كلما تذكّرت الحوار الذي دار بينها وبين الإمبراطور اليوم، هبّت في صدرها نسائم خفيفة أربكت قلبها، فلم تستطع النوم.
“تفضّلي، اشربي هذا.”
كانت آني قد دخلت الغرفة دون أن تشعر بها، وقدّمت لها كوبًا من الكاكاو الساخن.
“شكرًا لكِ.”
“هل هناك ما يقلقكِ؟“
تردّدت داليا وهي تنظر إلى الكوب الذي يتصاعد منه البخار، ثم فتحت فمها أخيرًا.
“ما رأيكِ في رجل يلحّ بالسؤال عن النموذج المثالي، ثم يقول إنكِ الأجمل؟“
“هل جلالة الإمبراطور قال ذلك؟“
لمعت عينا آني وجلست أمامها مباشرة.
أومأت داليا برأسها بخجل، وقد احمرّ وجهها قليلًا.
كانت تعرف أنها لا يجب أن تأمل، ومع ذلك كان الأمل يتمدّد في قلبها دون استئذان.
هل يمكن أن يكون الإمبراطور يشعر بما تشعر به هي أيضًا؟
لم تختبر الحب من طرف واحد من قبل، ولم يسبق أن سمعت رجلًا يقول لها مثل هذه الكلمات، لذلك لم تعرف كيف تفهم الأمر أو تضعه في إطاره الصحيح.
“لو كان رجلًا عاديًا، لظننتُ أنه يحبكِ.”
قالت آني ذلك بحذر وبملامح متفكّرة.
“آه…”
ابتسمت داليا ابتسامة باهتة.
لكن الإمبراطور لم يكن رجلًا عاديًا، ولا وضعهما كان عاديًا.
وإذا فكّرت في الأمر على أنه كلام يقال لشخص لا يُحبّ لكنه سيضطر إلى الزواج به قريبًا، فلن يبدو السؤال عن النموذج المثالي أو الإطراء على المظهر أمرًا غريبًا إلى هذا الحد.
دفعت داليا هذا الشعور المرّ إلى زاوية بعيدة من قلبها وغيّرت الموضوع.
“أخيرًا انتهى مهرجان تأسيس الإمبراطورية.”
كانت تحدّق عبر النافذة المعتمة.
لقد جاءت إلى الإمبراطورية بحجة المهرجان، لكن أحداثًا لا تُحصى وقعت بعدها.
تهديدات بالقتل، ثم زواجها من الإمبراطور، ثم وقوعها في حبه… وفي النهاية، وجوب منع دمار العالم.
لكن… هل يكفي الزواج فعلًا لمنع نهاية العالم؟
وهل التوقيت مناسب؟
كانت تتمنى لو أمكنها إقامة الزفاف غدًا فورًا، لكن مكانتهما كإمبراطور وأميرة تجعل ذلك مستحيلًا، وهذا ما كان يثقل قلبها.
حين أطلقت داليا زفرة عميقة، رفع ليمون الذي كان ينظّف ريشه على حافة النافذة رأسه ونظر إليها بعينين متسائلتين.
التقت عيناها بعينيه فابتسمت له مطمئنة وفي تلك اللحظة سمعت صوت آني.
“يا له من طائر جميل.”
نظرت داليا إلى خارج النافذة من خلف ليمون.
لم يكن هناك أي طائر آخر.
حتى ليمون نفسه التفت لينظر خلفه وكأنه يتحقق إن كان هناك طائر مارّ.
“… أين؟“
“هناك، الطائر الجالس على حافة النافذة. لونه الأصفر جميل جدًا.”
عند كلمات آني، تبادلت داليا وليمون النظرات بذهول.
“آني… هل ترين ليمون؟“
شهقت آني بدهشة عند سؤالها.
“أهذا الطائر هو ليمون؟“
اتسعت عينا ليمون وطفق يرفرف صاعدًا في الهواء فتبعته نظرات آني تلقائيًا.
