حين رمش داميان ونظر إلى ليليانا الجالسة إلى جانب باسكا، إذا بها ترسم دائرةً وتدير إصبعها دَوراناً، ترسل له إشارةً بأن الأمر بخير.
“قاتلتَ أربعةً بمفردك وغلبتَهم دفعةً واحدةً…؟”
“آه…”
ولمّا أبطأ داميان في الجواب وهو يحدّق في ليليانا، عادت فأشارت بإبهامها وسبّابتها على هيئة علامة الرضا.
“أجل، كذلك كان.”
“همم، همم.”
هزّت باسكا رأسها وهي تُخرج همهة من أنفها، ولم تُعقّب بكلمةٍ بعد.
وأحسّ داميان بالانقباض، إذ لم يُدرك مراد باسكا. لم يفهم أيّ غرابةٍ أو حرجٍ في كلام ليليانا، ولا استطاع أن يُهمل حذره. لا شكّ أنّ للأمر صلةً بالحادثة الأخيرة.
ومضى يُخفي عَرَق كفّه فيمسحه بطرف ثوبه، فإذا بالقهوة تُقدَّم. نظر داميان إلى الفنجان الدافئ أمامه فضرب لسانه سقف فمه مغتاظاً في سرّه: ‘لو كنتُ أعلم أنّ الجو سيكون هكذا، لطلبت شراباً بارداً.’
ارتشفت باسكا من شايها الأسود قليلاً، ثم فتحت فاها:
“سيّد داميان، كم عمرك الآن؟”
“إحدى وعشرون سنة.”
“شابٌّ يافعٌ جدّاً.”
كانت تُلطف القول لتصرّح أنّه أصغر سنّاً ممّا توقّعت، ثم رمقته من رأسه إلى قدميه. بدا في المظهر كأقران ليليانا، غير أنّ نظرات عينيه خالفت ذلك؛ فخلف ملامحه الهادئة عيونٌ زرق رماديّة، نضجت قبل أوانها، أو لنقل إنّها قد صُقلت قهراً بمرارة الحياة. وزاده ذلك وضوحاً أنّه حديث عهدٍ بالتسريح من الجيش.
“قلتَ إنّك عسكريٌّ سابق، أليس كذلك؟”
“آه، نعم. تطوّعتُ قبل عامين، وسُرّحتُ في الشهر المنصرم.”
“سمعتُ من ليلي أنّك شاركتَ في حرب ليف و سوبيلز…”
فما كان من داميان إلا أن مسَّ ما بقي من ساعده الأيمن بكفّه الأخرى، وأومأ.
“أجل. هناك فقدتُ ذراعي. وبذلك نلتُ تسريحاً مكرَّماً…”
وانطلق لسانه بما لم يُسأل عنه من فرط التوتر.
“وما كانت رتبتك؟”
“كنتُ ملازماً.”
“آه، في مثل هذا العمر؟”
جاء تعجّب باسكا شبيهاً بتعجّب ليليانا من قبل.
فقالت ليليانا، خشية أن يسأم داميان من الأسئلة المتلاحقة:
“لقد نال وسامين وهو بعدُ ضابط صفّ، فترقّى سريعاً. أليس بديعاً؟”
رفعت باسكا نظّارتها بإصبعها، وتمتمت:
“إذن… الكفاية مضمونةٌ لا شكّ.”
تلألأت أشعّة الشمس في زجاج نظّارتها، فأخذ داميان في نفسه رهبة.
‘كفاية؟ مضمونة؟’
وابتلع ريقه، فإذا بباسكا تقول:
“سيّد داميان، عندي لك اقتراح.”
“ها؟ ن-نعم، تفضّلي.”
“هل لك في عمل الحراسة؟”
فتوسّعت عينا داميان، وحدّق فيها مذهولاً، وهي تمضي على لهجة الجدّ:
“هي حراسة، غير أنّ شدّة العمل لن تكون عسيرة. وإن كانت لك شروطٌ بعينها أمكننا أن نلائمها.”
