✿ الفصل 23 ✿
* * *
تدلّت أغصان الأشجار طويلًا، وأحاطت أوراقها الخضراء ببحيرةٍ هادئة.
ومن بعيد، كان يُرى علمٌ يرفرف في أعلى نقطة من القصر الإمبراطوري.
مالت أشعة الشمس ببطء، وعلى صفحة البحيرة الزرقاء لمع وميضٌ ذهبي متلألئ.
“تشابك، تشابك.”
دوّى صوت ارتطام الماء، كأن أحدهم يضربه بيديه.
في تلك اللحظة، برزت فجأة يدٌ صغيرة بيضاء من سطح الماء.
ومع خفق اليد الصغيرة بعجلة على السطح، ظهر وجه طفلٍ مذعور فوق الماء.
“أنقذو—…….”
وغاص وجه الطفل الشاحب في الماء في غمضة عين.
“تشابك، تشابك.”
وبدا أن حركات الطفل المتخبّطة بدأت تضعف شيئًا فشيئًا، وكأنه استُنزف تمامًا.
* * *
“لا!”
فتحت داليا عينيها على اتساعهما، وذراعها ممدودة إلى الأمام.
وحين نظرت حولها بملامح شاردة لم يبدّدها النعاس بعد رأت منظرًا خارجيًا.
كانت قد غفت مستندةً إلى شجرة.
قفزت داليا واقفة، ورفعت بصرها إلى السماء محاولةً تقدير الوقت.
لقد رأت في حلمها ذلك الوميض الذهبي المتلألئ؛ إذًا فلا بد أن الوقت كان في أواخر العصر.
ما زال هناك متّسع من الوقت.
أغمضت داليا عينيها بإحكام، وشبكت يديها معًا محاولة تهدئة قلبها المرتجف.
هي لم تستطع إنقاذ والدتها. ورغم أنها لم ترَ مشهد موتها في الحلم، إلا أنها لا تزال تعتقد أنه لو كانت أسرع قليلًا، لربما استطاعت إنقاذها.
تسلّل الندم وتأنيب الضمير اللذان دفنتهما في صدرها ورفعا رأسيهما من جديد.
هزّت داليا رأسها بقوة، وطردت تلك المشاعر التي كانت تحاول جرّها إلى القاع.
‘الآن ليس الماضي هو المهم. المهم هو إنقاذ الطفل.’
رفعت داليا بصرها وأخذت تتفحّص المكان من حولها.
‘هناك!’
رأت من بعيد العلم نفسه الذي رأته في الحلم. كان عليها أن تطلب من ليمون التوجّه إلى ذلك الاتجاه.
صرخت داليا نحو السماء.
“ليمون! ليمون!”
كانت تنظر إلى الأعلى حتى كادت رقبتها تنثني، وتمشي إلى الأمام بلا وعي.
عندها، سُمِع صوتٌ مألوف من أمامها مباشرة.
“آنسة، انتبهي إلى الطريق.”
انتفضت داليا ونظرت أمامها، فإذا بصدر الإمبراطور العريض على بعد أنفاس منها.
“كادت تصطدم بك.”
جاء صوت أوريون القَلِق من خلف الإمبراطور.
يبدو أن داليا كانت نائمةً مدةً لا بأس بها، فقد أنهى الإمبراطور اجتماعه وكان في طريق عودته.
صرخت داليا بالإمبراطور على عجل.
“جلالتك! البحيرة! أرسل أحدًا إلى البحيرة!”
نظر إليها الإمبراطور بنظرةٍ توحي بأنه لا يفهم عمّا تتحدث.
ثم واصلت داليا على عجل:
“كم بحيرة توجد في القصر الإمبراطوري؟ يجب أن تكون بحيرةً شاسعة جدًا. كانت هادئة كأنها داخل غابة.”
“آنسة هيردلان.”
ناداها الإمبراطور بنبرةٍ مهدِّئة وهي تتكلم بعجلة ودون ترتيب.
