“نعم. وصلني التّقرير.”
“تولَّ قيادةَ وفدِ بناءِ الدّولة في لووسيفون هذه المرّة.”
“أرغبُ أن أرى ذلك المخلوقَ السِّحريّ بعينيّ.”
قال البابا بنبرةٍ ودودة.
“أنا أتبعُ أوامرَ قداستِك دائمًا.”
انحنى لواند برأسه.
نظر البابا إلى خادمهِ المُخلِص بعينينِ فخورتين، وربتَ على كتفه.
“إنّك جديرٌ بالثّقة.”
“استغلَّ عيدَ التّأسيس ذريعةً، واحصلْ على ذلك المخلوقِ قبل إمبراطوريّةِ لووسيفون.”
“وراقِبْ إمبراطورَ لووسيفون كذلك.”
“إنّه في سنٍّ كان قد تزوّج فيها منذ زمن، فلماذا يرفضُ الزّواج بهذا الإصرار؟ تحقّقْ من السّبب.”
“نعم.”
أجاب لواند بإخلاص.
توقّف لواند عن التّفكير ووقف أمام القاعةِ حيثُ اللقاءُ.
فتح الخادمُ البابَ بصمت.
دخل لواند وحده، وسار ببطءٍ على السّجّاد الأبيض الممتدّ حتّى عرشِ الإمبراطور.
كانت لوحاتُ الأباطرة السّابقين المُعلّقة على الجدران تُشعره وكأنّها تخترقُه بنظراتها.
ومع تقدّمه، ظهر الإمبراطورُ غراي.
كان الإمبراطورُ الشّاب يبتسم ابتسامةً كسولة، ومع ذلك يُحيط بهِ وَقارٌ لا يُمكِن الاقترابُ منه.
“قائدُ فرسانِ القدّيسين في إمبراطوريّةِ هالين، لواند أوفيريان، يحيّي جلالةَ إمبراطورِ لووسيفون.”
“مرّ وقتٌ طويل، أيّها القائد.”
“شكرًا لكَ لتذكري.”
“كيف لي أن أنسى سيفَ هالين الأوحد؟”
كانت عينا الإمبراطور، رغم ابتسامته الواضحة، باردتَين على نحوٍ مُقلِق.
‘ما الذي جاء بسيفِ هالين الوحيد إلى هنا؟’
كان هذا ما تعنيه نظرتُه، لكنّ لواند تظاهر بعدم الفهم ونظر إليه بثبات.
“إنّه لَقَبٌ لا أكثر.”
تلاقَت عينا لواند الزّرقاوان كالسّماء مع عيني الإمبراطور الدّامستَين أعمقَ من اللّيل.
كان لواند أوّل مَن خفَض نظره.
عندها فقط سأل الإمبراطورُ بصوتٍ هادئ.
“قداسةُ البابا بخيرٍ، أليس كذلك؟ كما هو دائمًا.”
كانت نبرته هادئة، لكنّ شوكةً حادّة كانت مُختبئة فيها.
“نعم.”
“وصلتْ هدايا قداسةِ البابا بسلام.”
“أبلِغْه أنّ إرسالَ هذا الكمّ من الماءِ المُقدَّس سيكون له أثرٌ كبيرٌ على الإمبراطوريّة.”
“نعم. سأُبلغه.”
ساد الصّمت بين الرّجلين بعد تبادل التّحيّة.
“هل سبقَ لك أن شهدتَ عيدَ تأسيسِ إمبراطوريتنا؟”
قطع الإمبراطورُ الصّمت وهو يُمعن النّظر فيه.
“هذه المرّة الأولى.”
“ولذلك أنا مُتحمّسٌ جدًّا.”
“آه، هل تسمح لي بالتّجوّل قليلًا قرب القصر الإمبراطوريّ؟”
سأل لواند بسلاسة، وكأنّ الفكرة خطرت له لتوّها، وهو يُخفي هدفه الحقيقيّ.
“مسموح.”
“شكرًا جزيلًا.”
“إذًا، أستأذنُ بالانصراف.”
انحنى لواند مرّةً أخرى.
“أيّها القائد، إنّ تجوّلك بدافع الاستمتاع بعيدِ التّأسيس فقط، دون أيّ نوايا أخرى، هذا صحيح، أليس كذلك؟”
“صحيح.”
وعند سماع الجواب، انحنت عينا الإمبراطور وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مُشرقة.
“انصَرِف.”
“نعم.”
* * *
بعد انتهاء اللقاء، غادر لواند القصرَ الرّئيسيّ عبر ممرّات الرّخام الأبيض.
انعكست في عينيه غير المُعبِّرتين حديقةُ زهورٍ فاخرة.
كان الطّريق إلى مقرّ إقامته المُخصَّص مُزيَّنًا بمناظرَ طبيعيّةٍ جميلة أينما نظر.
تمامًا كجمالِ الإمبراطور الأخّاذ الذي قابله قبل قليل.
ما معنى تلك الابتسامة الأخيرة؟
كانت تُثيرُ في نفسه انزعاجًا غريبًا.
ومع ذلك، لا يُمكِن له أن يقرأ أفكاره. لا بدّ أنّه مجرّد وَهْم.
وبينما كان يُقنِع نفسه بذلك، لامس أنفَه عبيرُ زهورٍ ناعم، مألوف.
استدار رأسُه تلقائيًّا.
وفي تلك اللّحظة، توقّفت خطواتُه فجأة.
كانت امرأةٌ تقف تحت شجرةٍ وارفةٍ بأوراقٍ خضراء.
امرأةٌ جميلةٌ إلى حدٍّ يلفت الأنظار حتّى من بعيد.
