ارتفع الغضب في داخلي عندما رأيتُه يبتسم و كأنّ الأمر لا يعنيه.
“بعد أن تركتني مُهمَلة كلّ هذا الوقت ، ماذا تقصد بالحراسة الآن؟ هل تنوي مراقبتي أخيرًا؟”
“مستحيل. في الآونة الأخيرة أصبحت زوجتي العزيزة تخرج كثيرًا ، لذا شعرتُ أنّني تركتُكِ طوال هذا الوقت في وضعٍ خطير ، فقرّرتُ الآن على الأقلّ أن أتّخذ إجراءات للحماية. وولفركين فارسٌ بارع لدرجة أنّه أصبح قائدًا لفرقة الفرسان في سنٍّ صغير.”
قال إيلارد ذلك بنبرةٍ لطيفةٍ للغاية.
كان صوته و نظرته اللذان يتظاهران بالاهتمام بي مُقزّزين.
لا أفهم حقًّا لماذا لا يتوقّف عن التمثيل بدور الزوج اللطيف.
“لا حاجة لي بذلك. إن احتجتَ للحماية فاحمِ نفسك.”
“أنا أستطيع حماية نفسي جيّدًا ، لكنّكِ لا تستطيعين ، أليس كذلك؟ أنا قلق عليكِ. كما أنّني أشعر بالأسف لأنّني لم أعتنِ بكِ طوال هذه المدّة.”
“ليس لأنّك قلق. بل لأنّكَ تريد أن تعرف أين أذهب و مَنٔ ألتقي ، و ما الذي أخطّط لفعله. أليس كذلك؟ مَن الذي تحاول خداعه؟”
“قلتُ لكِ إنّها نيّة حسنة حقًّا. ألم أقل ذلك من قبل؟ إنّني سأحاول. إذا غيّرتِ رأيكِ فقط ، يمكنني أن أبذل أيّ جهد. خادمتكِ نفسها شهدت و قامت بتصرّفات تعارضني ، و مع ذلك لم أطردها بل تركتُها كما هي.”
“……”
لماذا؟
حتّى أنا لا أعرف لماذا ما زال صامتًا و لم يفعل شيئًا ، لذلك عجزتُ عن الردّ.
تابع إيلارد كلامه بصوتٍ حلوٍ كأنّه طُلي بالعسل.
“مع ذلك فهي فرد من عائلة الدوق ، و خادمة زوجتي العزيزة. حتّى لو قامت بتصرّفات تعارضني ، إذا كانت خادمةً عزيزة عليكِ فلا بدّ أن أحتويها. بالمناسبة ، سمعتُ من الخدم أنّكِ لم تعودي مع تلك الخادمة أمس.”
“……لقد منحتُ ميا إجازة.”
“فهمت. لا أعرف كم يومًا ستستريح ، لكن عندما تعود للعمل لن يكون هناك عقاب. لذا يمكنكِ إعادتها و أنتِ مطمئنّة.”
“هل تظنّ أنّني سأقبل بالحراسة لهذا فقط؟”
“همم ، ماذا يجب أن أقول لزوجتي كي تصدّقني؟ كي تصدّق صدقي.”
نهض إيلارد من مكانه و بدأ يقترب.
كلّما اقترب أكثر ، صار صوت دقّات قلبي أعلى.
يبدو أنّ جسدي أصبح يتفاعل تلقائيًّا بسببِ تجارب سابقة عديدة.
لكنني تحمّلت مكاني دونَ أن أتراجع خطوةً إلى الخلف كي لا أُظهر توتّري.
و قبل أن أشعر ، كان قد اقترب كثيرًا.
مدّ وجهه نحوي و همس في أذني.
“إذن ماذا لو فصلتُ كلّ خادماتكِ؟ أو ربّما حبسهنّ في الزنزانة تحت الأرض سيكون مناسبًا أيضًا.”
“ماذا تقصد بـ—”
“يمكنني أن أجعل هاتين الفتاتين اللتين تتبعانكِ تكرهانكِ طوال حياتهما. بالنّسبة لي هذا أمرٌ سهل للغاية. لا أعرف أين أخفيتِ تلكَ الفتاة ، لكن هل تظنّين أنّني لن أستطيع العثور عليها؟”
“هل جُننت؟”
“لا. أنا في حالة طبيعيّة تمامًا. في الحقيقة أنا أستمتع الآن. أنا فضوليّ لمعرفة كيف ستتصرّفين. كما أنّني أتطلّع إلى رؤيتكِ قريبًا محتجزة في غرفتي.”