“لا وقت لدينا الآن. كم عدد البحيرات في القصر الإمبراطوري؟“
“لا توجد سوى بحيرة واحدة بتلك السعة.”
أجاب أوريون بدلًا عنه من خلفه.
“آه، هذا مطمئن…….”
تنفّست داليا الصعداء بعمق.
كانت تخشى أن تكون هناك عدة بحيرات.
راقب الإمبراطور حالتها بصمت، ثم فتح فمه متسائلًا.
“ما الذي يحدث بالضبط؟“
“أرجوك، هل يمكنك أن تقودوني إلى تلك البحيرة دون أن تسأل شيئًا؟ يمكنك احتساب هذا لقاءنا الثالث. أو إن شئت أرسل معي مرافقًا؛ فأنا أضيع الطريق بسهولة.”
توسّلت داليا بصوتٍ يائس.
قطّب غراي حاجبيه، وحدّق فيها بصمت.
‘كانت دائمًا تتحلّى بهدوءٍ فائض. فما الذي حدث ليجعلها على هذه الحال؟‘
“أوريون.”
“لدينا نحو ساعة من الوقت قبل الاجتماع التالي.”
أفاد أوريون بسرعة، وقد فهم ما يدور في ذهنه.
التقى غراي بنظرة داليا المتعلّقة به برجاء.
كان بإمكانه أن يعيّن لها مرافقًا.
لكن التحقيقات عنها لم تكن مكتملة، وكان يشعر أنه لا يعرف عنها شيئًا واضحًا.
لم يكن هناك شيء واحد مفهوم.
وتساءل لماذا تتعلّق به آنسة حقل الزهور الوردية إلى هذا الحد؟
هذه المرة، قرّر أن يعرف السبب بنفسه.
“سنحتسبه خصم اللقاء الثالث.”
“شكرًا جزيلًا.”
راقب غراي بعناية ملامح الارتياح الواضح عليها، وهي تلقي نظرةً خاطفة إلى السماء.
* * *
اتجهوا خلف الإمبراطور إلى أعماق الغابة، وسرعان ما لحق بهم ليمون.
[بي بي.]
زقزق ليمون وكأنه يطمئنها حين تلاقت عيناهما.
شعرت داليا بالطمأنينة لمجرد وجود ذلك الكائن المألوف بقربها، فأخذت تتبع ظهر الإمبراطور العريض بكل جدّ.
وحين أمسك إيثان وأوريون كلٌّ منهما بطرفٍ من غصنٍ طويل متدلٍّ، انكشف أمامهم منظرٌ بديع.
بحيرة زرقاء تحيط بها أوراق خضراء.
ووميضٌ متلألئ فوق سطح الماء.
لحسن الحظ، لم يكن الوميض ذهبيًا بعد.
لم يفُت الأوان.
‘أين يكون؟‘
كان الأفضل أن تمنع سقوط الطفل في الماء قبل أن يحدث.
تفحّصت داليا المكان، ثم ألقت نظرةً جانبية نحو البحيرة.
رغم محاولتها تجنّب ذلك، كانت كفّاها تتعرّقان كلما رأت تموّج الماء.
حاولت داليا ألّا تنظر إلى البحيرة قدر الإمكان، وأخذت تتحرّك بسرعة، تمسح المكان بنظرها.
“آنسة، ماذا تفعلين؟“
“مهلاً لحظة. عليّ أن أجد شيئًا.”
شعرت بنظرة الإمبراطور الساخطة وهو يقف مكتوف الذراعين.
تجاهلت داليا نظرته المتفحّصة عن عمد، وأجبرت نفسها على النظر نحو البحيرة.
عندها، بدأ سطح الماء يكتسي شيئًا فشيئًا باللون الذهبي.
‘يا للمصيبة.’
راحت داليا تنظر حولها بعينين قلقتين، حين اخترق صوت الإمبراطور المنخفض أذنها.
