اتسعت عينا داليا بدهشةً وهي تحدّق في ظهر الشيخ النحيل الذي كان يبتعد متكئًا على عصاه.
ألم يُحسم الأمر بعد رفض رسالة طلب الزواج؟
“هيا ندخل بسرعة.”
التفتت داليا إلى آني بوجه يعلوه القلق.
“نعم.”
بدت آني تشاطرها الشعور ذاته، فأسرعت في خطواتها، بينما تبعهما كول بصمت من الخلف وهو يرافقهما للحراسة.
وبالصدفة، كانت لورا قد خرجت أمام القصر لاستقبال داليا.
“الأميرة داليا، أهلًا بقدومكِ.”
“الآنسة أندير!”
ما إن رأتها داليا حتى أمسكت بيدها فورًا.
اتسعت عينا لورا البنيتان الداكنتان بدهشة.
“هل حدث أمرٌ ما؟“
“ليس أنا… بل أنتِ.”
قالت داليا ذلك بصوت ممتلئ بالقلق، فتلبّد وجه لورا للحظة.
“هل… رأيتِه؟“
أومأت داليا بصمت.
أطرقت لورا رأسها بملامح حائرة.
“أعتذر… لم أقصد أن تري مثل هذا الموقف.”
“لا، لا بأس. ما رأيكِ أن نتحدث قليلًا قبل أن نلتقي فيفي،؟“
“…نعم، من هنا.”
قادت لورا داليا إلى مكانٍ أقل ازدحامًا. ووقفت آني وكول على مسافة احترامًا لهما.
“منذ متى وهو يأتي إلى هنا؟“
“بعد أن رفضتُ رسالة طلب الزواج، أخبرني والداي أنه بدأ يزور منزلنا بين حينٍ وآخر. ومنذ أن علم أنني أقيم في القصر الإمبراطوري، صار يأتي يوميًا.”
شرحت لورا ما جرى بوجهٍ يعكس حيرتها وعجزها.
“وفيفي لا تعلم بعد، أليس كذلك؟“
“…لم أشأ أن أُقلق سموّ الأميرة دون داعٍ. لقد رفضتُ طلبه بالفعل، لكنني لا أفهم حقًا لماذا يواصل المجيء…”
انخفض رأس لورا وقد بدا عليها الضيق.
نظرت إليها داليا بعينين مشفقتين، ثم التقت نظراتها بآني الواقفة بعيدًا.
لم تكن آني بحاجة إلى سماع الحديث لتفهم الوضع؛ كان الغضب واضحًا على وجهها.
تبادلت داليا معها نظرة صامتة.
‘إنه يتعمد نشر الأمر في المجتمع الأرستقراطي، أليس كذلك؟‘
‘محاولة لعرقلة مستقبل الآنسة أندير.’
اشتعل الغضب في صدر داليا.
كانت ترغب في احترامه لكِبر سنه، إذ بدا كمن يسقط أرضًا لو دُفع قليلًا، لكن طمعه تجاوز الحد.
شدّت على يد لورا بقوة، ونظرت في عينيها مباشرة.
“استمعي إليّ جيدًا آنسة أندير. ثبّتي قلبكِ. الشائعات لا يُغلبها إلا شائعة أقوى.”
“شائعات؟ أي شائعات؟“
سألت لورا باستغراب.
“ذلك الفيكونت يحاول أن يعرقل مستقبلكِ بمجيئه يوميًا. إنه يوجّه رسالة إلى بقية النبلاء: هذه المرأة لي، فلا تقتربوا منها. الرجال من طبقة النبلاء سيتحرجون من الدخول في منافسة مع رجل مسن، فيتجنبون إبداء اهتمامهم بكِ. وفي الوقت نفسه، يمنح النساء مادة دسمة للثرثرة، فيتضرر اسمكِ وسمعتكِ.”
ارتجفت عينا لورا البنيتان من الصدمة.
تحركت شفتاها طويلًا بلا صوت، ثم قالت بصوت مضطرب:
“كيف يمكن أن يفكر بمثل هذا…؟“
وأطرقت رأسها واهنة.
“طمعه بلغ حدًّا جعله يلجأ حتى إلى الأفكار الدنيئة.”
“أنا… إن كان الخيار بين الزواج منه أو العيش وحدي، فإني أفضّل أن أبقى وحدي.”
هزّت داليا رأسها، ولوّحت بيد لورا قليلًا لتجعلها تنظر إليها.
“ألم أقل لكِ؟ الشائعة تُواجَه بشائعة.”
“وكيف ذلك؟“
“نُطلق شائعة أشدّ إثارة من شائعة ذلك الفيكونت.”
رمقتها لورا بنظرة حائرة، فابتسمت داليا ابتسامة واسعة ماكرة.
نظرت لورا إليها بعينين يملؤهما الاستغراب، فارتسمت على شفتي داليا ابتسامة جانبية ماكرة.
* * *
“جلالة الإمبراطور، تحياتي!”
ما إن فُتح باب المكتب حتى دخلت داليا بخطوات واثقة وألقت التحية بصوتٍ قوي.
كانت تلك أول مرة تراه منذ اليوم الأول من مهرجان التأسيس، لذا تعمّدت أن تكون تحيتها أكثر حيوية.
عليها أن تُظهر له بوضوح أنها لا تتأثر به!
رفع الإمبراطور نظره عن الأوراق أمامه وابتسم بخفة.
“ما زلتِ مفعمة بالحيوية.”
