✿ الفصل 17 ✿
داخل الحديقة المصبوغة باللون البنفسجي، كانت رائحة اللافندر تلامس طرف الأنف.
وفجأة، خيّم ظلّ أسود ضخم فوق رأسها.
كان طائر هائل يحلّق في السماء كأنه سيغطيها كلها.
طائر أحمر الجسد يشبه تجسيد النار بدا متباينًا بوضوح مع زرقة السماء.
كان رأسه المدبّب بلون برتقالي، أما ريش ذيله الممتد طويلًا فكان أحمرَ قاتمًا كاللهب.
‘لا يعقل… هل هذا ليمون بعد أن كبر؟‘
أطلق الطائر الأحمر صرخة طويلة “بييـيـي—”، ثم دار دورة واسعة في الهواء.
وبعدها أخذ يرفرف بجناحيه الكبيرين ليهبط ببطء على الأرض.
أُعجبت داليا بجمال منظره، لكنها كعادتها لم تستطع أن تنطق بكلمة.
“أما زلتِ تنتظريه؟“
حين فتح الطائر الأحمر منقاره، خرجت منه لغة البشر.
نظرت داليا إلى ليمون بوجه مذهول.
‘ليمون يتكلم؟ إذن مع من يتحدث؟ هل يخاطب شخصًا يقف خلفي؟‘
لكن كما يحدث دائمًا في الحلم، لم تستطع أن تدير رأسها.
“وهو لا ينظر إليكِ حتى كما ينبغي……”
ضرب ليمون صدره بجناحه الكبير مرارًا، وكأنه يشعر بالضيق.
وعند رؤية ذلك، ابتسمت داليا ابتسامة لطيفة.
سواء كان فرخًا صغيرًا أم طائرًا مكتمل النمو، كان يضرب صدره بالطريقة نفسها حين يشعر بالضيق.
“ليمون……”
رفعت داليا جفنيها ببطء.
“بي بي.”
كان ليمون أمامها مباشرة.
ذلك الطائر الصغير بحجم كفّ اليد مال برأسه يمينًا ويسارًا، كأنه يسأل لماذا ناديتِني؟
أحلامها كانت تُريها المستقبل.
هذا الطائر الصغير اللطيف سيكبر يومًا ليصبح بذلك الحجم، وبتلك الروعة.
فمن كان الشخص الذي كانت تتحدث معه ليمون بذلك الشكل الطبيعي؟
حدّقت داليا طويلًا في عيني ليمون الحمراوين، ثم ابتسمت ابتسامة عريضة.
فابتسم ليمون بدوره من دون أن يفهم السبب.
“بي بي.”
“ليمون، كنتَ كبيرًا جدًا فعلًا.”
مدّت داليا ذراعيها على اتساعهما، تصف حجم ليمون.
“بي بي:”
رفع ليمون رأسه بكبرياء، كأنه يقول ألم تعرفي ذلك إلا الآن؟
ضحكت داليا، وأخذت تربّت على رأسه مرارًا بدافع اللطافة.
“ليمون، أنت جميل حقًا.”
“بي بي.”
زقزق ليمون بصوت صافٍ، وضرب ذيله بخفة إلى الأسفل، وكأنه يطلب المزيد.
“ليمون، أنت لطيف، وجميل جدًا.”
وفي اللحظة التي كانت داليا تستجيب فيها لطلبه للمديح—
“ومنذ متى كان الليمون فاكهة عظيمة إلى هذا الحد؟“
تجمّدت يد داليا وهي لا تزال تربّت على ليمون.
أما ليمون الجالس فوق يدها، فطار بسرعة مبتعدًا وقد أدرك الموقف فورًا.
أدارت داليا عنقها ببطء وهي تشعر بتصلّبه.
“تشرفتُ بلقائك با جلالة الإمبراطور.”
أومأ الإمبراطور برأسه إيماءة عابرة ردًا على تحيتها، وكانت عيناه متجهتين نحو الحلويات الموضوعة على الطاولة.
