مع أنّ السير ستيرن كان ذا مهارةٍ باهرة، فإنّه لم يظفر بالعثور على الأميرة. فاستدعاه الملك وقال له:
“لقد نفعَتْ مآثرك البطوليةُ المملكةَ نفعًا عظيمًا، وصرتَ قدوةً لسائر الرعيّة، غير أنّك فشلت في أعظم المهمّات، وهي العثور على الأميرة. فهل يا ترى أنبغي لي أن أُجزل لك الثواب، أم أن أُنزل بك العقاب؟”
فأجاب السير ستيرن بطمأنينة:
“عاقِبني يا مولاي. فما أدّيتُ أمر سيّدي كما وجب، فالواجب أن أُعاقَب.”
ففكّر الملك مليًّا ثم قال:
“إذن فجزاؤك أن تظلّ تبحث عن الأميرة إلى الأبد. وإن لم تردّها إلى هذا الحصن، وإن متُّ أنا بعدُ، فلا ضير. إنّما عليك أن تجدها، وتنظر في حالها، وتجعلها في سعادة.”
فأعطى السير ستيرن العهدَ أن يفعل. ولم يلبث الملك أن فاضت روحه، فانطلق ستيرن في رحلةٍ أخرى يبحث عن الأميرة. وكان ذلك آخر القصة.
—
نهاية حكاية مغامرات الفارس الشجاع ستيرن كانت حقًّا باهتة.
فالنسخة الأصلية لم تُبَيّن هل وجد الفارسُ الأميرة أم لا، ولا أين كانت ولا ماذا صنعت. فغضب الناس إذ لم يحظوا بخاتمةٍ تامّة. لكنّهم مع ذلك لم يستطيعوا إنكار أنّ مغامرات ستيرن كانت شيّقة تُستطاب.
ولذلك، فإنّ الحكاية التي ابتدأت بالبحث عن الأميرة، غلب عليها ذكر وقائعه مع التنانين والأشرار أكثر من مهمّته الأولى. فهزيمة تنّين شرير كانت أمتع من فشلٍ في العثور على أميرة مجهولة.
ثم لمّا صُرِّفت القصة إلى صورة حكايةٍ للأطفال – لا يطيقون قراءة المطوّلات – حُذفت منها أجزاؤها، واكتُفي بذكر موقعة التنين وما إليها. فالناس يعلمون أنّ القصة في أصلها كانت عن الأميرة، غير أنّهم لم يعيروها كبير شأن.
أمّا داميان فقد نظر إلى الفارس ستيرن بعينٍ أخرى، فقال في نفسه:
‘غُلب المسكينُ بسيّدٍ شقيٍّ ساقه إلى النحس. أُمرَ أن يبحث عن الأميرة طوال عمره! أما كان يكفيه ما صنع من البطولات؟ قد قتل التنين، وأنصف الرعية من جور الإقطاعي الظالم؛ كان حريًّا أن يُجازى ويُترك لشيخوخةٍ هانئة. لكنّ الملك سخِر منه، جعلَه يختار بين عقوبةٍ وثواب! وأيّ فارسٍ يجرؤ على أن يطلب الثواب في مقامٍ كهذا؟!
ثمّ الأميرة نفسُها، لو بلغها خبر أنّ الفارس يطوف الديار بحثًا عنها، أفلا تخرج بنفسها من مكمنها؟ أما كان ذلك كافيًا؟’
ولهذا لم يكن سببُ بغضه للحكاية أنّ لقبه – ستيرن – أُخذ منها فحسب، بل لما فيها من حيفٍ وسخف. فلذلك لم يفهم حين قالت ليليانا إنّ الفارس أحبَّ الأميرة.
قالت وهي تُلوّح بالشوكة نحو السلطة:
“يعني، في الأصل، لا يُطارد الإنسانُ طول عمره من لا يُكِنُّ له في قلبه شيئًا.”
وكان داميان يأخذ الملعقة اليسرى بارتباك، يعبّ من الحساء وهو يجيبها:
“لكنها كانت أوامر الملك، أليست كذلك؟”
فأجابت:
“إلا أنّه مضى يبحث عنها برغبته هو!”
قال:
“إنّما كان الموقف يومها يفرضُ عليه ذلك، كأنّما دُفِع إليه دفعًا.”
“إيه، لا! ليس هذا. انظر إلى وقت هروب الأميرة: لقد كان قبل زفافها بيوم واحد إلى أمير المملكة المجاورة. أليس ذلك فرارًا من زواجٍ لا تُريده؟”
“وربما كان اختطافًا.”
