مضى خمسة عشر يومًا منذ أن خضع داميان للعملية التي غُرِس فيها موضعُ وصلةٍ عند قَطْعِ ساعده الأيمن ليُثبَّت عليه الذراعُ الاصطناعية.
وخلال تلك المدّة كان داميان يقصد آشر على فترات متقاربة ليُجري تعديلات صغيرة على الذراع الاصطناعية غير المكتملة. حتى كان اليوم الذي أعلن فيه آشر أخيرًا أن الذراع قد اكتملت، فعرضها على داميان. غير أنّ الموضع الذي زُرِعت فيه وصلةُ التثبيت كان لا بدّ أن يلتئم تمامًا أوّلًا.
إذ لو رُكّبت الذراع قبل اكتمال الشفاء، لربّما أثقل وزنُها على مكان الجراحة فأفسده. ولهذا كان على داميان أن ينتظر أيامًا أُخَر قبل أن تُثبَّت الذراع.
وها قد جاء اليوم أخيرًا، فمضى داميان إلى مشغل آشر. استقبله ذاك بطبعه الفظّ المعتاد، من غير شرحٍ ولا تمهيد، فثبّت له الذراع مباشرة.
تأمل داميان الذراع المعدنية وقد التحمت بجسده، بنظرة غريبة مزيجٍ من الدهشة والاستنكار. لقد سبق لـآشر أن أراه نموذجًا منها، لكن رؤيتها وقد غدت جزءًا من ساعده أمرٌ بدا غريبًا عجيبًا. لم يستوعب بعد أنّ هذه ستكون يده المستقبلية.
كانت الذراع مصنوعة من معدن بارد وبلاستيك مقوّى، فثقلها أشدّ من ثِقَل اليد الطبيعية، لذا شعر داميان بضغط ووخز في موضع التوصيل.
“كيف تراها؟”
“إحساسها غريب.”
“وأمّا الحركة؟”
جرّب داميان أن يثني ذراعه، لكن المفاجأة أنّ الذراع لم تتحرّك إلا ارتعاشة طفيفة.
“لا تكاد تتحرك.”
نظر إلى آشر كأنما يسأله: ألعلّ بها عيبًا؟ لكن الرجل هزّ كتفيه.
“هذا طبيعي. ألم أقل لك من قبل؟ لن تتحرك بحرية حتى تخضع للتأهيل. أنت لا تعرف بعد كيف تستخدمها، لذلك تجد حتى ثنيها أمرًا عسيرًا. ثمّ لا تنسَ أن الأعصاب بحاجة لمدّة كي تتكيّف مع الوصلة.”
“ومع ذلك… أيمكنني أن أحرّكها فعلًا؟”
ابتسم آشر بثقة وقال:
“طبعًا. إن اجتهدتَ في التدريب فخلال أسابيع قليلة ستستخدمها كما تستخدم يدك الأصلية.”
لكن داميان كان يزداد شعورًا بالنفور؛ فالذراع بدت له جسدًا غريبًا التصق به بلا انسجام. إذ لم تتحرك كما يريد، فوقع في حيرة: كيف يتعامل مع شيءٍ كهذا؟
ثم إنّ الأعصاب لم تُشبك إلا بالحركة الإرادية، دون الإحساس. فمهما لمس بالذراع، لم ينقل له شيء. وذلك ما زاد من إحساس الغربة. بدا له أن الألفة مع هذه اليد لن تأتي إلا بعد وقت طويل.
وبينما كان يكابد ليثني أصابع الذراع، سأله آشر:
“أنت ما زلت تواظب على عيادة التأهيل، أليس كذلك؟”
“بلى، حتى إنني كنت في طريقي عائدا من هناك الآن.”
“حسنٌ إذن. واصل جهدك. اليوم نكتفي بهذا.”
نهض آشر غير آبه، فأمسكه داميان متعجبًا:
“ماذا؟ هكذا فقط؟ تركّب الذراع وتنصرف؟”
“وماذا تريد بعد؟ أنا صانع أطراف، لستُ طبيب تأهيل. التدريب عليك أنت. وفي العيادة سيُرشدونك بما تحتاج.”
“لكن… ألا تسديني نصيحة؟”
تغيرت ملامح آشر إلى ضجر وقال:
“ابذل جهدك، وبالعزم تصير اليد كأنها يدك.”
‘لا فائدة من انتظار شيء غير تقني من هذا الرجل.’
زفر داميان تنفّسًا قصيرًا ثم التقط متاعه وهمّ بالانصراف.
“إذن أستأذن.”
“عد بخير. إن وجدت خللًا خلال التأهيل فاتصل بي فورًا.”
“حسنًا.”
