دوّى صوتٌ عالٍ ، و اندفع باب مكتب الماركيز غرانا مفتوحًا على مصراعيه.
و الشخص الذي دخل من الباب المفتوح كان ابنة الماركيز غرانا ، إليزابيث غرانا.
يبدو أنّها جاءت راكضةً بعد أن كانت تمارس ركوب الخيل ، إذ كانت ترتدي زيّ الفروسية و قد ربطت شعرها في ضفيرة واحدة.
“ليز ، أرجوكِ تحلّي ببعض الرصانة…”
قال الماركيز غرانا و هو يضغط على صدغيه بكلتا يديه. لكن ذلك لم يكن مهمًا لليز.
“ما المهم في ذلك الآن؟ هل تعلم ماذا سمعت للتو؟!”
“تقصدين أنّ اسمكَ ذُكر كمرشّحة لمنصب زوجة وليّ العهد.”
“نعم! هذا بالضبط! كيف يمكنكَ أن تبقى هادئًا حتى بعد سماعكَ هذا الكلام؟”
“الانفعال لن يحلّ شيئًا.”
“لا ، لكن مع ذلك! أنتَ تعرف أيّ علاقة بيني و بين ذلكَ الفتى!”
“ليس ‘ذلك الفتى’ ، بل صاحب السمو وليّ العهد.”
“آه ، و هل هذا مهم الآن؟ حتّى الشعب يسبّ الملك خلف ظهره.”
على عكس الماركيز غرانا الهادئ ، كانت ليز ما تزال تغلي غضبًا و لم تستطع تهدئة انفعالها.
كانت ليز صديقة طفولة لسلسيون ، فقد نشآ تقريبًا معًا منذُ الصغر.
كان الماركيز غرانا قد عاد إلى إقليمه بعد وفاة الماركيز السابق ، لكن عندما كان الماركيز السابق حيًّا كان يقيم في العاصمة.
كان الأمر مشابهًا للوضع الحالي حيث يتولّى دوق إيفيرسيوم السابق إدارة الدوقية.
و هكذا نشأت ليز في العاصمة مع سلسيون كما لو كانا أخًا و أختًا ، ثم عندما بلغت السن التي تزدهر فيها الفتيات في المجتمع الأرستقراطي أُجبرت على العودة إلى الإقليم.
لكن ليز في الواقع كانت تفضّل ذلكَ أكثر.
فالعاصمة كانت صاخبة و معقّدة مقارنة بالإقليم الهادئ ، كما أنّ النبلاء بدوا جميعًا متصنّعين لدرجة أنها لم ترغب في التقرّب منهم.
كما أنّ أسلوب الكلام المتكلّف لم يناسبها أيضًا.
و فوق ذلك لم يعجبها أن تُعرض في سوق الزواج بعد دخولها المجتمع كما لو كانت سلعة.
فما زال لديها الكثير مما تريد فعله و تعلّمه.
و لهذه الأسباب المتعددة لم تكن ليز مهتمّة بالزواج أصلًا ، و لا ترغب فيه.
و خاصّة الزواج من العائلة الإمبراطورية التي يجب عليها الانشغال بشؤون الدولة ، فقد كانت تكرهه و ترفض الفكرة حتّى لو دخل التراب في عينيها.
تنفّس الماركيز غرانا تنهيدة قصيرة ثم قال.
“على أيّ حال ، انتبهي لكلامكِ و تصرفاتك. أنتِ و سموّه مثل الأخوة ، أليس كذلك؟”
“مَنٔ المجنون الذي يتزوّج أخته؟!”
“لكن سموّه ليس أخاكِ الحقيقي.”
“إذًا هل تطلب منّي أن أتزوّج سلسيون؟”
“و مَنٔ قال ذلك؟ أنا فقط أتحدث من حيث المبدأ.”
و مع أنه قال ذلك ، كان القلق واضحًا على وجه الماركيز غرانا.
“سمعتُ أنّ دوق إيفرسيوم قاد النبلاء من فصيل النبلاء ، و أنّ الجميع وافقوا على ترشيحكِ.”
“من دون موافقة المعنيّة بالأمر؟ هل فقدوا عقولهم جميعًا…؟”
“ليز ، أرجوكِ اختاري كلماتكِ…”
“لكن لماذا فعل دوق إيفرسيوم ذلك فجأة؟ ليس بينه و بينكَ عداوة.”
“لا أعلم. ربّما لأنه لم يتمكّن من جعلنا نخضع لفصيل النبلاء التابع له…”
قال الماركيز غرانا ذلك و هو يفرك ذقنه مفكرًا.
“قد يكون كلامكَ منطقيًا. عادةً كانوا سيدفعون بفتاة من فصيل النبلاء للزواج ليبتلعوا السلطة الإمبراطورية أيضًا. لكن تصرفه هذه المرّة مختلف قليلًا.”
