خفض نظره, فألقت أهدابه ظلًّا على عينيه الزرقاوين الرماديّتين.
“الحقيقة أنّني… لستُ حقًّا من آل ستيرن…”
“ماذا؟ إذن هو اسمٌ مستعار؟”
“لا، ليس كذلك بالضبط… ليس اسمًا مستعارًا، لكن لا صلة لي بعشيرة ستيرن. هذا اللقب… أعني…”
توقّف داميان عن الكلام، ومدّ يده ليحكّ رأسه بارتباك، وهو تصرّف لا يليق على مائدة طعام، فما لبث أن كفّ عنه. غير أنّ ارتباكه بدا واضحًا لعيْني ليليانا.
“داميان، إن كان الأمر يضايقك، فلا ضرورة أن تحدّثني به.”
أشاحت ليليانا بيدها وكأنّها تهوّن، لكن داميان قطّب جبينه وقال:
“لا، الأمر ليس صعبًا إلى هذا الحد. فقط… لا أعرف كيف أصفه.”
“لكن يظهر عليك الحرج.”
“المتكلّم لا حرج عليه، بل السامع. أنا لا بأس عليّ، لكن أكثر من سمع قصّتي بدا في موقف حرج.”
“أحقًّا؟ أما أنا فلن أُحرج أبدًا. أعدك! ثق بي، وأفضِ بسرّك الآن.”
تدلّعت ليليانا وهي تهزّ كتفيها، فما كان من داميان إلّا أن لان وجهه، وابتسم ابتسامة صغيرة. أسند ظهره إلى الكرسي وقال:
“بداية الحكاية أنّ أمّي، إذ تركتني في الميتم، منحتني اسم داميان ستيرن. لكن المشكلة… أنّ أبي لم يكن من آل ستيرن.”
“وأمّك؟”
“ولا هي.”
“إذن من أين أتى هذا اللقب؟”
“ظنّي أنّها أطلقته جزافًا. لعلّها أرادت أن تباعدني عن نسبها ونسب أبي أيضًا. لهذا اختارت لقبًا لأسرة لم تعد موجودة أصلًا. ربّما رأتني عبئًا لا تُحبّ أن يكون لها به صلة.”
وأمالت رأسها تحدّق بوجه داميان لترى أثر كلامها، فإذا به كذلك يتأمّل وجهها. فتبادلا النظر لحظة، ثم انفجرا بالضحك.
وبينما يضحكان جاء الطعام. كفّا عن الضحك وتناولا أدوات المائدة. مدّ داميان شوكته إلى قطعة دجاج كبيرة ليلقمها كما هي، فانتزعتها منه ليليانا، وأخذت تقطّعها بسكّينها وتضع اللحم منزوع العظم في صحفة أمامه. تلقّاها بوجه محرج، وأخذ يأكل شاكرًا.
قال داميان وهو يمضغ:
“أنتِ أوّل من يُبدي مثل ردّة الفعل هذه.”
“قلتُ لك إنّي لن أُحرج، أليس كذلك؟”
“لكن لم أتوقّع أن يكون الردّ بهذا الشكل.”
لقد كان كلّ من سمع قصّته يزداد ضيقًا، أمّا الآن فقد أحسّ بخفّة في قلبه، وظلّ أثر ابتسامة عالقًا على شفتيه.
تأمّلت ليليانا كلامه السابق حين قال إنّه ليس من النبلاء. وما ورد في حديثه الآن أظهر أنّ أباه نبيل. فسألته:
“إذن لستَ من النبلاء، صحيح؟”
“طبعًا، نشأتُ في ميتم.”
“لكن أباك نبيل؟”
فأبطأ داميان في طعامه، ثم ضيّق عينيه وقال:
“وكيف عرفتِ؟”
“جمعتُ أطراف حديثك، وصدفةً أصبت.”
