“وتخرج وحدها ومن دون وصيفة واحدة؟ لماذا تركت داين الأميرة تذهب؟“
كان في صوت الإمبراطور استياءٌ واضح.
“حين همّت داين بمرافقة صاحبة السمو، كلّفتها كبيرة الوصيفات على عجل بمهمة أخرى. وبحسب التقرير، فإنها آثرت التزام الحذر لأن كبيرة الوصيفات باتت تنظر بعين الشك هذه الأيام.”
استمع الإمبراطور إلى التقرير بصمت، ووجهه خالٍ من أي تعبير.
“منذ متى تعمل داين في قصر الأميرة؟“
لم يكن الإمبراطور المعروف بذاكرته الحادة يجهل الجواب حقًا.
حاول أوريون أن يستشفّ مراد الإمبراطور وهو يجيب بسرعة:
“منذ ثلاث سنوات.”
أومأ الإمبراطور برأسه دون كلام، ثم تابع سؤاله بإيماءة خفيفة:
“وماذا عن الشائعات المتعلقة بالأميرة؟“
“لا توجد حتى الآن… غير أنّ—”
توقف أوريون في منتصف كلامه، فرفع الإمبراطور بصره نحوه.
ارتبك أوريون تحت نظراته الحادة، واستأنف حديثه:
“بدأت تنتشر شائعات تخصّ جلالتك.”
أشار الإمبراطور بذقنه إشارةً تفيد بالمتابعة.
“يُقال إن الإمبراطور أدخل امرأةً غامضة إلى القصر الرئيسي، وإن ما يُشاع عن عدم اهتمام جلالتك بالنساء ليس سوى أكاذيب. ويبدو أن بعض النبلاء رأوا جلالتك تحمل الآنسة هيردلان بين ذراعيك. ولحسن الحظ، كان وجهها مغطّى، لذا لم يُذكر اسمها.”
هزّ الإمبراطور رأسه كأنه فهم الأمر، فتلألأت عينا أوريون.
“وفوق ذلك… أظن أننا توصّلنا أخيرًا إلى كشف هوية الآنسة هيردلان. كما يبدو أن رسالة الغرام التي أبلغت عنها هارت تتعلّق بالأمر نفسه.”
وكان أوريون يتكلم طوال الوقت وهو يراقب ردّ فعل الإمبراطور، غير أن كتفيه استقاما هذه المرة بزهوٍ واضح.
تناول غراي الرسالة التي قدّمها له أوريون، وما إن فتحها حتى اتسعت عيناه قليلًا.
[داليا كومو. تعالي بسرعة. أُحبكِ. الأميرة روز.]
“في مملكة فويفرن لا توجد سوى أميرة واحدة تُدعى روز، وتبلغ من العمر أربع سنوات.”
“أين عُثر على هذه الرسالة؟“
“كانت قرب ضفاف البحيرة. في البداية ظننتها رسالة تركتها صاحبة السمو الأميرة، فقرأتها.”
ومع كل كلمة، ازداد صوت أوريون خفوتًا وكآبة.
لا بد أنه كان قلقًا من أن تكون الأميرة قد أقدمت على أمرٍ طائش.
أعاد غراي نظره إلى الرسالة، وراح يستعرض ما يعرفه:
“ليا… داليا. الأميرة داليا فويفرن، التي تعيش في القصر المنعزل.”
“نعم.”
كيف لم يخطر له الربط منذ أن سمع اسم “ليا“؟
كانت أميرةً يلفّها الغموض إلى درجة أن نبلاء فويفرن أنفسهم لا يعرفون ملامحها.
ومع ذلك، فقد خرجت من قصرها المنعزل، وجاءت إلى الإمبراطورية.
حينها فقط فهم سبب تصرّفاتها الجريئة، وكيف أنها لم تُظهر خوفًا حتى أمامه وهو الإمبراطور.