“……ما الفرق بين ما تفعله و بين أفعال الأوغاد؟”
“هاهاها ، في الأصل مَنٔ يملك أكثر يفعل أكثر. ألا تعرفين؟ عندما يملك المرء الكثير ، عليه أن يعرف كيف يستفيد منه.”
ضحك إيلارد ردًّا على سؤالي.
و عندما سمعتُ ضحكته ، انتصب شعر ذراعي من القشعريرة.
“إذن اختاري. يمكنني الآن حالًا أن أمسك خادماتكِ و أعذّبهنّ. إمّا أن تقبلي الحراسة بهدوء ، أو تشاهدي خادماتكِ و هنّ يتحطّمن بدلًا منكِ.”
“…..واحد فقط. لا أكثر من ذلك.”
“حسنًا ، يمكنني التغاضي عن هذا القدر.”
عندها فقط ابتعد إيلارد خطوةً عني.
كان الأمر مهينًا ، لكن لم يكن لديّ خيار.
فبيكا و ميا أصبحتا ثمينتين بالنّسبة لي كأنهما فرد من العائلة.
حتّى لو لم أستطع إخفاء الأماكن التي سأذهب إليها مع الفارس المرافق ، يمكنني على الأقلّ إخفاء محتوى الأحاديث.
لذا إن كان بالإمكان التوصّل إلى تسوية بهذا القدر ، فهذا في الحقيقة أمرٌ جيّد.
حاولتُ إقناع نفسي بأنّ هذه التسوية غير المرغوبة مقبولة.
لكن رؤية ابتسامة إيلارد المتصنّعة باللطف في هذا الوضع كانت مؤلمة ، لذلك استدرتُ بسرعة.
كنتُ على وشكِ مغادرة غرفته ، عندما سمعتُ صوته من خلفي.
“استنشقي هواء الخارج جيّدًا. لأنّ تلكَ الأيّام لم يتبقَّ منها الكثير.”
“……”
لم أردّ عليه.
فحتّى لو فعلت ، سيطول الكلام فقط و لن يتحسّن الوضع.
“سيّدتي؟”
“……هل قلتَ إن اسمكَ وولفركين؟ أرجو أن تعتني بي من الآن فصاعدًا.”
تركتُ بيكا التي كانت تنظر إليّ باستغراب خلفي ، و مددتُ يدي إلى وولفركين.
فأمسك وولفركين يدي و قبّل ظهرها بخفّة.
ثم سحبتُ يدي سريعًا و صعدتُ إلى العربة.
“بيكا ، لنذهب.”
“نعم ، سيّدتي.”
لم يكن وولفركين مخطئًا ، لكن لم أستطع أن أكون لطيفة معه.
سواء تطوّع أم لا ، فهو في النهاية مكلّف بمراقبتي.
بعد أن جلس وولفركين أيضًا في مكانه ، انطلقت العربة.
عندما وصلنا إلى المقهى الذي كنتُ ألتقي فيه سيلينا دائمًا ، كانت قد وصلت قبلي هذه المرّة.
“هل انتظرتِ طويلًا؟”
“نعم. لكن ذلكَ ليس مهمًّا ، لذا لا داعي للاعتذار.”
سألتُها و أنا أجلس أمامها ، فأجابت ببرود.
“الأمر عاجل ، لذا سأدخل في صلب الموضوع. لماذا لم تخبريني منذُ البداية؟”
“لأنني توقّعت أن الآنسة ستتصرّف هكذا.”
“ماذا؟”
قطّبت سيلينا حاجبيها و هي تعيد السؤال بعد كلامي.
“كنتُ أخشى أن تتصرّفي بتهوّر كما تفعلين الآن. ليليث شاهدة مهمّة. لا يجب أن تختفي في منتصف الطريق أو تموت.”
“ها! و مَنٔ قال إنّ أحدًا سيفعل شيئًا؟”
تنفّست بحدّة و عقدت ذراعيها و كأنّ الأمر سخيف. كان واضحًا لأيّ شخص أنّها غاضبة.
“ألا ترغبين في فعل شيء لها فورًا؟ على الأقلّ تمسكين بشعرها ، أليس هذا ما تشعرين به؟”
“و ماذا تعرفين عنّي أصلاً؟”
“إن لم يكن كذلك فهذا من حسن الحظ.”
