“تدخل دوقة إيفرسيوم هيلين ، و السيد ماريوس سيفستيا!”
ما إن دخلنا حتّى توجّهت أنظار الناس إلينا. و كانت معظمها نظراتٍ غير لطيفة. و من بين تلك النظرات غير الودّية كانت نظرة إيلارد أيضًا. فقد كان يحدّق بي بوجهٍ متجمّد دون أن يشيح ببصره.
لو رآه أحد لظنّ أنّني الشخص الوحيد الموجود في القاعة.
حتّى لو دخلنا بشكلٍ منفصل ، تساءلتُ إن كان من الضروري حقًا أن يحدّقوا بهذا الشكل.
حتّى بعدما تمركزنا في أحد أطراف القاعة أنا و سيلسيون الذي يتظاهر بأنّه ماريوس ، لم يقترب أحد.
كان ذلكَ طبيعيًا بالنّسبة للنبلاء من الفصيل الأرستقراطي ، لأنّهم يدعمون إيلارد ، أمّا النبلاء المحايدون فيبدو أنّهم يتحفّظون عن الاقتراب علنًا.
في الواقع ، بما أنّ أحدًا لا يتحدّث معي فهذا أكثر راحة.
ربّما لأنّني لا أحتاج إلى الرد على أساليب الحديث المتكلّفة واحدةً تلو الأخرى ، فالتعامل مع الناس أمرٌ مُرهق جدًا ، و لذلك كان عدم التحدّث مع أحد مريحًا للغاية.
و بما أنّ إيلارد أيضًا بقي هادئًا دون أي ردّ فعل ، بدأتُ أفكّر أنّه سيكون من الجيّد لو بقيت الأمور هكذا بهدوء حتّى نهاية الحفل.
“دوقة ، أتمنى أن تكوني بخير.”
“……الكونت وينتر.”
اقترب الكونت وينتر و قام بتحيتي. لم تكن بيننا علاقة نتبادل فيها الأحاديث عادةً ، لذلك استغربتُ مبادرته.
“أن تدخلي مع ابن عمّكِ بينما زوجكِ حاضر ، لا يبدو أنّكِ تقدّمين قدوة جيّدة للآنسات.”
كانت نبرة للكونت وينتر مؤدّبة و ناعمة و هو يلتف بالكلام ليقف إلى جانب إيلارد ، لكن مضمون كلامه لم يكن كذلك.
“لا أدري ، لكن يبدو لي أنّ الدخول مع زوجٍ في خضم دعوى طلاق هو الأمر الأقلّ قدوة.”
“يا له من أمر. أليست هذه مبالغة بسبب شجارٍ بين زوجين؟ لا بدّ أنّ قلب الدوق يتألّم.”
“هذا ليس شأن طرفٍ ثالث. من الأفضل أن تستمتع بالمأدبة بدل التدخّل فيما لا يعنيك.”
ما إن أنهيت كلامي حتّى فتحت مروحتي و أخفيت فمي. لا أعرف ما الذي يخطّط له بالضبط ، لكن هناك أمر واحد واضح. إنّه يهزّ ذيله بحماس ليكسب رضا إيلارد. سواء حاول استمالتي أو الإمساك بخطأ عليّ ، فالنتيجة ستكون تحسين صورة إيلارد.
بدل المواجهة المباشرة اخترتُ رسم حدود. لم أرد إثارة ضجّة في الحفل ، كما أنّه لا حاجة لشرح الأمور بالتفصيل لشخصٍ يقف أصلًا في صف إيلارد.
حضوري إلى الحفل اليوم كان فقط لمنع إيلارد من نشر الشائعات. و لم يكن من الضروري أن أتعامل كثيرًا مع أتباعه فأجعل صورتي أسوأ.
عند كلامي لم يستطع الكونت وينتر الرد أكثر ، فاحمرّ وجهه بشدّة و ابتعد و هو ينفخ أنفاسه بغضب. و بينما كنتُ أنظر إليه سُمِع صوتٌ خافت بجانبي بنبرةٍ محبطة.
“آسف لأنّني لم أستطع مساعدتكِ. خشيتُ أن يضع ذلكَ السيد ماريوس الحقيقيّ في موقفٍ صعب لاحقًا…….”
“لا تعتذر. سموّك يساعدني بالفعل أكثر من اللازم.”
أجبته بصوتٍ منخفض لا يسمعه سواه بينما أخفي فمي بالمروحة ، فأشرقت ملامحه فورًا. ثم مدّ يده فجأة. و كان توقيت ذلكَ مثاليًا لأن موسيقى الفرقة انتهت للتو.