لكن… ما الذي دفع الأميرة إلى الاقتراب منه؟
من وجهة نظر مملكة فويفرن، لم يكن هناك أي دافع للسعي إلى زواج بينها وبينه؛ بل على العكس، كانوا سيتجنبون ذلك خشية أن يُفهم الأمر على أن فويفرن دولة تابعة لإمبراطورية لووسيفون.
فلماذا أخفت هويتها واقتربت منه؟
ولِمَ أصرت على الذهاب إلى بحيرة لم يزرها قط؟
وكيف أنقذت الطفلة فيفيانا في توقيت مثالي كأنها كانت تعلم مسبقًا بسقوطها في الماء؟
لقد أزاح طبقةً واحدة من أسرارها، غير أن ما تحتها كان يخفي أسرارًا أكثر.
* * *
اقتربت هارت من آني بحذر.
كانت آني جالسة عند رأس السرير، لم تتحرك طوال اليوم.
“آنسة آني، ألا تذهبين لتناول الطعام؟“
“لا بأس، سأنتظر حتى تستيقظ ليا وسآكل معها.”
“السيد كول قال الشيء نفسه.”
توجّهت عينا آني القرمزيتان نحو هارت.
“كلاكما لم تتناولا الطعام طوال اليوم. إن ذهبتما الآن، فسأبقى أنا هنا وأعتني بالآنسة ليا جيدًا.”
“قلت لكِ إنني بخير.”
“لكن الآنسة ليا ستحزن إن عرفت بالأمر لاحقًا.”
عندها فقط اضطربت نظرات آني.
فالأميرة إن علمت أنهما امتنعا عن الطعام بسببها، ستشعر بالأسى بلا شك، وقد تلوم نفسها لأنها لم تستفق سريعًا.
فهي من ذلك النوع من الناس.
لاحظت هارت التغيّر في ملامح آني بذكاء وتابعت:
“أعدكِ أنني لن أرفع عيني عن الآنسة ليا لحظة واحدة.”
حدّقت آني في هارت طويلًا.
وبنسبة تكاد تبلغ 99%… كانت تلك المرأة على الأرجح من رجال الإمبراطور.
لم تكن تعرف السبب الذي دفعها للاقتراب منهم، غير أن رجلًا تابعًا للإمبراطور لن يُلحق الأذى بعضوٍ في وفدٍ دبلوماسي على أي حال.
“هل تستطيعين أن تقسمي بالإمبراطور؟“
“ماذا؟!”
اتسعت عينا هارت دهشةً، وقد بدا الذهول واضحًا على وجهها.
“أنتِ وصيفة في القصر الإمبراطوري، أليس كذلك؟ وصاحب القصر هو الإمبراطور. هل تستطيعين أن تقسمي بسيدكِ أن ليا ستكون في أمان حتى في غيابنا؟“
“نعم، أستطيع… أستطيع أن أقسم!”
أومأت هارت برأسها مبتسمةً ابتسامةً متكلفة.
“حسنًا.”
تأكدت آني مرةً أخيرة من ملامح الأميرة النائمة الهادئة ثم نهضت من مكانها.
كان كول ملتصقًا بالجدار منكّس الرأس وقد بدت عليه علامات الانكسار.
ومنذ علمه بسقوط الأميرة مغشيًّا عليها، فقدت عيناه العسليتان الداكنتان تركيزهما كأنهما غارقتان في فراغٍ عميق.
لا بد أن هذا الرجل الذي يشبه دبًّا ساذجًا كان يعاقب نفسه في داخله لأنه لم يتمكن من حمايتها.
هل يوجد من يفهم حالته النفسية الآن كما تفهمها هي؟
حين كانوا يقيمون في القصر المنعزل، لم يكن لزامًا عليها بوصفها وصيفة ولا عليه بوصفه فارس الحراسة أن يلازما الأميرة في كل حركة وسكون.
حتى في القصر الإمبراطوري لم يخطر ببالها أن خطرًا حقيقيًا قد يقع.
غير أن حرصهم على أن تستمتع الأميرة التي لم تعرف سوى العزلة بالمكان الجديد بحرية… عاد عليهم بالوبال.
التعليقات لهذا الفصل " 26"