“نلتقي مرّةً أُخرى.”
“أتشرّفُ بلقاءِ جلالةِ الإمبراطور.”
انحنى الرّجلُ قليلًا بوجهٍ خالٍ من التّعبير.
“إذًا، ماذا يفعلُ شخصانِ الآن في مكانٍ مُريبٍ كهذا؟”
“إنّه مُجرّدُ ظلِّ شجرة، والمكانُ مفتوحٌ من كلّ الجهات، فلا يُعدُّ مكانًا مُريبًا.”
“نعم، صحيح!”
وحين قال الرّجلُ الحقيقةَ بهدوء، سارعت داليا إلى تأييدِه.
ارتعش حاجبا الإمبراطور بحدّة.
“آنسة، سؤالي لَمْ يكن عن هذا.”
“……آنسة؟”
ردّد الرّجلُ الغريبُ اللّقبَ كما نطق به الإمبراطور، ونقل بصره إليها.
في تلك الأثناء، كانت داليا تُدوِّر عينيها الواسعتين، وتحاول يائسةً اختلاقَ عذرٍ في رأسها.
‘سدَدْتُ فمه لأنّه بدا وكأنّه تعرّف عليّ؟’
وحين التفتت لتنظر إلى الرّجلِ الواقف بجانبها، وجدته يُحدّق فيها بنظرةٍ مُستغرِبة.
‘في الحقيقة، أنا أُخفي هويّتي لأدخل هذه الإمبراطوريّة… ولكن كيف عرَفني؟’
وقفت داليا بين الإمبراطور والرّجلِ الغريب، تنقل نظرها بينهما وتلعق شفتيها بتوتّر.
عندها، صرف الرّجلُ بصره عنها، وبادر بالكلام.
“كُنّا نتحدّث.”
“نعم، صحيح!”
سارعت داليا إلى مُوافقتِه.
حدّق الإمبراطورُ فيها طويلًا، وكأنّه يقول: هل هذا يُعَدُّ جوابًا؟
ثمّ حوّل نظره إلى الرّجل.
“القائدُ لواند. كنتُ أظنّك قليلَ الكلام فقط، لكن يبدو أنّك تعرفُ المزاح أيضًا.”
اتّسعت عينا داليا دهشةً، ورفعت نظرها إلى جانبه.
القائد لواند؟
لواند أوفيريان، الذي يُلقَّب بـ’رسولِ’؟
ذلك السّيفُ الأوحد الذي ظهر لأوّل مرّة في إمبراطوريّةِ هالين، وأثار ضجّةً عارمة.
وبالطّبع، وصلت أخبارُه حتّى مملكةِ فوربرن المجاورة.
“لا أفهمُ ما تقصدهُ.”
أجاب لواند ببرود، فمال الإمبراطورُ برأسه قليلًا.
“كان فمُك مسدودًا، فكيف تمَّت ‘المحادثة’؟”
ورغم اعتراض الإمبراطور، حافظ لواند على هدوئه وكأنّ الأمر لا يستحقّ الذكر.
“تحدّثنا قبل أن يُسدَّ فمي.”
“هكذا إذًا. آنسة، لماذا سدَدْتِ فمَ القائد؟”
“ذلك لأنّ…”
تردّدت داليا في الإجابة، فأنزل لواند نظره إليها.
تشابكت نظراتُهما في الهواء.
“آنـ… آنسة، لقد أسأتُ التصرّف معكِ. أعتذر.”
انحنى وهو يعتذر، متلعثمًا في اللّقب.
“آه، لا، لا بأس. قد يساء الفهم في مثل هذا الموقف.”
“أنا لواند أوفيريان.
هل تسمحين لي بمعرفة اسمكِ؟”
“ليا هارديران.”
ما إن انتهت من الكلام، حتّى ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على وجه لواند.
“ليا…….”
“قائد. التّعريف بالنّفس لا يعني أنّها سمحت لك باستخدام اسمها.”
تدخّل الإمبراطور بصوتٍ باردٍ كالجليد.
“أعتذر. يبدو أنّ تشابه الاسم مع شخصٍ أعرفه جعلني أسيء الفهم أكثر.”
حدّق فيها بثبات.
اهتزّت عينا داليا البنفسجيّتان كأنّهما تعرّضتا لزلزال.
كانت نظرتُه الصّامتة تسألها: أأنتِ الأميرةُ حقًّا؟
من الواضح أنّه لقاؤهما الأوّل، فكيف تأكّد إلى هذا الحدّ؟
أجابت داليا وهي تُشيح ببصرها عنه بارتباك.
“اسمُ ليا شائعٌ إلى حدٍّ ما.”
“اسمٌ جميل.”
“هل تسمحين لي بمناداتكِ به، آنسة؟”
‘هذا الرّجل ينطق ‘آنسة’ بطريقةٍ غير طبيعيّة!’
ثمّ لماذا، وهو واثقٌ من هويّتها، يُساعدها على الكذب؟
رفعت داليا نظرها إليه بفضول.
