ما إن بدأت الجلسة العلنية الثانية لقضية هيلين حتّى انغمست سيلينا في خيالها. فقد جعلتها أعذار إيلارد المذهلة و تمثيله المتقن تتخيل، دون وعي، كيف سيكون مستقبلها معه.
لو نظرنا إلى الأمر بموضوعية، فربّما تكون كلمات هيلين هي الحقيقة، لكن الحقيقة لم تكن تهم سيلينا على الإطلاق. فكل ما تريده هو أن تنفصل هيلين عنه فحسب. بل وصل بها الأمر إلى أن تتمنى أن تكون اتهامات هيلين مجرّد افتراء، و أن تكون ادعاءات إيلارد هي الحقيقة، بينما كانت أوهام تتشكل في رأسها.
و هكذا، بينما كانت غارقة في تخيلات مستقبلها معه، فاتتها معظم وقائع النصف الأول من المحاكمة. و ما أعاد عقلها إلى الواقع كان شهادة خادمة هيلين.
“لأن تلكَ الخادمة حملت بطفل الدوق.”
‘خادمة هيلين المباشرة حامل بطفل الدوق؟ إذا لم تكن تلكَ الخادمة التي استُبدلت، بل الخادمة المباشرة….’
“إنها ليليث.”
تمتمت سيلينا لنفسها. كانت فتاة تعرفها جيدًا. فتاة عملت سابقًا في بيت الكونت مونتانا، ثم قامت سيلينا بطردها قبل أن توظفها هيلين.
“ليليث تلكَ… تحمل طفل الدوق؟”
لم تستطع سيلينا استعادة رباطة جأشها. صحيح أن هيلين أخبرتها سابقًا أن امرأة من العامة حملت بطفل إيلارد، لكنها لم تتخيل قط أن تكون تلكَ المرأة شخصًا تعرفه، بل ليليث تحديدًا.
“……كيف حدثَ هذا؟”
لم تستطع فهم الأمر. فهي تبذل جهدها لحضور مختلف الحفلات الاجتماعية، بل و تغير أسلوبها في المظهر فقط لتتمكن من تبادل بضع كلمات مع إيلارد، فكيف يمكن لامرأة من عامّة الناس أن تحمل طفل الدّوق بهذه السهولة؟ و فوق ذلك، هي ليست أجمل منها و لا من هيلين.
“ها!”
كان الأمر غير معقول تمامًا. في البداية ظنت أن تلك الخادمة ربّما تكذب في شهادتها. لكن عندما أعادت ترتيب ما قالته هيلين سابقًا مع الوقائع الحالية في ذهنها، بدأت كل القطع تتطابق.
‘إذن سبب ترك ليليث للعمل لأنها حامل لم يكن لأنه طفل من حبييها، بل طفل الدّوق؟ و المرأة من العامة التي تحدثت عنها هيلين كانت ليليث؟’
“يا له من أمر سخيف.”
كيف تجرؤ امرأة من عامّة الناس، ليليث التي لا تتفوق عليها في أي شيء، على حمل طفل الدوق؟ أمر لا يمكن قبوله… بل لا ينبغي أن يحدث أصلًا.
‘لو كان الأمر كذلك، فكان من الأفضل أن تحمل هيلين طفل الدوق.’
كانت تلكَ فكرة صادقة. على الأقل هيلين نبيلة، و جميلة بما يكفي لتكون في مستواها. فإذا كان لا بدّ أن يختار إيلارد امرأة غيرها، فمن الطبيعيّ أن تكون نبيلة لا مجرّد خادمة.
لم تستطع تخيل الطريقة التي أغوت بها ليليث إيلارد. فكيف يترك هيلين الجميلة المعروفة بجمالها و يتورط مع امرأة عادية من العامة؟ هل هذه هي نفسية الرجال؟
أم ربّما كانت مجرد نزوة عابرة من إيلارد، و صادف أن حملت ليليث؟
بينما كانت الفرضيات و التخمينات تتزاحم في رأس سيلينا، انتهت الجلسة العلنية للتحقيق في احتمال تزوير الكرة الصوتية. لكن سيلينا لم تستطع النهوض من مكانها فورًا.