وحين أدرك ليمون ذلك، طار بسرعة نحو داليا بملامح متوترة.
“داليا!”
“ليمون… يبدو أن آني تستطيع رؤيتك الآن.”
“هذه مصيبة. لا ينبغي لأحد أن يراني بهذه السرعة.”
“لماذا؟“
سألت داليا بقلق.
“هذا يعني أنها تستطيع رؤية الـ بي–بي– أيضًا. حتى الكلام يمنعني منه!”
صرخ ليمون بغضب وهو يرفع رأسه نحو السماء.
“هل… هل أنتِ تتحدثين مع ليمون الآن؟“
نظرت آني بين داليا وليمون بتردّد.
“ألا تسمعين صوته؟“
“لا. والآن… لم أعد أراه أيضًا.”
قالت آني ذلك وهي تنظر حولها في حيرة.
“هل يظهر ويختفي؟“
“داليا، أسرعي وأخبري الإمبراطور! الأمر خطير!”
“ما الخطر؟“
سألت داليا وقد ازدادت حيرتها، فرفع ليمون صوته بانفعال.
“حاولي أن تتخيّلي شيئًا يشبهني!”
وحين رأت داليا ليمون يطرق صدره الصغير بجناحه، ارتسم القلق في عينيها.
“لا تقُل… هل تقصد وحشًا؟“
لم يجب ليمون، واكتفى بإغلاق منقاره بإحكام وهزّ رأسه.
شحب وجه داليا، فنهضت من مكانها على الفور.
“يجب أن أذهب لمقابلة جلالته حالًا.”
* * *
مكتب الإمبراطور
كان غراي وحده في المكتب بعد أن صرف إيثان.
تقدّم نحو المرآة ثم نزع قميصه وأخذ يتأمّل ظهره.
كانت العلامة السوداء تغطّي معظم ظهره، ومع ذلك لم يشعر بأي ألم بخلاف ما حدث في الحديقة.
لماذا كان الألم هناك شديدًا إلى ذلك الحد؟
هل لأنه أدرك مشاعره تجاهها فعلًا؟
منذ صغره تقبّل حقيقة أنه يعيش بعمرٍ محدود، وكان من البديهي بالنسبة له أن حياته لن تضم شريكة.
لكن ما إن شعر بحبه لداليا حتى داهمه الألم.
هل الحب مؤلم إلى هذه الدرجة؟
هل يعقل ذلك؟
لن يعترف لها أبدًا، لكن مشاعره لم تتغيّر.
فلماذا لا يشعر الآن بأي ألم؟
تتابعت الأسئلة في ذهنه بلا توقف، وكالعادة لم يجد إجابة واضحة.
فهو أصلًا لا يعرف لماذا ظهرت العلامة السوداء فيه، رغم أنها لم تظهر منذ أجيال طويلة.
كان يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يسخر من قدره ويخالفه، لكنه لم يعد متأكدًا إن كان يفعل ذلك حقًا، أم أنه مجرد دمية أخرى بيد المصير.
علّق غراي ابتسامة خالية على شفتيه، وكان يهمّ بإدخال ذراعه في كمّ القميص، حينها—
“جلالتك!”
انفتح باب المكتب فجأة على مصراعيه واندفعت داليا إلى الداخل كما لو كانت تقتحمه ثم توقفت في مكانها على نحو مفاجئ.
ما إن وقعت عيناها عليه وهو لم يُحكِم أزرار قميصه بعد حتى ارتجفت حدقتاها وكأن زلزالًا ضربهما.
“لِـ— لماذا، لماذا ملابسك— لا، أعذرني! أنا آسفة!”
“ألن تغطّي عينيكِ؟“
قال غراي ذلك وهو يضحك بخفة ويتقدّم نحوها فشهقت داليا وكأنها تذكّرت أمرًا مهمًا وأغمضت عينيها بإحكام.
“تفاجأتُ كثيرًا لدرجة أنني نسيتُ أن أغمض عيني.”
“سأحتسبها لكِ هذه المرة.”
