كان انتقال داميان سريعاً، إذ إن في بيت الضيافة الذي تسكنه ليليانا بعض الغرف الشاغرة، وما كان لداميان من المتاع سوى حقيبة كبيرة تحوي ثياباً وأشياء متفرقة.
فما إن وقّع على عقد الحراسة الذي أرسلته باسكا مع أحد الرسل حتى قبض عربون العقد، ثم انتقل في اليوم التالي إلى مسكنه الجديد. ولم تمضِ على تلك الترتيبات كلها إلا خمسة أيام منذ أن عُرض عليه العمل كحارس شخصي.
وكان قد زار المكان مرة من قبل: عمارة سكنية من عشرة طوابق، في أسفلها مقهى، ومن الدور الثاني صعوداً شقق مأهولة، أما الطابقان التاسع والعاشر فهما بيت الضيافة حيث تقيم ليليانا.
وما إن بلغ داميان بوابة العمارة حاملاً حقيبته، حتى انطلقت نحوه ليليانا مهرولة تهتف بصوت متهدّج:
“ووووه، داميــان! لقد اشتقتُ إليك!”
كانت تتصنّع البكاء وتكثر من الحركات حتى أربكته.
“هل وقع لكم أمر جلل؟” سألها داميان.
“كدتُ أهلك من الوحدة! خمسة أيام وأنا وحدي، مللٌ ووحشة، كآبة وغربة، حتى المواعيد الطبية تأخرت فلم نلتقِ في المستشفى، بل كنت أذهب وحدي وأعود وحدي.”
فقال داميان بهدوء: “ولِمَ لم تستدعيني؟”
“أأستدعي مريضاً لمجرد أن يرافقني إلى المستشفى؟”
“أما الخروج للهو فلا بأس به؟”
“ذاك أمر مختلف، فاللعب شأنٌ عظيم، أما الطبابة فهينة.”
“أما ترين أنّ الأمرين قد انقلبا عندك؟”
“كلا. دعك من هذا، هلمّ ندخل. هذه كل أمتعتك؟ أعطني الحقيبة.”
“إنها ثقيلة، وما حاجتي أن أُحمّل ليليانا عبئي؟”
“لأن لك ذراعاً واحدة ولي ذراعين!”
“ولكن ذراعي هذه تكافئ ذراعيك الاثنتين معاً، فسواء عليّ من يحملها.”
ثم أدخلها أمامه إلى الداخل.
وما كاد يُسمع وقع الأبواب حتى خرجت امرأة من قاعة الاستقبال، في متوسط العمر، لها شعر قصير بلون العسل مصفّف بإتقان، وفي عينيها الباسمتين شعاع بنفسجي كالأماتيست.
“آه، أنت السيد داميان سترين؟” سألت وهي تمد يسراها للمصافحة.
“أنا آنيت بولو، صاحبة هذا البيت ومديرته. سررت بلقائك. سمعتُ عنك كثيراً من ليليانا، قالت إنك وسيم.” ثم غمزت بعينها مازحة.
صافحها داميان وقال بجدية لا تخلو من الجفاء:
“أشكرك على حسن ظنك، سررت بلقائك يا آنسة بولو.”
وكان في مظهرها أنها لم تتجاوز أوائل الثلاثين، وهيئة عادية، لكنه تعجّب كيف امتلكت بيتاً كهذا في حيّ غالٍ كهذا.
“أواه، آنسة بولو؟ ناديْني آنيت فحسب، وكن أكثر تحرّراً في كلامك. فأنا وليليانا نتعامل كأختين.”
“معذرة، لكنني أرتاح للكلام الرسمي. أناديك آنيت إن شئتِ، على أن تخاطبيني أنتِ بحرية.”
“هكذا إذن؟”
فضحكت ليليانا إلى جانبه وقالت: “داميان لا يتكلم بغير الرسمية حتى معي، فهل تظنين أنه سيتساهل معك؟”
فابتسمت آنيت وقالت: “ما أرقى تهذيبه.”
فأجابت ليليانا: “بل هو ثقيل في المعاشرة، فلنلتمس له العذر.”
قالت آنيت: “تعال إذن لأريك غرفتك.”
وصعدوا إلى العاشر، حيث بينت له: “لدينا أربع حجر ضيافة، الآن يسكن اثنتين منها ليليانا وضيف آخر، وبقدومك صار عندنا ثلاثة. ولكل غرفة حمّامها، فلا عناء. وأما الضيف الآخر فلا أراه كثيراً، هو شاب في مثل عمري يدير مشغلاً، مشغول دوماً. لعلّك تلتقيه يوماً… إنه رجل طيب.” قالتها متكلّفة شيئاً من التجميل.
ثم فتحت له غرفته: متوسطة المساحة، مرتبة، بها نافذة طويلة، أثاثها كافٍ من سرير ومكتب وخزانة، وفيها مزهرية صغيرة ملأى بأزهار شتى.
قالت ليليانا بفخر: “هذا إهداء مقابل الزهور التي أهديتني. أليس جميلاً؟”
ابتسم داميان وقال: “شكراً لك.”
قالت آنيت: “قواعد السكن مكتوبة على الورقة فوق المكتب. لا حظر تجول، لكن لا يجوز إزعاج الآخرين. المطبخ والأماكن المشتركة مباحة، لكن النظافة لازمة. ولستُ دائماً في البيت، فعملي الأصلي أني معلمة خصوصية، وأعود غالباً في المساء. ارتَح الآن ورتّب أمتعتك.”
وغادرت مبتسمة.
أما ليليانا فشدّت داميان من ردائه وقالت: “غرفتي بجوارك تماماً، طلبتُ ذلك قصداً.”
“ألا ترين أن الأمر قد يضايقك، بما أني رجل؟”
“لا ضير، ما دمتَ لست غريباً. أساعدك في ترتيب الأمتعة؟”
تألّمت ملامحها وقالت: “أوه، لا بدّ أن يكون ذلك شديد الوطأة.”
“سيكون كذلك.”
“أأعددت نفسك؟”
“قليلاً.”
قالت بحزم: “سأرافقك اليوم.”
لم يعترض داميان، فاكتفى بتعليق ثيابه ومضى، وهي معه.
وبينما يراجع خطوط الترام قال لها: “لن نذهب اليوم إلى ورشة السيد آشر، بل إلى المستشفى الذي سيجري الجراحة. عليّ أن أخضع لفحوص قبل العملية.”
قالت بقلق: “لن يظهر شيء خطير، أليس كذلك؟”
قال داميان بصوت عزم: “يجب ألّا يظهر.” كم كان ثمنها باهظاً!
إذ عنده لم يكن السؤال: هل سيستخدم ذراعه؟ بل كان: كيف لا يضيع ثمن تحفة (آشر أولرون) المسماة “الذراع الميكانيكية”.
وفي الترام أخرجت ليليانا كتيّب السياحة لمدينة (نيهيرو) وقالت:
“لقد أخطأنا التخطيط من قبل لأننا جهلنا المعلومات. معذرة، لكنك يا داميان تعرف الطرق لا المواضع. هذه مواطن لها تاريخ، فلا بدّ من أدنى معرفة بها.”
“لم يكن لي بها اهتمام.”
“المعرفة العامة واجبة ولو لم تهتم بها. لذلك أعيد ترتيب جولتنا بما يلائم جهدنا. وعليه: غداً، قبل عمليتك، نخرج للنزهة. خصّص يومك لذلك! أعندك اعتراض، أيها الملازم؟”
فابتسم داميان وقال: “ها قد صرتِ تصدرين إليّ الأوامر.”
التعليقات لهذا الفصل " 46"