“ها هي تلك الآنسة قد جاءت مجددًا لرؤية القائد إيثان. اليوم تمطر، لذلك لم تأتِ باقي الآنسات، لكنها مواظبة حقًا. هاهاها.”
على كلام تابعه، ألقى إيثان نظرة خاطفة على المرأة التي كانت تختلس النظر إليه.
كانت آنسة تقف وحدها على المنصّة ممسكة بمظلّة.
هل مرّ أكثر من عام؟
كانت تأتي إلى ساحة التدريب بانتظام، سواء أمطرت السماء أو تساقط الثلج، حتى أكثر من الفرسان أنفسهم.
في البداية لم تترك لديه انطباعًا واضحًا، فلم تبقَ في ذاكرته. لكن مع استمرارها في الحضور بإصرار يكاد يكون عنيدًا وجد نفسه في يومٍ ما يبحث عنها بعينيه أولًا ليتأكد إن كانت تقف على المنصّة.
صار يلتقط وجودها بنظره كل يوم، وإذا ما تلاقت أعينهما مصادفة، خفق قلبه فيرتدّ بنظره بعيدًا.
قلبه الذي لم يختبر الخفقان إلا وهو يحمل السيف، صار ينبض لمجرد تلاقي العيون.
شعر أن في داخله شيئًا غير طبيعي، فحاول عمدًا ألّا ينظر إلى المنصّة، لكن في النهاية لم يكن يطمئن إلا إذا لمح ولو للحظة ظهرها وهي تغادر.
“في الآونة الأخيرة لم تعد تلك الآنسة تأتي. هذا غريب.”
“آنسة أندير؟ سمعت أن عائلتها قد انهارت.”
“آه، لهذا لم تعد قادرة على الحضور.”
في تلك اللحظة، سقط قلبه سقوطًا مدويًا.
لن يراها بعد الآن؟
نظر إلى المنصّة بقلق، لكن عينيها الدافئتين ذواتي اللون البني الداكن لم تكونا في أي مكان.
هل يذهب لزيارتها في منزلها؟
ألن يكون ظهوره المفاجئ تصرّفًا غير لائق؟
وبينما ظل مترددًا طويلًا، التقاها أخيرًا من جديد.
كانت تمسك بمنديل بين يديها بإحكام.
“هل هذا لي يا آنسة أندير؟“
تساءل، متوجسًا إن كان صوته قد ارتجف.
“أنت… هل تعرفني؟“
“بالطبع.”
خرج صوته قاسيًا كقطعة خشب.
كان بإمكانه أن يكون ألطف قليلًا.
“ليس شيئًا ثمينًا. لكنني على الأرجح لن أتمكن من القدوم إلى هنا بعد الآن، لذا……”
“شكرًا لك.”
أراد أن يقول شيئًا آخر وهو يتسلّم المنديل، لكن الكلمات خذلته ولم يخرج منه سوى الشكر.
“شكرًا لأنك قبلته. سأغادر الآن.”
انحنت وغادرت بسرعة.
وهو ينظر إلى ظهرها، وهي تودّعه كما لو أنهما لن يلتقيا مجددًا، أدرك الحقيقة.
كما يتشرّب العشب ندى الصباح يومًا بعد يوم، تسللت هي إليه ببطء.
غمرت مشاعره جسده كله.
لقد أحبّها.
لكنه خوفًا من أن تكون مشاعرها نحوه مجرد احترام لا أكثر، صار جبانًا يخشى حتى الإفصاح عن قلبه المتألم.
“سمعت أن آنسة أندبر ستتزوج.”
ماذا؟
تجمّد إيثان مكانه من هول الخبر.
“لماذا تهتم بها إلى هذا الحد؟“
“لأنها كانت تأتي كل يوم، فصرت أتساءل عنها.”
تتساءل عن من؟
تقدّم إيثان نحو التابع الذي نطق بالكلام.
“ستتبارز معي اليوم. يبدو أن لديك فائضًا من الطاقة يجعلك تفكر بهذه الأمور. سأحرص على ألا يبقى لديك ما يثير فضولك.”
“سيدي القائد! لستُ فضوليًا!”
بعد أن أنهك تابعه ضربًا في ساحة التدريب وغادر اجتاحه فراغ ثقيل.
هل ستتزوج؟
ولم يجرؤ حتى على الاعتراف؟
كان صدره يختنق وكأن أنفاسه ستنقطع إن لم يصطدم السيف بسيف.
“يا هذا، كلها إشاعات. آنسة أندير هي من رفضت العرض.”