تتبّعت داليا نظره، ثم أشارت بسرعة إلى شرائح الليمون الرفيعة.
“أنا أحب الليمون!”
“يبدو ذلك.”
جلس الإمبراطور في المقعد المقابل لها، ودفع طبق الليمون نحوها.
“هذا هو اللطيف… والجميل؟“
“ألا ترى أن شرائح الليمون الرقيقة هذه لطيفة جدًا؟“
قالت داليا وهي تضع شريحة ليمون على كف يدها، وكأنها تستعرضها.
“هل ترى الآنسة كل ما في هذا العالم لطيفًا؟“
عند هذا السؤال، أخذت آنسة حقل الأزهار الوردية تفكر بجدّ، ثم أومأت برأسها بقوة.
“نعم، أظن ذلك.”
“حتى وإن كان له نهاية؟“
عند طرف نظرته الباردة، كانت شريحة الليمون المقطوعة بعناية.
ترددت داليا التي يصعب دائمًا معرفة ما يدور في ذهنها، ثم فتحت فمها ببطء.
“لهذا السبب يكون أثمن، وأكثر استحقاقًا للحب. لأننا لا نعرف متى تأتي النهاية. لذلك أظن أنه يجب أن نحب بكل ما لدينا.”
نظر غراي إليها بنظرة مفاجأة.
كانت هذه أول مرة يرى فيها هذا القدر من الجدية لدى تلك الفتاة الغريبة.
حوّل غراي بصره مجددًا نحو الليمون.
كان إيثان الوحيد الذي يُسمح له بدخول هذا المكان، قد حضّر كل شيء مسبقًا.
‘امرأة تحب حتى الليمون المقطوع…’
هو نفسه، لأن نهايته محددة، لا يمنح قلبه لأي شيء.
أما هي، فتقول إن وجود نهاية هو ما يجعلها تحب بكل جهدها.
كان الأمر غريبًا.
‘هل يمكن أن يوجد شخصان متناقضان إلى هذا الحد؟‘
وكأن شيئًا ما جذبه، اتجه نظره نحو عينيها الصافيتين.
منذ لقائهما في اليوم السابق، ظل شعور غير مريح يلازمه، لذلك استدعاها مجددًا.
ومع ذلك، حين طلب منها أن تأتي إلى هذه الحديقة، لم يكن متأكدًا إن كانت ستتمكن من الدخول مرة أخرى.
لكنها هذه المرة أيضًا دخلت الحديقة من دون أن يعترضها أي شيء.
‘ما حقيقة هذه المرأة؟ هل لأنها غريبة إلى هذا الحد قبلتها الحديقة؟ مستحيل.’
“كيف نشأتِ أيتها الآنسة؟“
أنزلت آنسة حقل الأزهار الوردية شريحة الليمون من يدها بحذر، وسألته بوجه متعجب:
“لماذا خطر لك هذا السؤال فجأة؟“
“يبدو لي أنكِ نشأتِ في مكان معزول عن العالم. حرة جدًا. ومع أنكِ نبيلة، تجلسين على الأرض، وتتدحرجين، وتنامين هناك.”
وصلت نظرته إلى شعرها.
وبما أنه لا توجد اليوم أوراق خضراء عالقة به، فلا بد أنها لم تتدحرج على الأرض.
بدأ وجهها يحمرّ تدريجيًا.
“هل يمكنك أن تُبقى الجزء الأخير سرًا؟“
“عن مَن؟“
“عن آني… فهي توبّخني.”
“لا أظن أنني رأيتكِ تتلقين توبيخًا من قبل.”
“أمم… في الحقيقة، لقد نشأتُ مدللة بعض الشيء.”
أومأت آنسة حقل الأزهار الوردية برأسها، وكأنها توافق نفسها.
