مذعور.
قفز شخصٌ يرتدي السواد كلّه إلى الداخل عبر النافذة.
نهضت فيفيانا سريعًا وكأنها اعتادت ذلك وانحنت لتحيّيه.
“وصلتَ يا صاحب الجلالة؟“
ما إن أنزل القناع الأسود حتى ظهر وجه غراي.
“لماذا تنادينني بجلالة الإمبراطور يا فيفي؟ ألا يزعجكِ أن يأتي أخوكِ بعد طول غياب؟“
سألها غراي بصوتٍ دافئ وهو ينحني ليكون بمستوى قامتها.
“لا، فقط لأن اللقب صار على لساني يا أخي.”
خفضت فيفيانا رأسها بقوة وتجنّبت نظره.
“كيف حال جسدكِ يا فيفي؟“
أخفت الطفلة اضطرابها عند سؤاله الحنون وأجابت:
“أنا بخير.”
“سمعتُ أنكِ سبحتِ وحدكِ في البحيرة؟“
“نعم.”
ظلّ رأس فيفيانا ينخفض أكثر فأكثر.
“لماذا ذهبتِ وحدكِ دون وصيفات؟“
“كنتُ أريد أن ألعب وحدي……”
اختلقت فيفيانا الكذبة بصعوبة؛ لو التقت عيناها بعينيه، لشعرت بأنها ستبوح بكل ما في قلبها.
“فهمت. لكن الأمر خطير، في المرة القادمة اذهبي مع الوصيفات حتمًا.”
“نعم……”
وبعد وقتٍ طويل، رفعت فيفيانا رأسها بحذر. وما إن تلاقت نظراتهما، حتى انحنت عينَا غراي بابتسامةٍ رقيقة.
“أخيرًا تنظرين إلى أخيكِ كما ينبغي.”
عند همسه اللطيف، شعرت فيفيانا أن الدموع توشك أن تنهمر، فقبضت يديها بقوة.
كان أخوها دائمًا يبتسم لها بلطف.
أرادت أن تخبره بكل شيء، لكنها كبحت ذلك الشعور بقوة.
لم تكن تريد أن تُخيّب أمله.
كان شائعًا بين الناس أن العلاقة بينها وبين أخيها سيئة وهي نفسها صدّقت ذلك في طفولتها.
لكن منذ سنوات، كان يأتيها سرًّا ويعلّمها أصول الحكم، وكان دافئًا كأشعة الشمس.
لم تشأ أن تُريه جانبها الضعيف.
أرادت أن تصبح أميرةً مهيبة يُجِلّها الجميع مثله تمامًا.
ولهذا، كان عليها أن تتظاهر بأن كل شيءٍ على ما يرام أمامه.
“فيفي… هل هناك ما يزعجكِ؟“
أمسك غراي يدها بلطف ونظر إليها مليًّا.
كان الدم قد سال إلى موضع الأظافر التي عضّتها قبل قليل.
“لا. لا شيء على الإطلاق. هيا نبدأ الدرس بسرعة يا أخي.”
وكعادتها، تظاهرت فيفيانا بالقوة وأن كل شيء بخير.
وحين طال نظره المتفحّص إلى وجهها، ابتسمت ابتسامةً أوسع.
“…حسنًا.”
جلس غراي قبالة فيفيانا يعلّمها علوم الحكم، وفي الوقت نفسه كان يراقبها عن كثب.
‘لا شكّ أن هناك أمرًا ما، لكنها لا تبوح به بصراحة. وإن كان الأمر كذلك، فلا بدّ من اكتشافه بطريقة أخرى.’
عندها رفعت فيفيانا التي كانت تقرأ الكتاب بجدّ رأسها وألقت عليه نظرةً خاطفة.
“يا أخي، لديّ سؤال.”
“هل هناك جزء لم تفهميه؟“
هزّت فيفيانا رأسها، ثم راقبت تعابيره بتردّد. فارتسمت على وجه غراي ابتسامة لطيفة تشجّعها على الكلام، وعندها فقط فتحت فمها بحذر.