سمع إيثان أحد التابعين يهمس بذلك للتابع الذي تبارز معه.
وعند مغادرته ساحة التدريب، أقسم في نفسه:
لن يتردد بعد الآن.
* * *
“أنا أحبك. لا أعلم لماذا لا تصدّقين كلامي، لكنني سأثبت لكِ صدقه. لذلك، امنحيني فرصة.”
اعترف إيثان بجمود كأنه النموذج المثالي للفارس.
رفعت لورا يدها لتغطي فمها وقد ارتسم على وجهها عدم التصديق.
لم تفعل ذلك إلا خوفًا مما قد يخرج من فمها.
‘إنه يحبني؟ لماذا؟‘
كان بإمكانه أن يملأ هذه الحديقة كلها بالنساء النبيلات اللواتي يعشقنه، ومع ذلك كان يقول إنه يحبها هي.
“هل سمعتم ما قاله القائد؟“
“أظن أن أذنيّ قد تعطّلتا……”
“لا، أنا سمعته أيضًا.”
أعادت همسات الآنسات لورا إلى وعيها.
الإشاعة… نعم، بسببها.
إن كان إيثان يفرض على نفسه هذا الاعتراف فقط لمساعدتها، فعليها أن توقفه.
رغم أنه اعتراف كاذب، شعرت أنها تستطيع أن تعيش عمرًا كاملًا وهي تحمل كلماته في قلبها.
ذلك وحده كان كافيًا.
هدّأت لورا نفسها بصعوبة، ثم فتحت فمها ببطء.
“سيدي القائد، حقًا يمكنك أن تتوقف الآن……”
في تلك اللحظة، مدّ يده إلى مزهرية على الطاولة وانتزع منها زهرة وردية.
مسح بيده ساق الزهرة المبتلّة التي تقاطر منها الماء، ثم ناولها لها وقد احمرّ وجهه.
“لقد أفسدت الترتيب كله. هذا خطئي. في المرة القادمة سأعترف على نحو يليق بك حقًا وسأستمر في الاعتراف مرة بعد مرة حتى تصدّقي قلبي.”
كان مظهره أشبه بمن يتقدّم لطلب نزال، لكن يده التي تحمل الزهرة كانت ترتجف قليلًا حاملة صدقًا لا يمكن إخفاؤه.
عند هذا المشهد، عجزت لورا عن كبح مشاعرها التي فاضت دفعة واحدة.
لقد راقبته طويلًا.
سواء تساقط الثلج أو هطل المطر، كانت تأتي إلى ساحة التدريب فقط لأنها أرادت أن تراه.
رأت كيف يكون صارمًا لكنه عطوف عندما يدرّب مرؤوسيه، وكيف ينظّف ساحة التدريب سرًا حين تُترك دون ترتيب، وكيف يقف بصمت إلى جانب الجندي المصاب الذي لا يستطيع المشاركة في التدريب.
لهذا كانت تعرف الآن دون أدنى شك أن ما يفعله نابع من قلبه.
امتلأت عيناها البنيتان الداكنتان بالدموع.
فأنزل إيثان الزهرة بارتباك واضح.
“لا تبكي يا آنسة أندير، كل الخطأ خطئي.”
وحين بدا عليه الاضطراب، اقتربت منه لورا خطوة واحدة ومدّت يدها.
“أعطني الزهرة……”
“هل ستقبلينها؟“
هزّت لورا رأسها موافقة والدموع تنساب على وجنتيها.
“نعم. أنا أيضًا…… أحبك……”
“لم أسمع جيدًا؟“
مال إيثان برأسه قريبًا منها، كأنه يطلب منها أن تعيد قولها.
احمرّ وجه لورا، وهمست في أذنه:
“أنا أيضًا أحبك يا سيدي القائد.”
وحين رأت شحمة أذنه تحمرّ، ضحكت دون أن تشعر.
رفع رأسه ونظر إليها بعينين دافئتين.
“إيثان. من الآن فصاعدًا، ناديني إيثان فقط. وهل تسمحين لي أن أناديك باسمك؟“
“نعم، إيثان.”
مسحت لورا دموعها وابتسمت ابتسامة مشرقة.
وخلفهما، بينما كان الاثنان غارقين في عالمهما الخاص، ابتلعت الآنسات اللواتي اشتعلن غيرةً دموعهن وصرخاتهن المكبوتة.
* * *
انتشر خبر إيثان ولورا في الأوساط الاجتماعية كالنار في الهشيم.
التعليقات لهذا الفصل " 102"