“إنه كلام وجيه فعلًا. لذلك تراقب كل إمبراطورية وكذلك مملكتنا عن كثب مسألة الزواج الإمبراطوري لجلالة الإمبراطور. وهناك من يفسّر سبب إبعاد جلالته للأميرة بأنه ما دام لم يُرزق بعدُ بوريث، فإنه لا يريد أن يترك أي مجال حتى ولو ضئيل للأميرة بوصفها الثانية في ترتيب وراثة العرش.”
قال رايان ذلك مؤيدًا رأي الأميرة.
أومأت داليا برأسها بهدوء وكأنها كانت تتوقع هذا الاستنتاج.
“ليا ذكية حقًا. قد لا يبدو ذلك واضحًا، لكنها كذلك.”
نظرت آني إلى داليا بعينين تلمعان بالإعجاب المتجدد.
“آني، بما أنكِ صديقتي، فسأتغاضى عن الكلام الذي أخفيته.”
قالت داليا ذلك مازحة، فانفجرت آني بضحكة خفيفة.
وتدخل رايان بدوره في حديثهما، بصوت يملؤه المرح:
“إذًا تخططين للاقتراب من المقربين من جلالة الإمبراطور من أجل تزويجه؟“
“فهم الأدرى بذوق جلالته وتفضيلاته.”
“الجهة الوحيدة التي يمكن لشخصٍ من خارج الدائرة المقرّبة الوصول إليها بسهولة هي جهةٌ واحدة فقط.”
“وأين تكون؟“
ابتسم رايان بلطف، ثم فتح فمه ليتكلم.
* * *
“إذن هذا هو ميدان التدريب.”
قالت داليا ذلك بإعجاب وهي تتفحص المكان بعناية.
فوق ساحة التدريب المصنوعة من رخام أسود أملس ومربّع الشكل، كانت مجموعات من الأضواء الفضية كأنها نجوم صغيرة تسبح ببطء في الهواء.
“سمعتُ أن هذا الضوء عبارة عن سحر دفاعي يمنع تناثر الحصى أثناء التدريب أو تطاير الأسلحة.”
همست آني ذلك موضحة ثم أضافت:
“وقد ركّبته إمبراطورية كريزيا كعلامة على حسن النية.”
“كما هو متوقّع من إمبراطورية كريزيا.”
فهي دولة اشتهرت بقوتها بفضل السحر.
وعلى أحد جوانب الميدان، امتدّت منصة مرتفعة طويلة حيث وقفت شابات من النبلاء متأنقات يستخدمن المظلات وينظرن من علٍ إلى الفرسان.
“هل من المعتاد أن تأتي النبيلات لمشاهدة التدريب هكذا؟ وهل يحدث الأمر نفسه في مملكتنا؟“
سارت داليا ببطء نحو المنصة.
كان المكان مثاليًا للمشاهدة.
“في ميدان التدريب عندنا، لا توجد أماكن مشاهدة مكشوفة كهذه. غالبًا ما تختبئ النبيلات بين الشجيرات ليتفرجن.”
“وكيف تعرفين كل هذا يا آني؟“
سألتها داليا بابتسامة ماكرة.
فأجابت آني ببرود:
“سمعتُه من صديقة.”
“آني، ليس لكِ صديقة غيري.”
“يبدو أننا بحاجة إلى الاقتراب أكثر لنرى بوضوح.”
تظاهرت آني بعدم سماعها وأسرعت بخطواتها.
وعندما اقتربتا من المنصة، وصل إلى مسامعهما همس النبيلات الخافت.
“يا إلهي… هل رأيتِ مهارة السير إيان قبل قليل؟ يبدو أنه بعد أيام من المعاناة أتقنها أخيرًا.”
“صحيح، لا بد أنه سيتمكن قريبًا من تكوين الهالة.”
“هل سيظهر القائد إيثان اليوم؟“
“لديّ معلومة مؤكدة من والدي. قال إن القائد سيحضر اليوم للتدريب.”
“يا للروعة! لا أطيق الانتظار.”
كانت الآنسان النبيلات وهنّ متأنقات يخفين وجوههن خلف المراوح ويتبادلن الهمس عن الفرسان. ويبدو من معرفتهن بإنجازات الفرسان أنهن يأتين إلى هنا كثيرًا.
“النبيلات مذهلات فعلًا.”
“لدينا مثيلات لهن في مملكتنا أيضًا. بعضهن يذهبن سرًا حتى إلى منازل الفرسان.”
“هذا أكثر إدهاشًا!”
اتسعت عينا داليا دهشة.
فقد كانت تعيش في القصر المنفصل، ولم تكن تعلم بوجود عالم كهذا.
اتبعت بنظرها اتجاه أنظار النبيلات نحو ساحة التدريب.
كان هناك قرابة ثلاثين فارسًا يتدربون بجد.
“آه!”
“تمهّل قليلًا!”
بين المبارزات والتدريبات باستخدام المعدات، كان هناك مشهد يجذب النظر مهما حاول المرء تجاهله.
في زاوية الميدان، كان بعض الفرسان وقد خلعوا ملابسهم العلوية، يصبّون الماء على أجسادهم لتبريدها.
قطرات تتلألأ على أجسادهم المشدودة—أهي عرق أم ماء؟
“آني، المنظر هنا… جميل فعلًا.”
كانت الأجساد أمامها تمامًا كما توصف في الروايات.
كيف لم تعرف بوجود هذا المكان الرائع من قبل؟
وبينما كانت داليا تحدق بعينين متلألئتين غير قادرة على صرف نظرها، فتحت آني مروحتها فجأة وغطّت وجه داليا.