تجمّد داميان قليلاً ثم أشار بيديه نافياً:
“آه… انتظري. أنا جنديٌّ متقاعد، بيد أنّ عمل الحارس غير عمل الجندي. ولم يسبق لي أن قمتُ بحراسة أحد.”
وإلى جانب عنصر المفاجأة، لم يكن داميان واثقاً من نفسه، ولا بدنه في حالٍ صالحٍ لذلك.
“ثمّ إنّي بعد ما خلّفته الحرب من أذًى ما زلتُ أتلقّى العلاج. ولا أرى نفسي أهلاً لأن أحرس أحداً. زد على ذلك أنّني بلا ذراعٍ يمنى…”
فأخذ يعدد أسباب رفضه، فأومأت باسكا واضعةً ذراعيها على صدرها.
“صدقتَ. فالذراع اليمنى أعظم عائق.”
“نعم. ولا يليق بحارسٍ أن يكون بيد واحدة…”
“لكن ثمّة آشر أولون، أشهر صانع أطرافٍ صناعيّة.”
ارتجف داميان عند سماع الاسم.
“يُقال إنّ يد آشر أولون الصناعية لا تقلّ عن اليد الحيّة في الوظائف. أتراك تَرضى بها؟”
“م-ماذا تعنين؟”
“أعني إن كان رفضك من أجل ذراعك، فأنا أزيل لك هذا العذر.”
فأرهف داميان سمعه، وإن كان يدرك أنّ أطراف أولون الصناعيّة فوق طاقة العامّة. فتساءل حذراً:
“هل… تعلمين سعرها؟”
“أجل. بحثتُ من قبل. وتلك الكلفة أقدر على دفعها.”
فنظر إليها داميان بعينٍ حذرة: ‘هذه المرأة أغلقت كل منفذٍ أستطيع الخروج منه، ثم أغرتني بيد أولون كطُعمٍ حسن.’
فلو حظي بتلك اليد، فما قيمة الأجر؟ لقد كان العطاء فيها وحدها يفي بأضعاف. غير أنّه تذكّر: ‘كثيراً ما يكدح المرء طويلاً ليُرزق قليلاً، لكن قلّما يُعطى الكثير في مقابل يسير إلا وفي الأمر ما يُريب.’
فاستعاد رشده وسأل:
“هذا العمل… هل قد يجرّ إلى الموت؟”
“آه…”
دارت عينا باسكا دورةً سريعة.
‘تسك، ها هو حسّه العسكريّ، أدرك الأمر.’
لكنها ما لبثت أن أعادت صرامة وجهها وقالت:
“حتى لو لم يكن هذا العمل بعينه، أليست كلّ حراسةٍ محفوفةً بالخطر؟”
فحدت نظرة داميان. فأردفت مبتسمةً بخفّة:
“هاها، لن أزعم أنّه بلا خطر، فذاك كذب.”
ولوّحت بيدها، وليليانا بجانبها تهزّ رأسها ساخطَة. فأومأ داميان إلى ليليانا، فإذا بها تُشكّل شفتيها صامتة:
‘ارفض.’
وقبل أن يرفض بغير روية، سأل:
“ومن هو المحروس؟”
ابتسمت باسكا مشيرةً إلى جنبها:
“إنّها ليلي.”
فوضعت ليليانا كفّيها على وجهها متهيّبة، فقال داميان مشدوهاً:
“ما الذي تفعلينه لتحتاجي إلى حارس؟”
“لا، ليس أنّي أتيه بأفعالٍ عجيبة…”
فبان على وجهها شيءٌ من الظلم. وأخذت باسكا توضح:
“ما دامت ليليانا في الشرق فأنا كفيلةٌ بها. لكنني الآن لا أستطيع أن أبرح الشرق. وقد شقّ عليّ المجيء إلى نيهيرو اليوم. فإن مكثت ليليانا هنا بلا مرافقتي، فمن يحميها إن وقع حادث؟ لهذا نحتاج إلى حارس.”
التعليقات لهذا الفصل " 40"