“حسنًا إذًا، أتمنى أن تجدي ما تبحثين عنه.”
نظرت داليا إليه بوجهٍ يفيض رجاءً.
“من فضلك، هل يمكنك البقاء معي قليلًا بعد؟“
“ولِمَ؟“
اسودّ بريق الخوف في عينيها البنفسجيتين، وازداد عمقهما قتامة.
“… لأنني أخاف من الماء.”
“تخافين من الماء، فلماذا طلبتِ المجيء إلى هنا إذن؟“
انخفض صوت الإمبراطور، كصيّادٍ ينصب فخًا.
“ذلك لأن…”
ترددت داليا، وتلاشى صوتها في آخر الجملة.
إلى أي حدّ يجب أن تقول الحقيقة؟
هل تقول إن طفلًا سيسقط في البحيرة؟
أم إنها رأت المستقبل في حلم؟
لكن ماذا لو لم يكن اليوم؟
ربما غدًا، أو بعد عام…
“مولاي، لقد حان الوقت.”
تدخّل أوريون في الحديث، ملوّحًا لداليا بنظرة اعتذار خفيفة.
ورغم استعجال أوريون، ظلّ نظر الإمبراطور معلّقًا على وجهها لوقتٍ طويل.
أنزلت داليا بصرها المرتجف، وانحنت برأسها.
“شكرًا لك لأنك منحتني من وقتك. يمكنك خصم اللقاء الثالث.”
شعرت بنظراته المُلحّة فوق رأسها، لكنها لم ترفع رأسها.
وبعد قليل، رأت خطواته تغيّر اتجاهها.
عندها فقط رفعت داليا رأسها وتابعت بعينيها ظهره العريض وهو يبتعد.
ولمّا اختفى الإمبراطور تمامًا عن الأنظار، جلست في مكانٍ بعيد قليلًا عن البحيرة.
كانت ضفاف البحيرة هادئةً ساكنة كأنها تؤكّد أن مثل هذا الحادث لن يقع هنا.
حاولت داليا أن تُضيّق عينيها كي لا تنظر إلى البحيرة، لكن القشعريرة سرت في جسدها وارتعد ظهرها.
كانت في طفولتها تحبّ الماء. بل كانت السباحة أحبّ ما لديها.
غير أنّها منذ أن سمعت بقصة غرق والدتها، صار الماء بالنسبة لها مصدر رعب.
لو لم تغرق أمها وتفارق الحياة، لكانت السباحة ما تزال هوايتها المفضّلة حتى الآن.
لقد ألحّت على الإمبراطور كي تأتي إلى البحيرة بسبب الحلم، لكنها لم تكن تتوقّع أن تتمكّن بنفسها من إنقاذ الطفل.
كانت تأمل فقط أن يحدث الأمر في توقيتٍ يكون فيه الإمبراطور قريبًا، فينقذه بدلًا عنها.
وفي تلك اللحظة حين بدأ انعكاس الضوء على سطح البحيرة يلمع بلونٍ ذهبي، أشرق وجه داليا بالأمل شيئًا فشيئًا.
في الحلم، كان ذلك هو التوقيت تمامًا.
إذًا، ليس اليوم.
إن كان غدًا أو في مستقبلٍ أبعد، فستتمكّن من الاستعداد على نحوٍ أفضل.
وعندها… ستنقذ الطفل.
نهضت داليا وقد ربّتت على ثوبها بشجاعة.
كانت هذه البحيرة واسعةً إلى حدّ يستحيل معه أن تراقبها وحدها.
غدًا ستعود مع كول الذي يجيد السباحة ويبحثان في كل مكان دون استثناء.
لكن في تلك اللحظة، بدأ ليمون يدور في السماء من بعيد.
[بي بي! بي بي بي بي!]
كان صوت زقزقته مختلفًا عن المعتاد.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
https://t.me/+B1LRT5sCzNwxN2U0
التعليقات لهذا الفصل " 23"