غرقت ليز في التّفكير كذلك.
‘مع ذلك يبقى الأمر غريبًا. حتّى لو كانت السلطة الإمبراطورية مجرّد قشرة فارغة ، فمن المستحيل ألا تكون هناك شابة ترغب في أن تصبح فردًا من العائلة الإمبراطورية.’
كانت ليز قد جاءت إلى العاصمة حاليًا مع الماركيز غرانا لحضور مراسم الصلاة السنوية ، لكنها طوال السنوات الماضية كانت تتذرّع بأعذار مختلفة لتبقى في الإقليم.
و حتّى الآن و هي في العاصمة ، لم تحضر سوى مراسم الصلاة و لم تشارك في أيّ تجمع اجتماعي آخر.
و بعد أن عاشت سنوات في الريف بعيدًا عن المجتمع ، أصبح من الصعب عليها قراءة مجرى الأوضاع السياسية بسرعة.
بعد تفكيرٍ طويل ، اتخذت ليز قرارها و قالت للماركيز غرانا.
“يبدو أنّ عليّ حضور بعض التجمعات الاجتماعية. سيكون من الأسرع أن أعرف بنفسي ما الذي يحدث.”
“همم ، إذًا يجب أن أبقى هنا لبعض الوقت أيضًا.”
“و ماذا عن الإقليم؟”
“يكفي أن يديره البارون هولينغتون مؤقتًا.”
“يبدو أننا سنبقى في العاصمة هذا العام.”
“يبدو ذلكَ فعلًا.”
“سأذهب الآن. يجب أن أراجع الدعوات فورًا.”
خرجت ليز فورًا من مكتب الماركيز غرانا و توجّهت إلى غرفتها.
* * *
في ظهيرةٍ جميلة الطقس ، وصلتُ إلى حفلة الشاي التي أقامتها الكونتيسة براون.
و رغمَ أنّه يصعب تسميتها حفلة ، لأن عدد الحاضرين كان قليلًا ، إلا أنّه كان عددًا مناسبًا تمامًا لبدء النشاط الاجتماعي بهدف كسب الرأي العام.
كما أنّ الحضور كان من السيدات المتزوجات أكثر من الشابات ، و هذا جعله مناسبًا أكثر.
“يبدو أنّ الجميع وصلوا بالفعل. هيلين…إيفرسيوم.”
“أهلًا بكِ يا دوقة. أنا إيلا براون. تفضّلي بالجلوس هنا.”
“أنا إميلي سومرز.”
“أنا كاثرين رينو.”
“أنا ناتالي داكواز. سررت بلقائك.”
عرّفت السيدات الجالسات حول الطاولة المستديرة أنفسهن واحدةً تلو الأخرى.
كان عدد الحاضرات في حفلة الشاي اليوم خمس سيدات بمَن فيهن أنا.
رغم أن العدد قليل ، إلا أن جميعهن زوجات من عائلات ليست من الفصيل النبيل المتشدّد.
و هذا يعني أن نفوذهن ضعيف ، لكنه أيضًا يعني أنهن لسن مواليات لدوق إيفرسيوم ، لذا كان هذا المكان مناسبًا للبداية.
بعد أن جلست أنا أيضًا ، بدأ الحديث الودي مع تبادل التحيات.
الأمر يسير بسلاسة كما توقعت.
بينما كنت أستمع إلى حديثهن و أحتسي الشاي ، سألتني البارونة كاثرين رينو بلطف.
“لكن يا دوقة ، أعلم أن سؤالي قد يكون وقحًا ، لكنني فضولية. تلكَ الصورة في المحاكمة العلنية… هل فعلها الدوق حقًا؟ أعذريني ، لكنني لم أستطع تصديق أنه خنق زوجته الحامل.”
توجّهت أنظار الجميع نحوي.
و كانت علامات الفضول واضحة على وجوه السيدات الأربع.
كنتُ أعلم مسبقًا أنهن سيتساءلن عن ذلك.
كنتُ أتوقع السؤال ، لكنني لم أتوقع أن يكون مباشرًا إلى هذا الحد.
بما أنّني لم أعلن بعد أنني لم أكن حاملًا في الجولة الأولى من المحاكمة ، قررت أن أتجنب الحديث عن موضوع الحمل.
ففي المرافعة السابقة ركّزنا على التعنيف بعد الإجهاض.
كان ذلكَ جزءًا من خطة روزالين ، إذ قررت أن نكشف الحقائق واحدةً تلو الأخرى بدلًا من تفجير كل شيء دفعة واحدة.
وضعت فنجان الشاي الذي كنتُ أشرب منه.
“الصورة لم تُرتّب أو تُزوَّر بأي شكل. أما موضوع الحمل فستعرفونه في المحاكمة القادمة.”
“فهمت. في الحقيقة كان من الصعب تصديق الأمر حتّى بعد رؤيته. فصورة الدوق أمام الناس كانت جيدة جدًا.”