“رجاءً يا ليا، حافظي على وقارك.”
“لكنني لن أرى شيئًا هكذا لاحقًا.”
“لا يجوز التحديق بهذه الطريقة. انظري إلى الجانب.”
وعندما نظرت، رأت النبيلات يراقبن الفرسان بعيون فقط فوق حواف مراوحهن.
“هكذا تتم المشاهدة.”
“يبدو أنكِ لا تجهلين شيئًا يا آني.”
ابتسمت داليا بخبث، بينما كانت آني تلوّح بمروحتها بهدوء، إلا أن شحمة أذنها كانت محمرة.
‘إذًا… هي أيضًا كانت تنظر.’
ابتسمت داليا في سرّها، ثم أعادت نظرها إلى الأمام.
رغم أن مشاهدة الفرسان كانت ممتعة، فإن هدفها الحقيقي كان مختلفًا.
كان عليها أن تتقرب من قائد الحرس إيثان وتجعله يلتقي سريعًا بامرأة قد تثير اهتمام الإمبراطور.
وفي تلك اللحظة—
“آنسة أندير؟“
ارتفع صوت حاد، فتوجهت أنظار النبيلات جميعًا إلى مكان واحد.
كانت هناك آنسة ترتدي فستانًا بنيًا بسيطًا على عكس الأخريات المتأنقات.
“مرحبًا.”
رحبت آنسة أندير ذات الملامح اللطيفة والعينين المنحدرتين وهي تنحني بخفة لتحية الأخريات.
“لم نركِ منذ مدة، وها أنتِ تعودين؟ مع أن القائد إيثان لا ينظر إليكِ حتى.”
قالت الآنسة سورينا التي كانت أول من لاحظ وجودها ذلك بصوت متعالٍ.
“……كنت مشغولة قليلًا.”
أجابت آنسة أندير بوجه متصلّب.
فأغلقت سورينا مروحتها بعصبية.
“نعلم ذلك. سمعنا أن أوضاعكِ ليست جيدة هذه الأيام، وأنكِ تبحثين عن عمل، أليس كذلك؟“
“نعم…… لذلك أظن أن مجيئي إلى هنا اليوم سيكون الأخير.”
قالت الآنسة أندير ذلك بابتسامة باهتة.
“يا إلهي، يا لكِ من مسكينة. هل وجدتِ عملًا؟ على ذكر ذلك، أختِ الصغيرة بحاجة إلى معلمة خاصة.”
تلألأت عينا سورينا بمكر.
“آه! هل يمكن أن تعرّفيني بها؟ أستطيع أداء عمل المعلمة الخاصة جيدًا!”
قالت آنسة أندير ذلك بلهفة، فقهقهت إحدى النبيلات الواقفات بجانب سورينا.
“آنسة سورينا، ألا تشمين رائحة غريبة؟“
“صحيح… أهي رائحة فستان قديم؟ آنسة أندير، آسفة، لكن أختِ حسّاسة تجاه الروائح. عندما تشترين فستانًا جديدًا، سأعرّفكِ بها حينها.”
عند كلمات سورينا، احمرّ وجه آنسة أندير بشدة.
ورأت النبيلات ذلك، فغطّين وجوههن بمراوحهن وأخذن يضحكن مكتومات.
أما آنسة أندير وقد احمرّ عنقها حتى قفاها فأنزلت بصرها محاولة إخفاء قلبها المجروح.
كانت في الماضي واحدةً منهن، تجتمع بهن وتخالطهن، لكنها منذ أن انهار بيت عائلتها، اعتادت أن تُنبذ وتُقصى.
غير أن الاعتياد لا يعني أن الأمر لا يؤلم.
فكلمات السخرية من النبيلات كانت دائمًا تترك جرحًا في القلب.
لقد شقّت طريقها إلى هنا اليوم بصعوبة فقط لأنها أرادت أن تراه للمرة الأخيرة.
لم تكن تملك الجرأة على مخاطبته، لكنها أرادت على الأقل أن تلقي عليه نظرة وتودّعه بصمت وحدها.
لكن ذلك كان اختيارًا أحمق.
كان ينبغي لها ألا تأتي.
شدّت بقوة على المنديل المطرّز بالحروف الأولى لاسمه، الذي كانت تنوي أن توصله إليه.
وبينما كان رأسها ينحني أكثر فأكثر نحو الأرض—
تدخّل صوت غريب فجأة بينهم.
“أنف كلب.”
التفتت النبيلات إلى الخلف بوجوه يملؤها الاستغراب.
كانت هناك امرأة جميلة لم يسبق لهن رؤيتها، تقف إلى جانب امرأة أخرى ذات ملامح هادئة وتشعّ بهالة باردة.
“ماذا قلتِ الآن؟“
“أن تشمّي الروائح بهذه الدقة، أمر رائع فعلًا. تمامًا كأنف الكلب.”
قالت المرأة الجميلة ذات الشعر الوردي ذلك، وصفّقت بيديها وكأنها تمدح.
“هل تجرؤين على مناداتي بأنف كلب؟!”
ارتجفت الآنسة سورينا غضبًا.
“إنه مديح.”
ثم التفتت قائلة: “أليس كذلك يا آني؟“
“نعم. تمييز الفساتين عن طريق الرائحة وحدها… هذا أمر يصعب على البشر فعله.”
قالت المرأة ذات الملامح الهادئة ذلك وهي تبتسم ابتسامة ساخرة خفيفة.
“من أنتما؟!”
عندها تقدّمت آني خطوة وانحنت بتحية خفيفة.
“أنا آني من أسرة الكونت هيردلان، من مملكة فويفرن. وهذه الآنسة هي ليا هيردلان.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 19"