“نشأتِ مدللة ومع ذلك أنتِ قريبة إلى هذا الحد من الأرض؟” ( قصدة بسخرية بس تتدحرجي على الارض وتنامي عليها رغم انك مدللة )
“فلنقل إنني نشأتُ بحرية كبيرة، ما رأيك؟“
في نبرتها ما يشبه ‘سأجيبك بالطريقة التي ترضيك‘، فابتسم غراي ابتسامة خفيفة.
“أوه؟ لقد ابتسمت.”
“أنا أبتسم دائمًا.”
ابتسم غراي ابتسامة واسعة متعمّدًا.
“لكن هذه تبدو كأنها ابتسامة متكلّفة……”
“والآنسة تتجرأ على الإمبراطور بلا تردّد.”
عند ملاحظته هذه، حادت بنظرها قليلًا.
مهما كانت من فرع جانبي، فهي آنسة من بيت نبيل، ومع ذلك لا تخشى الإمبراطور.
من يراها قد يظن أنها من دمٍ إمبراطوري، أو على الأقل ملكي.
هل اختلط دم عائلة هيدرلان بدمٍ ملكي من قبل؟
‘يجب التحقيق في الأمر.’
وضع غراي الساعة الرملية التي بيده على الطاولة بإصدار صوت خافت.
“سأمنح اللقاء الثاني خمس دقائق.”
“قصير جدًا!”
أسند غراي ظهره إلى الكرسي بتراخٍ.
“لسنا في موعد غرامي، فلماذا نحتاج وقتًا أطول؟“
“هذا صحيح، لكن……”
“التعارف الذي أرادته الآنسة… يمكنكِ البدء به.”
أخذت نفسًا عميقًا، ثم فتحت دفترها بنظرة حماسية وأمسكت بريشة الكتابة.
‘ومتى أعدّت هذا؟ هل ستكتب بتلك الريشة رسالة غرامية؟‘
عبس غراي قليلًا وطرد تلك الأفكار غير المفيدة.
“ما طعامك المفضل؟“
“لا يوجد.”
“وما الآلة الموسيقية المفضلة لديك؟“
“لا يوجد.”
أجاب غراي بابتسامة مهذبة وبمنتهى الجدية.
بدت عليها علامات عدم الرضا، إذ راحت تعض شفتها السفلى بخفة.
كانت شفتاها الورديتان الممتلئتان تنضغطان بين أسنانها فتبدوان أكثر امتلاءً.
من دون أن يشعر، انشدّ نظر غراي إلى شفتيها، فسارع برفع بصره.
“هل لا تملكون أي ذوق أو تفضيل يا جلالة الإمبراطور؟“
كانت تنظر إليه بنظرة جانبية.
“وهل تحبين أنتِ كل شيء؟“
“بالطبع! طعامي المفضل هو الكوكوفان المطهو بالنبيذ والدجاج، والدجاج المشوي المغطّى بالأعشاب وزيت الزيتون بسخاء، ودجاج ديابولا المكوَّن من دجاج مفروم وخضار مع صلصة حارة، وأيضًا—”
“يبدو أن الآنسة تحب الدجاج.”
“نعم! وأنت؟“
حين نظرت إليه بعينيها اللامعتين، وجّه غراي نظره إلى الساعة الرملية.
“هل السؤال عن ذوقي في الطعام هو التعارف الذي أرادته الآنسة حقًا؟“
ترددت آنسة حقل الأزهار الوردية قليلًا بملامح جادّة، ثم سألت:
“أمم…… إذًا، ما مواصفات المرأة التي تفضّلها؟“
“لا—”
“لا تقول، لا يوجد.”
قاطعتْه بسرعة ومنعته من إكمال الجملة.
رفع غراي إحدى زوايا فمه بابتسامة ذات مغزى.
“يبدو أنه لا يوجد فعلًا.”
“هذا الكلام نفسه!”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
https://t.me/+B1LRT5sCzNwxN2U0
التعليقات لهذا الفصل " 17"