“لو كان اختطافًا لكان الخاطف طلب فديةً أو شيئًا. لكن لم يُذكَر شيء من هذا. فالواضح أنّها فرّت بإرادتها، لأنّها كانت تُحبّ غير الأمير. ومن غير ذاك سوى السير ستيرن، الحارس القريب منها؟!”
قال داميان:
“لعلّها لم تُرِد الزواج أصلًا، كانت… ماذا يسمّونه… (عازبة بالفطرة).”
“قد يكون، لكنّ تفسير الحب أجمل وأشد رومانسية.”
“نعم… ربّما.”
“لذلك أجد الفارس ستيرن مسكينًا. لقد أحبّ الأميرة يقينًا، لكن الأميرة اختفت ولم يدرك قلبها.”
“همم…”
مال داميان رأسه في حيرة وقال:
“كان يسعهم أن يتبادلا الاعتراف، أليس كذلك؟ من أيّ جانبٍ كان…”
“ها، وأنا أيضًا تحيّرت في ذلك.”
“بأيّ معنى؟”
“مع أنّ بينهما فوارق في المنزلة، فقد كان السير ستيرن فارسًا عظيمًا في عيني الملك. ولو أنّ الأميرة باحت له بحبّها، لم يكن عسيرًا أن يزوّجه بها.”
هزّت ليليانا رأسها تفكّر وقالت:
“لكن لماذا هربت إذن؟ هذا ما لا أدركه.”
فقال داميان وهو يدير عينيه:
“لأنها لم تُحبّه.”
“قلتُ لك لا! ليس هذا.”
ولم تدع له فرصة للردّ. فما كان منه إلا أن سكت وأصغى إلى حديثها.
“المهم، أن الفارس مسكين، والأميرة مسكينة! هذه الحكاية تبكيني.”
وأخذت تُنقّي الزيتون من بين أوراق السلطة بعينٍ كاسفة. وأمّا داميان فلم يفقه كلامها كلّه، لكنّه استحسن أن يسمع منها نظرة مغايرة.
“مع ذلك، أظن أنّهما التقيا في آخر الأمر. فالحكايات والأساطير كثيرًا ما تُختم بنهايةٍ سعيدة. النهايات معروفة.”
لكنها فاجأته وهزّت رأسها:
“لا، ليس بالضرورة.”
قال متعجبًا:
“ألستِ تريدين خاتمة سعيدة؟”
أجابته بعد أن بلعت الزيتونة:
“لو التقيا، لرضي الناس بالنهاية السعيدة. لكن لو لم يلتقيا، ففي الفقد أيضًا جمالٌ شجيّ، ورسوخٌ في النفس.”
فتحيّر داميان من منطقها، ولم يزل عاجزًا عن إدراكه. وأما هي، فقد غلبتها دموعٌ أخرى إذ غرقت في خيالها. فمدّ إليها المنديل، وصبر حتى هدأت.
وبعد حينٍ، إذ لان قلبها بعد الجدال، سألها داميان في رفق:
“ولكن ما الذي حدا بك إلى قراءة مغامرات السير ستيرن الآن؟”
قالت بعد تردّد:
“لأنّ لقبك ستيرن، أليس كذلك؟”
“بلى.”
“فأنا لم أسمع هذا الاسم إلا في الحكاية تلك. فلما رأيتك تحمله، خطرت ببالي فكرة: لعلّك من نسل ذلك الفارس. فأردت أن أبحث هل في القصة أثرٌ لجدّك البعيد.”
ضحك داميان ساخرًا وقال في نفسه:
‘وأيّ خاطر هذا!’
فاحمرّت ليليانا وقالت معترضة:
“ما بالك تضحك؟”
فسعل قليلًا وقال:
“الفارس ستيرن في الحكاية لا قرابة له بي، ولا قطرة دمٍ واحدة بيننا.”
“وكيف؟! لعلّها وقائع صدق، تضخّمت في الرواية، فتوارثها الناس. فلِمَ لا تكون من بقايا سلالة؟”
هنالك عجز داميان عن أن يشرح لها: لو ذكر أبويه وما جرى له يوم أُلقي في الملجأ، كان لا بد أن يستعيد مرارةً يكرهها.
ولهذا كان يبغض تلك الحكاية. فما أكثر ما قيل له: “أنت من نسل الفارس العظيم!” فيُضطر أن يشرح أنّه لا يمتّ له بصلة. وفي صغره كان يُجيب الناس في براءة، ثم ملّ. والآن صار يدعهم يظنون ما شاءوا، لكنّه لم يكن يومًا مسرورًا بذلك.
التعليقات لهذا الفصل " 55"