قال آشر وهو يتثاءب:
“وأنا أيضًا سأعود إلى البيت. بعد ليالٍ بيضٍ سهرت فيها، أكاد أموت من التعب. سأغتسل وأنام.”
ودّع داميان ثم خرج، متوجهًا نحو محطة الترام. فإذا بـآشر يلحقه بعد خطوات، بوجهٍ يعلوه الإرهاق.
“أتركب الترام؟”
“نعم.”
“وأنا كذلك.”
وقفا معًا عند المحطة، صامتَين، فلم يكن أحدهما كثير الكلام ولا مولعًا بالحديث. نزل الصمت كستار، ولم يجداه ثقيلاً.
دخل الترام، فتحقق آشر من رقمه ثم قال:
“هذا ترامـي. أراك لاحقًا.”
“وأنا أيضًا أركبه.”
جلسا متجاورَين. وطوال الرحلة غلب السكون بينهما. وبعد نصف ساعة بلغ الترام محطّة نزول داميان.
قال وهو ينهض:
“سأنزل هنا. وداعا.”
فإذا بـآشر ينهض هو الآخر. تعجّب داميان، فقال آشر:
“صدفة! أنا أيضًا أنزل هنا. لعلّ بيتك قريب من بيتي.”
“لم أعلم أنّك جار.”
نزلا معًا، وسارا في نفس الاتجاه. فسأله داميان:
“أنا أمضي إلى ذاك الطريق. وأنت؟”
قال آشر بعد تردّد قصير:
“إلى الجهة نفسها.”
خيّم صمتٌ عابر ثم تبادلا كلمات مقتضبة:
“صدفة غريبة.”
“حقًا.”
ومشيا متباعدين قليلًا رغم وحدة الطريق.
سأله داميان:
“أتنعطف يمينًا هنا؟”
“نعم، عند المعبر. وأنت؟”
“كذلك.”
حتى وصلا إلى بناية من عشرة طوابق، في أسفلها مقهى.
قال داميان:
“هذا مسكني.”
فقال آشر:
“بل مسكني أنا.”
تبادلا النظرات بدهشة. فقال داميان:
“أأنت تسكن في الغرفة التي تعلو السطح؟”
“بلى.”
“……أفأنت إذن زميلي في السكن، الذي غاب شهرًا فلم أره؟”
“وأنت؟ أأنت الرفيق الجديد الذي حلّ مكاني حين غبت؟”
“انتقلت قبل العملية بأيام قليلة. وغرفتي تقابل غرفتك.”
ولما دخلا وجدَا أنيت تبتسم قائلة:
“آه آشر، التقيت بـداميان! أتعرفتُما إلى بعضكما؟”
أجاب باقتضاب:
“نعم.”
وبينما همّ بالصعود إلى الطابق العلوي، دوّى وقع أقدام سريعة.
“داميان!”
لقد كانت ليليانا، تنزل الدرج مسرعة حتى كادت تطير، ثم توقفت حين رأت آشر.
“آشر…؟”
نظر الرجل بين الاثنين وقال مستغربًا:
“ما الأمر؟ لماذا هذه هنا؟”
قال داميان:
“إنها إحدى زميلات السكن الجدد، انتقلت في غيابك.”
قالت ليليانا بدهشة:
“أأنتَ إذن جارنا الذي لم يظهر شهرًا كاملًا؟”
أجاب:
“هكذا يبدو.”
ثم نظر بينهما ثانية وقال متفحّصًا:
“ألم تقولا إنكما لستما عاشقَين؟ أفتغير الأمر؟”
قالا في آن واحد:
“لا!”
“ليس كذلك!”
كان سوء الفهم هذا أشدّ ما يكرهان.
قال داميان مفسرًا:
“لسنا إلا صديقَين.”
هزّ آشر رأسه وقد بدا مطمئنًا:
“آه، ظننت غير ذلك. والحمد لله، فما أكره شيئًا مثل العيش بين ثنائي متغزّل، لا أطيق ذلك.”
‘يا له من وقح!’
ضيّقت ليليانا عينيها تنظر إليه بغضب، فيما قالت أنِيت متبرّمة:
“آشر! كم مرة قلت لك اكفف عن هذه اللهجة الفظة؟”
لكنه تجاهلها تمامًا، وسأل ليليانا:
“ذكّريْني… ما اسمك؟”
“ليليانا كانيل. أسكن الغرفة المقابلة لك.”
مدّت يدها، فصافحها ببرود، ثم مضى صاعدًا الدرج.
“سأغتسل وأنام. رجاءً التزموا الهدوء.”
أومأ الاثنان بالإيجاب، غير أنّه لم يبالِ، ودخل غرفته فأغلق الباب خلفه.
التعليقات لهذا الفصل " 51"