“تفضّل.”
“شكرًا لكِ، ليا.”
ارتجف صوته ارتجافًا خفيفًا، ثمّ ارتفعت زاويةُ شفتيه ببطء.
وفي اللّحظة التي سُحِب فيها بصرُها دون وعي إلى ابتسامتها اللّطيفة—
“القائد لواند!”
ركض رجلٌ من بعيد وهو يناديه.
نظر لواند في ذلك الاتّجاه، ثمّ عاد ينظر إليها.
“يبدو أنّ عليّ الانصراف الآن.”
“نعم، إلى اللّقاء.”
اذهب بسرعة.
كادت داليا تلوّح بيدها، لكنّها تماسكت، واكتفت بابتسامةٍ عريضةٍ تدفعه للرّحيل.
انحنى لواند للإمبراطور، ثمّ ابتعد.
تنفّست داليا الصّعداء وهي تراقب ابتعاده، لكنّها رفعت رأسها فجأةً حين شعرت بنظرةٍ حادّة.
كانت عينا الإمبراطور تُثبَّتان عليها بحدّة.
“لماذا……؟”
“هذه المرّة الثّانية.”
لا!
سارعت داليا إلى تغطية عينيها بيدها، فحلّ الظّلام فورًا.
“ما الذي تفعلينه؟
أتحاوين حذف اللّقاء الثّاني، أليس كذلك؟”
“نعم. أنا لَمْ ألتقِ بجلالتكَ. أنا التقيتُ بالقائد قبل قليل.”
“وماذا بعد؟”
“الآن لا أرى شيئًا، ولا أعرف أين تقفُ. إذًا، أستأذن.”
خطت داليا بحذرٍ وهي لا تزال تغطّي عينيها.
“آنسة، إن سرتِ هكذا ستقعين مرّةً أُخرى.”
أعلمُ ذلك.
لكن يجب أن أبتعد عن الإمبراطور الآن.
“لا بأس.”
“سأُلغي كلامي عن كونها المرّة الثّانية.”
“حقًّا؟”
أشرقت داليا، وأنزلت يدها بسرعة.
ارتسمت على وجه الإمبراطور وسامةٌ مشوبةٌ بعدم التّصديق.
“يا للسّهولة. ألا تعرفين معنى الرّفض؟”
“أنا؟”
“تتخلّين عن تغطية عينيكِ بسهولة، وتمنحين اسمكِ للآخرين بسهولة أيضًا.”
هل خُيّل إليها فقط، أم أنّ صوته يزداد برودةً؟
ابتعدت داليا خطوةً صغيرة عن الإمبراطور الذي بدا منزعجًا.
“أنتَ من قلتَ إنّ من يمشي وهو يُغطّي عينيه سيقع.”
“والاسم؟”
عقد ذراعيه، وأشار بذقنه كأنّه ينتظر الجواب.
“الاسم…….”
لا يمكنها أن تقول: ‘ثمنُ تعاونه مع كذبتي.’
وبينما كانت تُفكّر بعذرٍ مناسب، ضيّق الإمبراطور عينيه.
“أكاد أسمع صوتَ تفكيركِ من هنا.”
تراجعت داليا خطوةً أُخرى بصمت.
ألقى غراي نظرةً سريعة على المسافة التي اتّسعت بينهما، واستعجلها.
“والجواب؟”
“هل تمنحني دقيقةً واحدة؟”
رفعت سبّابتها وابتسمت ابتسامةً بريئة.
أمام إصرارها الواضح على الكذب، عقد غراي حاجبيه.
في الحقيقة، حتّى هو لم يفهم لماذا يقف هنا ويُحقّق معها.
سواء قالت اسمها أم لا، لم يكن ذلك يعنيه.
وسواء سدّت فمَ رجلٍ أم لا، لم يكن يهمّه.
إذًا، لماذا يقف هنا ويُضيّع وقته؟
ومن أين يأتي هذا الشّعورُ غير المُريح؟
في تلك اللّحظة، هبّت نسمةُ هواءٍ من مكانٍ ما، فتمايل شعرُها بلونِ الزّهر الورديّ برفق.
شدّ انتباهه جبينُها المعقود بتركيز، وشفاهُها الورديّة المنضمّة، دون وعيٍ منه.
انتزع غراي نظره عنها قسرًا، وبدأ يبحث عن سببٍ مقنع.
ألم تكن في مكانٍ مُريبٍ مع رجل؟
صحيحٌ أنّ جسدها أصغر منه بمرّتَين،
وصحيحٌ أنّه سيفُ سيّد يستطيع استخدام الأورا كما لو كان يتنفّس،
لكنّه شاهد بنفسه مواقع تصادُم الممالك الصّغرى مع الإمبراطوريّة،
وكان من الطّبيعيّ أن يتدخّل.
كما أنّ رعايةَ الوفود المُشاركة في عيدِ التّأسيس هي من واجبات الإمبراطور.
نعم، هذا هو السّبب.
ولا يوجد سببٌ آخر.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"