“أختي.”
“نعم؟”
“هل نخرج نحن أيضًا لنرقص؟”
“…….”
ما هذا؟
تفاجأتُ بالاقتراح المفاجئ. لم أعتد بعد على بقاء سلسيون بجانبي رغمَ أنّني توقّعتُ منه فقط مرافقتي عند الدخول ، و الآن يتصرّف بنشاطٍ و كأنّه مصمّم على تقمّص دور ابن العمّ فعلًا.
بما أنّ رفضه قد يبدو غريبًا ، وضعتُ يدي فوق يده.
ابتسم سلسيون ابتسامةً خفيفة و أمسك يدي بلطف ، ثم قادني إلى وسط القاعة.
وقفنا متقابلين و تبادلنا التحية بشكلٍ مألوف ، ثم تشابكت أيدينا مجددًا و بدأنا الرقص.
“سموّك ، لا داعي للتمثيل إلى هذا الحد. يكفي أنّكَ دخلت معي.”
عندما اقتربنا أثناء الرقصة همستُ له بذلك ، فأجاب بابتسامةٍ راضية.
“أنا أفعل ذلكَ لأنّني أريد.”
ابتعدنا لحظةً مع حركة الرقصة ثم اقتربنا مجددًا.
“ما دمتِ لا تكرهين الأمر ، فأنا سعيد فقط بتقبّلكِ له.”
“…….”
لم يكن الأمر مزعجًا. لكن المشكلة أنّ الاكتفاء بالتلقّي يجعلني أشعر بالذنب ، و يخلق شعورًا بالديْن.
“ليس لأنّني أكرهه ، بل لأنّه لا يوجد شيء يمكنني فعله لأجلكَ. و لا أملك شيئًا مناسبًا أردّ به الجميل.”
“و ماذا لو كان تقبّلكِ للأمر هو الردّ؟”
“لا يوجد شيء كهذا.”
“بل يوجد.”
عندما رأيتُ سلسيون ينظر إليّ مبتسمًا بعينين منثنيتين شعرتُ بإحساسٍ غريب. الوجه الذي أمامي ليس وجه ماريوس الحقيقي و لا وجه سلسيون الحقيقي ، و مع ذلك بدا لي كأنّي أرى وجه سلسيون فيه.
“لن أجعلكِ تشعرين بالعبء. يكفي اليوم أن نستمتع بالحفل.”
حتّى كلماته الإضافية التي قالها خوفًا من أن أشعر بالضغط كانت مليئة بالاهتمام.
كيف يمكن لشخصٍ أن يراعي الآخرين و يجاريهم إلى هذا الحد؟
كان هذا أول لطفٍ صادق أتلقّاه في حياتي كلّها ، حتى منذُ حياتي السابقة ، فشعرتُ بوخزٍ دافئ في صدري. لكن مع كل دورانٍ في الرقصة كنتُ أرى وجوه الناس ، فعادت مشاعري إلى حالتها السابقة. بعضهم كان يهمس و هو ينظر إليّ.
ربّما لأنّ تعابير وجهي تصلّبت و أنا أنظر إليهم-
“لا تهتمي بالآخرين. فهم ليسوا المهمّين.”
حجب سلسيون مجال رؤيتي بجسده الطويل و العريض. و بعد وقتٍ قصير انتهت الموسيقى و انتهت الرقصة.
“أختي ، بما أنّكِ تحرّكتِ كثيرًا فلا بدّ أنّكِ تشعرين بالعطش. سأجلب شيئًا لتشربيه.”
“……حسنًا.”
“آه ، لحظة.”
بدل أن يغادر اقترب سلسيون فجأة.
ما ، ما الأمر؟
مدّ يده نحوي فجأة و لمس خدي بحذر.
ارتبكتُ لدرجة أنّي لم أستطع قول شيء و اكتفيتُ بالرمش ، فقال مبتسمًا أجمل من قبل.
“لقد سقط رمش.”
“آه…… ش ، شكرًا.”
أجبتُ بتردّد ، فابتسم مرةً أخرى ثم استدار و مشى بعيدًا. شعرتُ بحرارةٍ في المكان الذي لمسه ، فوضعتُ ظهر يدي على خدي للحظة ثم أبعدته.
نحن هنا بصفة أبناء عمومة ، فهل من المفترض أن يفعل هذا؟
اختلطت في رأسي مشاعر لا أفهمها. ربّما كان من حسن الحظ أنّه ليس بوجه سلسيون الحقيقي ، و إلّا لكنتُ أكثر ارتباكًا.