“صحيح. كما أنّ الجميع كان يعرف أن علاقتكما جيدة.”
“على عكسِ معظم الزيجات السياسية ، زواجكما كان زواج حب. كان زواجكما حديث الناس.”
أومأت السيدات الثلاث برؤوسهن و وافقن بعضهن بعضًا.
و يبدو أنّهن كنّ يشتبهن أصلًا في احتمال أنني لم أكن حاملًا ، لذلك مرّ الموضوع دون مشكلة كبيرة.
في الرواية الأصلية قيل أيضًا إن زواج هيلين من إيلارد كان حديثًا كبيرًا.
لم أتوقع أن أشعر مجدّدًا بواقع أنني انتقلت إلى هذا العالم.
ففي الرواية ، بعد كل ما عانته البطلة هيلين ، صُوّر هذا الزواج على أنه حب القرن.
أي حب القرن؟
الآن بعدما رأيته عن قرب ، يبدو أنه تمثيل القرن.
“كل ما كان يظهر للناس مجرّد تمثيل. لو كنا نحب بعضنا لما وصلنا إلى الطلاق.”
“لكن عندما تزوجتما…”
“المشاعر تتغير. الصورة التي نشرتها و المعلومات التي أعلنتها كلها حقيقة ، و كذلك ما سأكشفه لاحقًا. و إلا فلماذا سأتحمّل كل هذا و أرفع دعوى طلاق؟ سواء ربحت أو خسرت فلن أكسب شيئًا.”
“…هذا صحيح. بل إنك إن ربحت…”
هزّت الفيكونتيسة سومرز رأسها لكنها لم تُكمل كلامها.
لكنني استطعت تخمين ما كانت تقصده.
إذا ربحت فسأفقد مكانتي الحالية و ثروتي و سلطتي.
“هل ستكونين بخير حقًا؟ ما زال من الصعب على امرأة أن تعيش وحدها في الإمبراطورية…”
“صحيح. إذا فقدتِ مكانتك فلن تحصلي حتّى على الحماية القانونية.”
“أتفهم قلقكن جميعًا. لكن الأمر بدأ بالفعل.”
“مع ذلك ، أليس من الأفضل أن تتحمّلي قليلًا؟ الجميع يخطئ ، و إذا صبرت قليلًا فلن تقلقي على معيشتك.”
“الحياة الزوجية صعبة على الجميع. الجميع يتحمّل.”
“…….”
أغلقت فمي عند سماع كلامهن.
فالماء المسكوب لا يمكن جمعه الآن ، كما أنّ الرد بلطف على كلام يطلب منّي التحمل بعد رؤية تلكَ الصورة لن يكون ممكنًا.
لذلك فضّلت الصمت.
و بسبب صمتي أصبح الجوّ محرجًا للحظة ، فسارعت الكونتيسة أيلا براون إلى تغيير الموضوع.
“بالمناسبة ، سمعت أن الفيكونتيسة سوليز رفعت دعوى أيضًا لكنها خسرت. ماذا حدث بعدها؟”
“سمعت أنها ذهبت إلى مكان بعيد للعلاج ، لكن منذُ ذلك الحين انقطعت أخبارها.”
“تقول شائعات عائلتها إنها فقدت عقلها بعد ذلك. و هناك مَنٔ يقول إنها تعيش بهدوء. لا أعرف أيهما الحقيقة.”
“لقد عانت كثيرًا. ربّما كان من الأفضل أن تتحمّل بدلًا من رفع دعوى كانت ستخسرها.”
قالت البارونة كاثرين رينو ذلك و هي تنقر لسانها تعاطفًا.
حسنًا… هل كان ذلكَ أفضل حقًا لها؟
لا أحد يستطيع معرفة ذلكَ غيرها.
ولا يمكن الحكم على الأمر بسهولة.
“يقال إن الفيكونت سوليز كان مشهورًا بعلاقاته مع النساء.”
“سمعت أنه كان يشرب كل يوم مع امرأة مختلفة.”
“يا للهول ، كان عليه أن يهدأ قليلًا.”
“سمعت أنه نقل لها مرضًا ما…”
“يقال إنه لا يوجد دواء لعلاجه حتّى الآن.”
“هذا مؤسف قليلًا.”
بدأت السيدات الثلاث يتحدثن عن شائعات مختلفة سمعنها عن للفيكونتيسة سوليز.
رغمَ أنني اخترت المكان بعناية ، إلا أنّ موضوع الحديث لم يكن مناسبًا.
و استمر اللقاء غير المريح طويلًا بلا نهاية.
انتهت حفلة الشاي بعد أن شربتُ خمسة أكواب من الشاي.
و يبدو أن السّبب الأكبر هو أنني لم أجد ما أقوله فاكتفيت بشرب الشاي طوال الوقت.
التعليقات لهذا الفصل " 38"