لماذا لا يستطيع أن يُبعِد نظره عنها؟
وفي ومضةٍ خاطفة، تراكب وجهُ المرأة مع وجهِ طفلةٍ صغيرةٍ لم يستطع يومًا نسيانها.
وجودٌ لم يجرؤ يومًا على التّطلّع إليه.
أميرةٌ بعينينِ تتلألآن كالنّجوم، وابتسامةٍ مشرقةٍ مُحبَّبة.
“أميرتـ…”
فزع لواند، وسارع إلى تغطية فمه بعد أن نطق بالكلمة دون وعي.
الأميرةُ التي لا تخرج من أعمق أجنحةِ القصر، لا يُمكِن أن تكون هنا.
رغم ذلك، كانت قدماه تتّجهان نحو المرأة دون إذنه.
وفي تلك الأثناء، التقت عيناه بعينيها وهي تتلفّت، كأنّها كانت بانتظار شخصٍ ما.
كانت عيناها صافيتين، مزيجًا من البنفسجيّ والأزرق السّمائيّ، تعكسانه بوضوح.
هاه…
هل يُمكِن أن يوجد في هذا العالم امراةٌ بعينينِ كهاتين؟ هذا مُحال.
مرّر لواند يده في شعره بعصبيّة، ثمّ اقترب منها ببطء.
كان قلبه يصرخ: لا تذهب، تظاهر بالجهل وامضِ.
لكنّ قدميه لم تُطيعاهُ.
التقت عيناه بعيني الأميرة التي لم يصل طولُها حتّى صدره.
وفي النّهاية، وقف أمامها.
ظلّ يُحدّق فيها بصمت، فرفرفت عيناها بدهشة.
لم يتخيّل يومًا أنّ تلك الأميرة الصّغيرة ستنمو لتصبح امرأةً بهذا الجمال وتقف أمامه هكذا.
“أميـ…” طَق.
نظر لواند بدهشةٍ إلى الأميرة التي سدّت فمه بيدها.
“مَن أنت؟”
“لا، لستُ أنا. هذا… ذلك.”
همست بتوتّرٍ واضح وهي تُراقب ما حولها.
ألا تُدرِك أنّ ردّة فعلها هذه لا تزيده إلّا يقينًا؟
كانت بريئةً كما كانت دائمًا.
وفي الجهة الأخرى، كانت داليا تُغطي فمَ رجلٍ غريبٍ بكلتا يديها، وتُحرّك عينيها بارتباك.
كانت تنتظر ليمون، لكنّ رجلًا وسيمًا لا تعرفه أخذ يُحدّق فيها دون انقطاع، فلم تتعمّد هي الأخرى صرف نظرها.
كان كول قد قال إنّ مَن يشيح بنظره أوّلًا يخسر.
‘كان يجب أن أستسلم…’
دخلت في تحدّقٍ بلا داعٍ، وكادت تُكشَف هويّتها.
كانت عيناه الزّرقاوان النّقيّتان تُحدّقان بها من علٍ.
“أعتذر عن تغطية فمك منذ اللّحظة الأولى، لكنّني حقًّا لستُ تلك الـ… ذلك.”
لم تستطع قراءة أيّ شيءٍ من تعبيره.
هل غضب لأنّها سدّت فمه فجأة؟
“سأُبعِد يدي، فلتُحاوِل أن تفهمني، حسنًا؟”
أزالت داليا يديها ببطء، وهي تُراقب ردّة فعله.
ظلّ يُحدّق بها بصمت.
لم تعرف هل فهم كلامها أم لا.
“لماذا أنتِ هنا؟”
وأخيرًا، تحرّكت شفتاه بعد صمتٍ طويل.
كان يتحدّث وكأنّه يعرفها جيّدًا، فارتجفت رموش داليا الطّويلة.
“هل تعرفني؟”
“ألم تكوني لا تخرجين من الجناح المُنعزِل؟ أميـ…”
طَق!
سدّت فمه مرّةً ثانية.
“أعتذر فعلًا، لكنّني لستُ ذلك الشّخص.
إذا ناديتَني هكذا، سأفزع كثيرًا.”
داسَت داليا الأرض بقدميها وهي على وشك البكاء.
بقي الرّجل ساكنًا دون اعتراض، رغم أنّها سدّت فمه مجدّدًا.
“سأُبعِد يدي الآن.
أرجوكَ، انتبه للألقاب.
إن فهمتَ، هل تُومِئ برأسك؟”
لكنّه ظلّ يُحدّق بها فقط.
‘ماذا أفعل؟ هذا الرّجل عنيد.’
وبينما كانت داليا توشك على الكلام بقلق، جاء صوتٌ مألوف من الخلف.
“هذا يُعَدّ جريمة.”
ارتعبت داليا كأرنبٍ ضبطه صيّاد، واستدارت بسرعة.
كان الإمبراطورُ غراي يقف وذراعاه معقودتان، يُحدّق ببرودٍ فيها وفي الرّجل الواقف بجانبها.
“تشرفتُ بلقائكَ، يا جلالةَ الإمبراطور.
لكن، مـ… ماذا تقصدُ؟”
تلعثمت داليا، فتوقّفت نظرةُ الإمبراطور الحادّة عند يدها التي كانت تُغطي فمَ الرّجل.
“تسدّين فمَ رجلٍ في مكانٍ منعزل.”
“الأمر ليس كذلك…”
سحبت داليا يدها ببطء، وبدت مظلومة.
كان الوقت نهارًا ساطعًا.
صحيح أنّها سدّت فمه، لكن…
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"