عاد داميان إلى داره عند حلول المساء، يجرّ جسده المكدود جرًّا. وما إن وقعت عيناه على الأريكة في بهو البيت، حتى ألقى بنفسه عليها، يتقلب ويقرأ كتابًا كان قد استعارَه. وكانت ليليانا متكئة هناك، فلما رأته، وثبت فجأة من مكانها.
“داميان! كيف جرت إعادة التأهيل؟ هل سارت على ما يرام؟”
إذ كان ذلك أوّل تدريبٍ له بذراعه الاصطناعية، فقد غلب الفضول ليليانا وأثقل صدرها بالأسئلة. لكن داميان لم يزدها إلا وجهًا شاحبًا وعينين غائرتين وهو يقول:
“الأمر لا يسير كما أريد.”
وفي تلك اللحظة، كان آشر قد هبط من السُّلَّم متجهًا نحو المائدة، فلما أبصر حاله نقر بلسانه متبرِّمًا وزمجر:
“أيها الأحمق! أتهلك جسدك من أوّل يوم بمثل هذا العناء؟ ما بالُك تمكث حتى تغرب الشمس، وتعود في هذه الساعة؟ إنّ التمرين يكفيه ساعتان أو ثلاث في اليوم!”
قال داميان، وهو يحاول أن يُعلي من حجّته:
“لكن، طالما أنّ التدريب إنما يؤتي ثماره إذا بُلِيَ الجسد حتى غايته، ففي ذلك وجه من الفهم…”
ولم يُكمل، إذ هوت على أمّ رأسه صحيفة مسائية ملفوفة بإحكام.
“ويحك! أتظن نفسك في ثكنة؟! يدك لم تستردّ الإحساس بعد، وتعامِلها كأنها رشاش آلي؟!”
لم يستطع داميان أن يُخرج أنينًا، فاكتفى أن يربّت بيده الأخرى على موضع الضربة كأنما يشكو من مظلمة. كان آشر يأمره بالتدرّج والرفق، غير أنّ قلب داميان كان موغلاً في قلقٍ خفيّ: أيمكن أن يعجز عن تحريك ذراعه أبدًا؟! لذلك بالغ في التدريب، وإن لم يكن الأمر ليستحق الضرب.
لكن ليليانا أسرعت مدافعة عنه:
“آشر! ليس ذنبه عظيمًا حتى تُوبّخه هكذا. إنما غلب عليه الحماس، وما نيّته إلا حسنة!”
فأطلق آشر زفرة، وأعاد النقر بلسانه.
“إذا أجهد ذراعه الاصطناعية من البدء، فربما لا تظهر العلّة الآن، لكن عاقبتها شديدة… آه، لا فائدة. جرّب بنفسك، وستندم.”
ثم مضى نحو المطبخ، تناول ما أُعدّ له على المائدة، وجلس يأكل. وفي الأثناء، أشارت ليليانا إلى داميان:
“هلمّ إلى العشاء، لقد انتظرتك عمدًا.”
لكن داميان هزّ رأسه، وصوته متخاذل:
“أود أن أغتسل وأنام… التعب بلغ بي مبلغًا.”
“ماذا تقول؟! بل لأنك متعب ينبغي أن تأكل أوّلًا!”
ولم يجد بدًّا، إذ جرّته ليليانا إلى المائدة رغم إصراره، فجلست تلقاءه، وناولته طعامه بيدها. لم يدرِ كيف انقضت اللقَم في فيه؛ كأنما ابتلعها غافلًا، تحت نظراتها ونظرات آشر. وما إن رأت صحنه قد خلا، حتى أذنت له أن ينصرف إلى راحته.
دخل الحمام، فانغمس في ماء ساخن، ثم خرج لا يكاد يجفف شعره، وألقى بجسده على السرير، ليغوص في نوم عميق… أو هكذا خُيِّل له.
—
أفاق داميان فجأة على إحساس ملتهب في يده اليمنى. ألمٌ يَسُدّ أنفاسه ويكاد يخنقه. خُيِّل إليه أنّ أحدًا قد صبّ النار على ذراعه، أو أنّه أصيب بشظايا قذيفة في ساحة الوغى.