و مع رؤية قاعة المحكمة و هي تفرغ تدريجيًا، تحوّل غضبها نحو هيلين.
‘كيف تديرين خدمكِ حتّى تفشلي في ضبط خادمة واحدة و تصل الأمور إلى هذا الحدّ؟’
حينها فقط نهضت على عجل، و عادت بسرعة إلى بيت الكونت.
“أحضري لي ماءً باردًا.”
ما إن دخلت غرفتها حتّى أمرت خادمتها بذلك، ثم بدأت فورًا بكتابة رسالة غاضبة إلى هيلين.
“إذا كان ما سمعته في المحكمة صحيحًا، فلن أسكت أبدًا.”
وضعت سيلينا نقطة النهاية بعنف، ثم أسقطت القلم على الطاولة بقوّة و شربت الماء البارد دفعةً واحدة. لكن رغمَ ذلك لم يهدأ عقلها إطلاقًا.
* * *
كان ذلكَ صالونًا أقامته إحدى السيدات النبيلات. و قد كان الهدف من الصالون هو الاستمتاع بمشاهدة اللوحات و المنحوتات و التحدث عنها، لكن الحاضرين كانوا مشغولين بشيء آخر تمامًا.
“سيدتي، هل شاهدتِ الجلسة العلنية الأخيرة؟”
“يا إلهي، بالطبع. لا أفهم ما الذي يحدث. حتّى أنا شعرت بالارتباك و أنا أستمع.”
“أليس الأمر صادمًا كلما سمعناه أكثر؟ لا نعرف أيهما يقول الحقيقة.”
“بما أن الدّوقة هي مَنٔ رفعت الدعوى، أليس من المحتمل أن تكون هي الصادقة؟”
“لكن يصعب عليّ تخيّل أن الدوق قد يفعل شيئًا كهذا.”
“صحيح. ربّما تكون الدّوقة قد اختلقت القصة.”
“لكن إذا خسرت الدّوقة القضية فستخسر كل شيء. أليس غريبًا أن تكشف عارها بنفسها فقط من أجل الطلاق؟ هذا يجعل روايتها أكثر تصديقًا.”
“هذا صحيح.”
هزّت السيدات الثلاث رؤوسهن بالموافقة. فكلما اجتمع اثنان من النبلاء أو أكثر، أصبحوا يتحدثون عن قضية هيلين و إيلارد. و بدأت الصورة المثالية التي بناها إيلارد تتشقق قليلًا.
“همف، يبدو أن السيدات يتعاطفن مع الدّوقة لأنها امرأة مثلهن.”
قال أحد الرجال بسخرية من مكانٍ قريب.
“في الحقيقة، إذا كان الأمر صحيحًا فهي مثيرة للشفقة قليلًا. خاصة أنها لا تملك والدين تعتمد عليهما.”
“منذُ البداية ، كان هذا الزواج غير متكافئ. سمعت إشاعات أن بعض الناس رأوا الدّوقة تتجول دون حارس حتّى. في تلكَ الحالة ربّما تكون مجرّد زوجة مهملة.”
كان هؤلاء الرجال ممن وقفوا بعيدًا قليلًا عن السيدات، و كان بعضهم قد أُعجب بهيلين سرًا لمرّةٍ واحدة على الأقل.
“على أي حال، المهم أن بيت دوقية إيفرسيوم سيبقى قويًا سواء حدث الطلاق أم لا.”
“صحيح. ما دام الدّوق ثابتًا فلن يحدث لنا شيء.”
“لكن إذا تمّ الطلاق هكذا، مَنٔ سيرغب في إرسال ابنته إلى بيت الدّوق؟ ربّما تُعامل ابنتنا بالطّريقة نفسها. بصراحة لا أفهم لماذا قال الدوق تلكَ الأكاذيب.”
قال أحد البارونات بقلق، فضحك رجل بدين و قال:
“تبدو شخصًا قلقًا أيها البارون. ربّما لأن الدّوقة الحالية بلا خلفية و لا نفوذ، لكن قد يكون الوضع مختلفًا مع بناتنا. و ربّما كان لدى الدّوق أسبابه.”