“ما زلتُ لا أفهم لماذا يجب أن أتعلّم علوم الحكم. أليست علوم الحكم مما يتعلّمه وليّ العهد؟ أليس من المفترض أن تتزوّج أولًا، يا أخي ثم تعلّمها لاحقًا لوليّ العهد؟“
ابتسم غراي ابتسامةً مرّة وربّت على رأس فيفيانا.
“فيفي ذكيّة حقًا.”
“شكرًا لك.”
انحنت فيفيانا برأسها بخجل شاكرة، ثم خفّضت بصرها إلى الكتاب وهي تتجنّب نظره.
هل لأنها تشبه أمّها؟
كانت الطفلة رقيقةً وخجولةً بطبعها.
أما الجانب القاسي للإمبراطور الراحل، فيبدو أنه ورثه هو وحده.
كان غراي يتظاهر أمام الناس بأن علاقته بها ليست جيّدة حمايةً للطفلة.
فقد توفّيت أمّها فور ولادتها، ولم يكن الإمبراطور السابق يُبدي أي اهتمام بها.
كان كل ما يشغله هو استمرار سلالة لوسيفون عبر الأجيال.
ولم تكن اللعنة المتوارثة في العائلة الإمبراطورية تعني مجرد حياة قصيرة محدودة الزمن.
فمنذ طفولته، كان يخضع يوميًا لفحص ظهره أمام الإمبراطور. وحين كبر ذلك النقش الذي ظنّه في البداية مجرد بقعة سوداء وبدأ يتّخذ شكله الحقيقي، كان أصغر سنًا من فيفيانا الآن.
ومنذ ذلك الحين، تحوّلت حياته إلى جحيم.
الخوف الدائم من موتٍ مجهول الموعد، والنساء اللواتي لا ينفككن يقتربن، وتهديدات الإمبراطور السابق وإغراءاته كي ينجب وريثًا.
كان قد سئم من لعنة العائلة الإمبراطورية. وحتى ذلك التعصّب للسلالة الذي يفرض أن يرث العرش الرجال فقط، لم يكن في نظره سوى أمرٍ مثير للسخرية.
لكن الآن، ستكون فيفيانا أوّل إمبراطورة وستكسر تلك اللعنة المتوارثة بالدم.
ولهذا السبب بالذات، لم يكن لديه أي نيّة في الزواج.
ومع ذلك، توقّفت نظرته المشفقة عند فيفيانا. وحين التقت عيناهما، ابتسمت له الطفلة بخجل.
‘هل تريد هذه الطفلة حقًا الجلوس على العرش؟‘
بعد موته، لن يكون هناك من يرث العرش سوى فيفيانا.
وإن لم ترغب في أن تصبح إمبراطورة، فإن النبلاء لن يتردّدوا في قتلها ليزول بذلك آخر أثرٍ للشرعية الإمبراطورية.
كان عليها أن تصبح إمبراطورة لتحمي نفسها على الأقل.
“هل تحبين كونكِ من العائلة الإمبراطورية يا فيفي؟“
“…لماذا تسأل هذا السؤال؟ هل لا أبدو كعضو من العائلة الإمبراطورية؟“
سحبت الطفلة نظّارتها إلى أعلى كأنها تخفي وجهها وارتجفت عيناها بالقلق.
“ليس هذا ما أعنيه.”
“آسفة، سألتُ سؤالًا بلا داعٍ……”
“لا يا فيفي. أنتِ من العائلة الإمبراطورية أيضًا، ولن يضرّك تعلّم علوم الحكم، لذلك أعلّمكِ إيّاها. هل أجبتكِ؟“
“نعم يا أخي. بما أنني من العائلة الإمبراطورية مثلك، فسأجتهد في التعلّم.”
لمعت في عيني فيفيانا نظرة احترامٍ صادق نحوه.
أخفى غراي مرارة قلبه وابتسم لها بلطف.
“حسنًا.”
“وبالمناسبة يا أخي، متى ستتزوّج؟ أظنّ أن ابن أخي سيكون لطيفًا للغاية.”
التعليقات لهذا الفصل " 33"