تمتم وهو يستأنف الطعام بوجه متجهّم. قالت ليليانا بخجل:
“هل كان سؤالي في غير محلّه؟”
“لا، لا يضيرني أن يُعرف. إنّما الذي يضطرب هو هو، لا أنا.”
ثم قال بلهجة فيها شيء من التحدّي:
“وحين شاع الخبر من قبل، سخر منّي بعضهم قائلين إنّي ابن غير شرعي. لذا فضّلت أن ألوذ بالصمت. لكنّك لن تسخري، أليس كذلك؟”
“قطعًا لا!”
خرج جوابها سريعًا، فأومأ داميان وهزّ كتفيه.
“إذن لا بأس أن تعرفي.”
فشعرت ليليانا بشيء من الارتباك وارتشفت ماءها.
“لا أعرف وجه أمّي، لكنّي أعرف وجه ذلك الرجل. ومع ذلك… لا أبغضه. لم يعاملني كابن، لكنّه لم يُسئ إليّ. بيننا عهدٌ صامت: هو يعينني ماديًّا، وأنا أتنازل عن أيّ حقّ في نسبه أو امتياز. لهذا لم أناده يومًا بأبي.”
سألته ليليانا وهي تهزّ رأسها:
“لكن إن كان يعينك، ألم يكن بوسعه أن يحلّ مشكلاتك مع العمل أو اليد الاصطناعية؟”
“بعد بلوغي رفضت أيّ معونة منه. لم آخُذ منه إلّا ما يكفيني حتى تخرّجي من الأكاديميّة. أمّا الآن فأعيش كما يحلو لي. ولا، لم أشعر يومًا أنّي أودّ أن أدعوه أبًا. إنّما أبغض أن يتدخّل في حياتي.”
فاستعادت ليليانا صورة داميان وهو ينهش همومه وحيدًا، ورأت أنّه شديد العناد، يُعذّب نفسه.
قال داميان وهو يطوي قصّته:
“هذه خلاصة حكايتي مع هذا اللقب. فلا تبحثي في أساطير ستيرن ولا في كتب الأنساب، فلن تجدي أثرًا لي هناك.”
وإذ أنهى كلامه، قامت ليليانا من مجلسها وجلست بجانبه، ثم مدّت يدها تمسح على رأسه مرّتين أو ثلاثًا. عاد إلى مقعدها، وقد بدت على وجه داميان علامة استفهام.
قالت له وهي تسند ذقنها إلى يدها:
“لقد عانيتَ كثيرًا.”
“ماذا؟”
“هلمّ إلى طعامك، سيبرد. كلْ من هذا، ومن ذاك أيضًا.”
ودفعت الصحن نحوه. أخذ يأكل ما تقدّمه له دون أن يدرك كونه فعلها، وهي تنظر إليه بعين راضية. ثم سألته:
“بالمناسبة، أيّ الكتب كنت تطالع؟”
فارتبك داميان، واهتزّت عيناه، وراح يعبث بالطعام.
“فقط… كنت أبحث عن بعض المراجع.”
“مراجع؟ كأنّك كنت تقلّب في كتب الحكايات.”
“رأيت أنّ البدء بالقصص أنسب لفهمي.”
“حسناً، لا أدري ما الأمر، لكن واصل جهدك.”
“أجل.”
ولمّا لم تُلحّ عليه بالسؤال، بدا عليه الارتياح. واكتفت ليليانا بأن تُطيل النظر إليه مستغربة، تتساءل عمّا يخفيه، لكنها كفّت لئلّا تحرجه.
وما دام الطعام قد أذهب ما بقي في نفسها من جفوة منذ الأمس، فقد صحبت داميان بعد الغداء إلى محطّة الترام حيث كان يتوجّه إلى المشفى لجلسة التأهيل.
واتّفقا أن يلتقيا غدًا في المكتبة من جديد، وهناك سترى بنفسها ما الكتاب الذي يقرأه.
التعليقات لهذا الفصل " 56"