كانت عيناه تلمعان بالطمع.
“مع ذلك، لو كنتُ مكانكَ لما فكرت في الأمر حتّى لو توسلت ابنتي.”
“يا لكَ من رجل بسيط! لكن هذه إحدى مزاياك! هاهاها!”
قال الرجل ذلكَ ثم شرب كأسه دفعة واحدة.
بدأ نبلاء الفصيل الأرستقراطي ينقسمون تدريجيًا في آرائهم.
كما أن أحاديث النبلاء انتشرت عبر خدمهم إلى الخارج، فبدأ عامة الناس أيضًا يعرفون تفاصيل قضية هيلين و إيلارد. و بدأت الإمبراطورية كلها تضجّ بفضيحة هذه القضية.
* * *
في اليوم التالي لانتهاء الجلسة الثانية، وصلتني رسالة من سيلينا. كان خطها أكثر اضطرابًا من قبل، و النقطة الأخيرة كانت غائرة في الورق، ما يدل على أنها كتبتها و هي غاضبة.
إذا كانت قد سمعت تفاصيل المحاكمة، فمن الطبيعيّ أن تغضب.
فأنا أيضًا لم أخبرها بكلّ شيء.
“هل يمكنكِ تجهيز ملابس الخروج؟ يبدو أنني لن أستطيع البقاء في الغرفة هذه المرة.”
“نعم، سيدتي.”
كان من الأفضل أن أضع خطة بديلة قبل الخروج، لكن الوقت المذكور في رسالة سيلينا كان قريبًا، لذلك لم يكن أمامي خيار. أخرجت بيكا فستان الخروج و ساعدتني في ارتدائه.
حتّى في اليوم التالي للمحاكمة، لم يقل إيلارد شيئًا و لم يتحرك.
ما الذي يخطّط له؟
كان من المفترض أن يكون غاضبًا. أليس من المعتاد أن يخصم الأجر أو يطرد الخدم فورًا؟
لماذا يبقى ساكنًا هكذا؟
عدم قدرتي على فهم نواياه جعلني أشعر بقلق أكبر. فإيلارد كان دائمًا خارج حدود التوقعات، لذلك لم أستطع التّنبؤ بما سيحدث الآن.
“سيّدتي، العربة جاهزة.”
“حسنًا، لنذهب.”
خرجت مع بيكا من الغرفة. و عندما وصلنا إلى المدخل، كان هناك شخص لم أره من قبل. رجل ضخم يرتدي زي الفرسان.
ما إن رآني حتّى ركع على ركبة واحدة و قال:
“تحياتي، سيدتي. أنا وولفركين كليف، قائد فرسان بيت دوقية إيفرسيوم. ابتداءً من اليوم سأكون المسؤول عن حمايتكّ. سأخدمكِ بكل إخلاص.”
“……فارس حراسة؟”
“نعم.”
لم يكن لدي أي حارس طوال هذا الوقت، و الآن فجأة يظهر حارس؟
هل ترك ميا دون عقاب لهذا السّبب؟
من الواضح أنه حارس للمراقبة. لكن ما لم أفهمه هو لماذا لم يضع مراقبة منذُ البداية. على أي حال، بما أنني لا أفهم كيف يفكّر إيلارد، قررت تجاهل ذلك.
“انهض أولًا.”
“…….”
وقف وولفركين بصمت. بدا شابًا بالنّسبة لقائد فرسان، مما يعني على الأرجح أنه ماهر جدًا.
“و أنا لا أحتاج إلى حارس. يمكنكَ العودة.”
“هذا غير ممكن. إنه أمر من الدّوق. لا أستطيع العودة.”
“…….”
بدا أنه من النوع العنيد الذي لا يتراجع. إذن لا مفر من التحدث مع إيلارد مباشرةً.
“بيكا، سأذهب قليلًا إلى إيلارد.”
“نعم، سيّدتي.”
عدت إلى داخل القصر و توجهت إلى مكتب إيلارد. طرقت الباب مرتين ثم فتحته، فوجدته جالسًا خلف مكتبه ينظر إليّ مبتسمًا.
التعليقات لهذا الفصل " 48"