‘لا بد أنّها الحرب… أين المسعف؟ متى بدأ القتال؟ أكان هجومًا مباغتًا؟’
دوّى الانفجار في أذنيه، تعقبه رشقات الرصاص:
إنفجار! فرقعة!
كان ضجيجًا لا يألفه السمع، يُثقل الرأس حتى الصمم. حاول أن يسدّ أذنيه بيديه، فما إن حرك يده اليمنى حتى انثنى من شدّة الألم.
‘مؤلم… مؤلم… آه، ليتني أفارق الحياة وأستريح!’
رفع بصره المرتجف إلى ذراعه: لحمٌ متسلخ، عظم نافذ يخترق الجلد. صرخ صرخة مدوية:
“آآآااه!”
وتدحرج إلى قاع الخندق، يتلوّى ويجرّ بقدميه الأرض حتى صدرت أصوات كريهة من احتكاك حذائه بالتربة. وفيما هو يتصبب عرقًا باردًا، إذا بشخص يهرع نحوه، يهزه من كتفيه:
“داميان!”
كان الصوت مألوفًا… أنثويًا.
“أفق، داميان! ماذا دهاك؟!”
قبض على ثيابها برجاء متوسل:
“مورفين… أعطني المورفين…”
“مورفين؟! لا وجود له هنا! ألا ينفعك غيره؟”
“الرقيب نيكول… أين بيك؟ ما حال الجبهة؟”
فأجابته متحيرة:
“من نيكول؟ من بيك؟ ما الذي تهذي به؟!”
تحسست جبينه، فإذا هو محموم، فقالت مرتجفة:
“حرارتك مرتفعة جدًّا! انتظر، سأعطيك خافضًا…”
كادت تبكي، وهي تضجّ بحركة مضطربة تبحث عن دواء، بينما داميان يئنّ ويخدش الأرض بأصابعه.
“صبرًا… سأعود بالدواء من أنيت!”
لكن صوتًا رجوليًا حادًّا قاطعها:
“تنحّي. ليس بالأدوية يُعالَج هذا.”
كانت نبرته صارمة ممزوجة بالضيق، وفيها جرس واضح. أمسك بكتفي داميان، مُقيّدًا حركته:
“استفق أيها الأحمق! هذه ليست ساحة الحرب! لستَ هناك بعد الآن!”
حاول داميان أن يدفعه، لكن يمينه الخائنة لم تطاوعه، فبقيت محاولاته بيسراه ضعيفة. لا قِبل له بمصارعة رجلٍ كامل الجسد.
“إن ما تعانيه ليس إلا ‘ألمًا وهميًّا’! ذراعك تلك قد بُترت منذ زمن! خذ نفسًا عميقًا… دواءٌ مسكن سينفعك، لكن أولًا… تنفّس ببطء!”
تعلّق داميان بكلمة “دواء”، فراح يتنفس بعناء، كمن يُنتشل من الغرق. تخلل أنفاسه سعالٌ متقطع وصوت مبحوح، لكن تنفسه أخذ يستقيم قليلًا. عادت الصورة شيئًا فشيئًا إلى عينيه الغائمتين.
رأى أمامه ليليانا بثوب نومها، وعيناها دامعتان، وإلى جوارها آشر بوجه مكفهرّ.
“هل أنت بخير، داميان؟” سألت ليليانا مرتجفة.
هزّ رأسه نافيًا، وقال بصوتٍ مبحوح:
“ماذا جرى لي…؟”
فأجابه آشر:
“إنها نوبة من الألم الوهمي، مصحوبة بهلع وهذيان. هذا مألوف في حالتك. قلتُ لك لا تُجهد نفسك….”
“ألستُ في وسط المعركة؟”
“معركة؟ هيهات. نحن في نيهيرو، بعيدون عن الحروب. لم تكن إلا في حلمٍ مضطرب.”
“لكن… ذراعي اليمنى… توجعني بحق…”
كان الألم أشدّ واقعية من أن يُصدّق أنه وَهم. حتى الآن، يلسع جسده كالنار، وصدى الرصاص يطنّ في أذنيه.
—
الحروب الحديثة ابشع انواع الحروب البشرية على الاطلاق
التعليقات لهذا الفصل " 57"