بينما كنتُ أحاول ترتيب أفكاري اقترب شخصٌ ما. كان وجهًا أراه لأول مرة.
مَن هذه؟
كانت المرأة ذات الشعر الأشقر البلاتيني و العينين الحمراوين القاتمتين أكثر بريقًا من أي شخصٍ آخر في القاعة.
“يسعدني لقاء دوقة إيفرسيوم. أنا إليزابيث غرانا من عائلة الماركيز غرانا.”
“إذًا أنتِ ابنة الماركيز. أنا هيلين إيفرسيوم.”
إذًا هذه هي الآنسة التي تحدّث عنها سلسيون.
ما إن انتهينا من التحية حتّى قالت الآنسة إليزابيث غرانا.
“رغم أنّها المرّة الأولى التي نلتقي فيها، أودّ أن نصبح صديقتين.”
“……فهمت.”
“ألا تشعرين بالتعب؟ ما رأيكِ أن نذهب إلى غرفة الاستراحة لنرتاح قليلًا؟”
“آه ، حسنًا…..”
لم أستطع رفض اقتراحها المباشر بحدّة ، فنظرتُ حولي أبحث عن سلسيون.
حتّى لو كنتُ سأذهب يجب أن أخبره أولًا.
رأيتُ سلسيون على مسافةٍ قصيرة يسير نحونا حاملاً كأسين في كلتا يديه. و عندما التقت أعيننا ابتسم لي و أومأ برأسه.
يبدو أنّه تعرّف على الآنسة غرانا و أعطى إشارة.
“إذًا انتهى الأمر؟ لنذهب بسرعة.”
“……حسنًا.”
في النهاية خرجتُ من القاعة و هي تمسك بيدي. كانت قوّة الآنسة غرانا أقوى بكثير مما يبدو ، لدرجة أنّني أنا التي لا أمارس أي رياضة على الإطلاق لن أستطيع التغلب عليها بالقوة. رغمَ أنّني لم أكن أكره الذهاب معها.
بما أنّها تعرف جغرافية القصر الإمبراطوري جيدًا ، قادتني بثقة حتّى فتحت باب غرفةٍ ما ، و لم يكن فيها أحد.
* * *
بعد أن تأكّد سلسيون من اقتراب ليز من هيلين ، وضع الكأسين اللذين كان يحملهما و غادر القاعة سرًا.
عاد مسرعًا إلى قصره الخاص ، و نزع الأداة السحرية و بدّل ملابسه. و الآن حان الوقت ليدخل القاعة بصفته سلسيون الحقيقيّ.
بينما كان يتّجه مجددًا نحو القاعة فكّر.
‘لحسن الحظ أنّ السيدة هيلين أكثر هدوءًا مما توقعت.’
منذُ أن ردّت روزالين على رسالة هيلين ، كان يراقب عائلة سيفستيا. و كما توقّع ، رفض البارون سيفستيا الحالي طلب هيلين ، لكن ماريوس لم يفعل ذلك.
كان ماريوس بطبيعته طيبًا و مجتهدًا ، و كان سلسيون يراه أحد الأشخاص الموهوبين. لكنه لم يستطع إدخاله في الأمر بتهوّر ، لذلك تركه و شأنه.
و عندما كان سلسيون على وشكِ الاستسلام عن فكرة الذهاب كشريكٍ لهيلين ، تعرّض ماريوس لحادث عربة و هو يسير في الطريق. في الواقع ، قاد السائق الحصان عمدًا نحو الطريق الذي كان يسير فيه ماريوس ، فسقط من الدرج. و ربّما بفضل ذلك نجا من كارثةٍ أكبر.
بعد أن فهم الوضع صنع سلسيون طوال الليل أداةً سحرية تغيّر الوجه. ظنّت هيلين أنّه اشتراها من متجر أدوات سحرية ، لكن الحقيقة أنّ سلسيون صنعها بنفسه.
‘بفضل ذلكَ يبدو أنّ السيدة هيلين أصبحت أكثر ارتياحًا.’
لم يكن مجرّد وهم أنّ هيلين أصبحت تضع بينهما حواجز أقلّ من قبل. و كان ظهور ليز في الوقت المناسب مثاليًا أيضًا.
لأنّه لا يمكن لسلسيون أن يتغيّب عن الحفل.
و في تلكَ الأثناء وصل سلسيون مجدّدًا إلى القاعة.
“صاحب السمو ولي العهد سلسيون أرفاتا نيسيان يدخل!”
دخل القاعة مع النداء المدوي. و على الفور ، اقترب منه إيلارد.
التعليقات لهذا الفصل " 43"