“بل أمتلك الكثير منها!”
“وما زلتِ واثقة بنفسك.”
“نعم!”
أجابت داليا بنبرة أكثر نشاطًا عن قصد.
راقبها الإمبراطور قليلًا، ثم بادر بالسؤال:
“وما الذي جاء بكِ اليوم؟“
“لستُ هنا من أجل جلالتك، بل لدي شأن مع شخصٍ آخر.”
وضع الإمبراطور الأوراق على المكتب وحدّق فيها بنظرة ضاقت قليلًا.
تجاهلت داليا نظرته، وحوّلت بصرها إلى إيثان الواقف خلفه.
“القائد إيثان، إن كان لديك وقت، هل تشاركني فنجان شاي؟“
خفض الإمبراطور صوته وهو يحدّق فيها مباشرة:
“أمر مألوف… أظن أن موقفًا مشابهًا حدث من قبل.”
“أنا لدي وقت—”
“ليس لديك.”
“بل لديه.”
قبل أن يُكمل إيثان جملته، خرج صوت الإمبراطور وصوت داليا في آنٍ واحد.
التقت نظراتهما بقوة في الهواء، ثم تحوّلتا معًا نحو إيثان.
فتح إيثان فمه بوجهٍ جامد ليجيب، لكن أورِيون الذي كان مهمَّشًا على الجانب رفع يده فجأة.
“سموّ الأميرة، أنا لدي الكثير من الوقتٌ!”
“أعتذر، لكنني أحتاج القائد إيثان وحده اليوم.”
أرسلت إليه داليا نظرة اعتذار.
“هاه… هاه…”
تظاهر أورِيون بالبكاء وهو يهز كتفيه، لكن لم يُعره اهتمامًا.
“ولِمَ تريدين شرب الشاي مع إيثان تحديدًا؟“
“إنه سرّ.”
“حين تقولين إنه سر، يزداد إصراري على عدم إرساله.”
“واو، هذا ظلم.”
“كلامكِ لزوجكِ المستقبلي مثالي حقًا.”
انحنى طرف عين الإمبراطور بابتسامة خفيفة وهو ينظر إليها، فارتجفت كتفا داليا قليلًا.
كانت كلماته المبطّنة تحمل شوكة لاذعة.
“حسنًا. هل يمكن أن تسدّ أذنيك قليلًا يا سيد أورِيون؟“
رفع أورِيون رأسه بوجهٍ حزين من زاويته.
“أنا وحدي؟“
“…آسفة.”
“هاه… هاه…”
سدّ أذنيه سدًّا شكليًا وهو يواصل تمثيل البكاء.
“قائد إيثان، تذكر الآنسة لورا أندير، أليس كذلك؟ إنها تمرّ الآن بموقفٍ محرج—”
“لدي وقت.”
قاطعها إيثان سريعًا قبل أن تُكمل، ثم نظر إلى الإمبراطور.
رمقه الإمبراطور بنظرة تفاجؤ، ثم أومأ برأسه.
لمعت عينا داليا وهي تسأل بفرح:
“إذًا لديك وقت فعلًا؟“
أومأ إيثان.
“جيد. لننطلق فورًا.”
“سأذهب أنا أيضًا.”
“لماذا جلالتك؟“
“أليس من الطبيعي أن أذهب حيث يذهب فارسي الحارس؟“
“هذا… لا، العكس هو الصحيح! منذ متى كان السيد يتبع حارسه؟“
كادت توافقه، ثم أدركت غرابة منطقه فحدّقت فيه بعينين مثلثتي الزوايا.
ابتسم قائلًا:
“لم تنخدعي.”
“يبدو أنك أحيانًا تعاملني كطفلة.”
“مستحيل.”
اختفى المزاح من عينيه وحلّ مكانه نظرة حارة عميقة.
تراجعت داليا خطوة دون أن تشعر.
حين ينظر إليها هكذا، يحمرّ وجهها بلا إرادة وذلك يربكها.
“إذًا لنذهب جميعًا.”
“وأنا أيضًا؟“
رفع أورِيون يده التي كانت تسد أذنه.
“آسفة.”
أرسلت إليه داليا نظرة اعتذار أخرى، ثم خرجت أولًا من المكتب، ولحق بها الإمبراطور وإيثان.
“جلالتك، ألا يمكن أن تصطحبني معك؟“
“أنا نفسي بالكاد سُمح لي.”
قالها الإمبراطور وهو ينزلق خارجًا بخفة.
فعاد أورِيون إلى تمثيل بكائه بصوتٍ حزين:
“هاه… هاه…”
* * *
وأثناء سيرهم، شرحت داليا وضع الآنسة أندير.
اشتدّت قبضة إيثان على سيفه حتى برزت عروق يده.
راقب غراي المشهد باهتمام؛ فهذه أول مرة يرى إيثان غاضبًا إلى هذا الحد.
‘أيمكن أن يكون… ذلك السر الذي ذكره سابقًا؟‘
“لو رميت قفازك في وجه فيكونت هوريمان، فسيموت فورًا يا إيثان.”
“…….”
كأنه كان يفكر حقًا في طلب المبارزة، إذ أرخى إيثان قبضته بصمت وملامحه جامدة.
عندها أطلق غراي ضحكة قصيرة مشوبة بالذهول.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ملاحظه : رمي القفاز يعني طلب للمبارزة.
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 100"
الله يوفقك بدراستك ياقلبي وشمرا على الترجمة🩷