“… أنا جادّة فعلًا.”
أخذ غراي يزرّ أزرار قميصه بتمهّل وهو يتأمّل وجهها الذي احمرّ حتى بلغ عنقها.
“وما سبب اقتحامكِ الغرفة دون إذن؟“
“آه! لديّ أمر بالغ الأهمية، لكن… هل ارتديتَ ملابسك كاملة؟“
“نعم.”
فتحت داليا إحدى عينيها فقط بحذر، ثم ما إن رأت أن الأزرار لم تُغلَق كلها، حتى أغمضتهما مجددًا.
“لم تنتهِ بعد.”
“سأنتهي حالًا. كنتُ على وشك النوم.”
“يجب أن تنام وأنت مرتدٍ ملابسك جيدًا، وإلا أصبتَ بالزكام.”
“يبدو أن صاحبة السمو الإمبراطورة المستقبلية بدأت التذمّر باكرًا. حسنًا، انتهيت.”
احمرّ شحم أذنَي داليا عند نبرته المازحة وفتحت عينيها بخجل.
كما قال، كانت الأزرار مغلقة كلها.
‘يا للأسف.’
لكن هذا ليس وقت التفكير بمثل هذه الأمور.
هزّت داليا رأسها ونظرت مباشرة في عينيه.
“جلالتك، أظن أن أمرًا خطيرًا قد حدث.”
كانت تحدّق في عينيه السوداوين بنظرة يغلّفها الخوف، فتحوّلت ملامحه هو الآخر إلى الجدية.
“ما الأمر؟“
“لقد شوهد ليمون.”
“هل تقصدين ذلك الطائر الشفّاف؟“
“نعم. ليمون كنتُ الوحيدة التي تستطيع رؤيته، لكن قبل قليل، آني رأته أيضًا. صحيح أنها قالت إنها لم تعد تراه بعد ذلك مباشرة.”
تصلّب وجه الإمبراطور.
“وما دلالة ذلك؟“
“لقد حذّرني ليمون من الخطر. أنا أستطيع رؤية الوحوش، أليس كذلك؟ فهل من الممكن أن تصبح الوحوش مثل ليمون مرئية لعامة الناس أيضًا؟“
غرق الإمبراطور في صمت قصير يفكّر.
كانت داليا تنتظر كلماته بقلق واضح.
“بل على العكس… هذا خبر جيد.”
“ماذا؟“
نظرت إليه داليا بذهول.
“إذا صار بالإمكان رؤية الوحوش، فلن نضطر بعد الآن إلى المجازفة بحثًا عن الماء المقدّس.”
“لكن الناس سيصابون بالذعر عند رؤيتها. ثم إنك قلت إن القوة المقدسة أكثر فاعلية في القضاء عليها.”
“صحيح، هذا واقع. لكن إن أصبحت الوحوش مرئية للجميع، فلن أضطر بعد الآن إلى اصطحابكِ إلى أماكن خطرة.”
قال ذلك بملامح بدت عليها الراحة بوضوح.
‘هل سلامتي أنا هي المشكلة؟‘
نظرت إليه داليا بوجه يفيض بالضيق.
“جلالتك… الجموع المذعورة لا يُعرف ما الذي قد تُقدم عليه. قد يعمّ الهلع والفوضى ويعمّ الاضطراب أرجاء البلاد.”
التقت عيناهما، فابتسم لها الإمبراطور ابتسامة مطمئنة.
“ومنع حدوث ذلك هو دور الإمبراطور.”
كلماته الواثقة جعلت داليا تشعر بالإعجاب دون أن تشعر.
لقد فهمت الآن لماذا يُعدّ أعظم حاكم في تاريخ الإمبراطورية.
وفي تلك اللحظة—
“جلالة الإمبراطور!”
دوّى صوت طرقٍ على الباب، تلاه صوت إيثان العاجل.
تبادل داليا وغراي النظرات.
لقد بدأ الأمر أسرع مما توقّعا.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 108"