“كيف كنتِ تديرين خدمكِ حتّى حدثت هذه الفوضى؟ ماذا كنتِ تفعلين بينما كانت خادمتكِ المقرّبة تخونكِ؟”
“صحيح. ماذا كنتُ أفعل يا ترى”
كان سؤال سيلينا منطقيًّا.
و لأنّني لم أملك شيئًا أقوله بشأنِ ذلك ، لم أستطع الدّفاع عن نفسي.
عندما صمتُّ بسببِ شعوري بالازدراء الذاتي ، صمتت سيلينا أيضًا.
يبدو أنّها لم تجد ما تقوله أكثر لأنّها ليست جاهلة بوضعي.
“إذن ماذا تفعل ليليث الآن؟”
“فقط… تأكل و تنام و تلهو في غرفة أخرى. آه ، غرفتها الأصلية قيد الإصلاح الآن ، لذا تقيم في غرفة أخرى ، لكن بما أنّ ما تفعله كل يوم متشابه ، فربّما تفعل الشّيء نفسه الآن.”
“حقًّا أمرٌ عجيب. كيف استطاعت تلكَ الفتاة إغواء الدّوق؟ فهي ليست جميلة مثلكِ.”
“همم ، إن كان هذا مديحًا فشكرًا.”
“……لم يكن مديحًا.”
بعد كلامي ، تجنّبت سيلينا نظري و عبست بشفتيها.
“أنا أيضًا لا أعرف كيف أصبحت ليليث على علاقة مع إيلارد. في الأساس يبدو أنّ إيلارد لا يملك ذوقًا في النساء ، أو ربّما لا يهتم بهنّ أصلًا.”
“……إذن شهادة الدّوق كانت كذبة فعلًا؟”
“ذلكَ بديهيّ. شهادة خادمتي هي الحقيقة.”
“يا له من حظ. ألستِ السّبب في حصول تلكَ الفتاة على شيء جيّد؟”
“أتفهّم غضبكِ.”
“بالطبع.”
مع ذلك ، من الجيد أنّها غاضبة بهذا القدر فقط.
ظننتُ أنّها ستصرخ مطالبةً بالتحرّك فورًا.
ربّما لأنّها تعرف أنّه من الصعب فعل شيء الآن بما أنّ ليليث في منزل الدّوق.
“ليليث هي الورقة الأخيرة. لذا انتظري حتّى يتمّ الطلاق بالكامل.”
“آه! حقًّا!”
فكت سيلينا ذراعيها و ضربت الطاولة بقوّة ثم وقفت.
لكن يبدو أنّ غضبها لم يهدأ بعد.
“أنا لا أعرف شيئًا بعد الآن. بما أنّ الأمر وصل إلى هذا الحدّ ، يجب أن نربح مهما كان. إن خسرنا فسيُلغى العقد بالطبع ، و لن أترككِ أيضًا.”
“……”
“سأغادر أوّلًا.”
بعد أن قالت ما تريد ، خرجت سيلينا بسرعة.
“……إنّها مخيفة.”
حتّى لو تصافحنا قليلًا ، لا يمكن إنكار أنّ المشاعر الجيّدة بيننا لم تظهر بعد.
* * *
“لديّ مكان أريد التوقّف عنده قبل العودة إلى المنزل.”
“إلى أين تريدين الذّهاب؟”
سألت الخادمة سيلينا التي تحدّثت بعصبيّة داخل العربة.
“خُذيني إلى أشهر نقابة مرتزقة.”
“مرتزقة؟ لماذا هناك فجأة…؟”
“لا تسألي ، فقط اذهبي. أنا منزعجة.”
“نعم.”
عند كلمات سيلينا ، أغلقت الخادمة فمها و هي تراقب مزاجها.
و بعد قليل انطلقت العربة.
أسندت سيلينا ظهرها إلى المقعد و فكّرت.
‘يجب أن ألتقي بها مهما كلّف الأمر. إن بقي الوضع هكذا فقد يفسد كل شيء.’
القلب الذي كان منتفخًا يومًا ما بحلم أن تصبح زوجة الدّوق بدأ يضطرب بقلق.
لأنّ عشيقة إيلارد التي ظنّتها أمرًا تافهًا كانت ليليث بالذات.
‘بما أنّها كانت فتاةً طمّاعة للمال ، سأحاول أولًا إغرائها بالمال ، و إن لم ينجح الأمر…’
التعليقات لهذا الفصل " 49"