[بالأمس صعدت التل حتى بلغت منبع الوادي لأرى الشلال المتدفق. حرّ النهار أجبرني على اللعب في الماء، فاستعدتُ طفولتي التي غابت طويلاً. سأعود حين تشبع نفسي من هذا النعيم!
أحبُّ الماء بكل أشكاله: اللعب في الجداول، والسباحة في البحيرات. لكن أبي غضب وقال: ‘فتاة ناضجة لا تليق بها هذه مثل هذا الطيش!’ ألا يعد متحجر اللب؟
أيها الملازم، هل تجيد السباحة؟ رغم عشقي للماء، فأنا بالكاد أحفظ نفسي من الغرق! لا أميز بين الرياضات، بل أحب الصيد أيضاً. أليست إهتمامات بسيطة، بعيدة عن النبل؟ في خريف العام الماضي اصطدتُ مع ‘غرين’، ابن العمدة، أسماك السلمون المرقط حتى شبعنا!
هل كشفتُ لك شيئاً عن نفسي؟ إن أردت المزيد، فلا تتردد في السؤال، وإن لم تردّ فسأصمت.
6 أغسطس 1878.
-لينتري، التي فقدت أملها أن تحسن ألقابك المبتذلة.]
قرأ داميان الرسالة مرتاباً. كان سؤالها حساساً، لكنه فهم أن الغوص في التفاصيل غير ضروري. فهذه مجرد مراسلة عابرة، والفضول المفرط في الشؤون الخاصة أمر غير لائق. وهو لا يريد أن يعيد إحياء ذكريات مؤلمة.
[-سيدتي لينتري الطفولية أكثر مما ظننت!
لست متزوجاً، والعشرين سن مبكر للزواج. أما عائلتي، فهي موضوع كئيب لا أود خوضه. لست من الحمقى الذين يفرون من دفء أسرهم إلى جحيم الحرب!
لم يكن تقصيري في الإجابة، بل اختيارك للسؤال بالذات. فلا تلومي إلا نفسك.
لم أفكر يوماً بحبي للماء، لكنه اليوم أفضل من نار ساحات القتال. لو أتيحت لي رحلة لاخترت النهر على الجبل. مهارتي في السباحة لا تفوق مهارتك، وإلا لجندت في البحرية!
وبذكر الأمر، لو كنت في البحرية، لربما كرهت الماء عن النار، شكري للجيش البري الذي جعل أذواقنا متقاربة.
ولا أكره الصيد، بل أبرع فيه، خاصة حين نقصت المؤن.
بالمناسبة، كم عمرك؟
12 أغسطس 1878.
-الملازم ماكورد.
ملاحظة: هل ترضتك صيغة النداء الجديدة؟]
————-
[أيها الملازم ماكورد، الذي لا يهمه سوى عمري!
يا إلهي! رتبة ‘ملازم’ جعلتني أتخيلك كهلاً، لا شاباً في ربيع العشرين! أظن خريجي الأكاديمية في منتصف العشرينات على الأقل. أنت أصغر مني بعام واحد فقط…
مذهل أليس كذلك؟! نعم، عمري 21 سنة. أشبعت فضولك؟ لكن لمَ سؤالك عن العمر فقط؟ لا أرفض، بل أستغرب!]
رفع داميان حاجبيه، إذ لم يكن يتوقع أن تكون صغيرة إلى هذا الحد،فأثناء قراءته توقع حداثة سنها إلا أنه لم يخل قط أنها بهذا الصغر.
كان يفضّل مصاحبة الأكبر سناً، فذوي سنه يصيبونه أحياناً بالارتباك، رغم أنه شابٌ أيضاً. إلا أنه لا يسطتيع مواكبة حيوية اولئك الذين أنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى الشباب.
كان شابا إلا أنه أختلف عنهم.
بأفكار كهذه تراود خلده ، واصل القراءة ليجد اعتراضاً ساخراً:
[طفولية؟! لم يقل لي أحد ذلك قبلك! قلي أنك تمزح، لقد صدمتني خلال رسائل قليلة فقط! إن نمت الليلة قلقة، فالذنب ذنبك!]
ضحك داميان بخفة. لا بد أنها مدللة إذ لم يوجه لها كلام كهذا قط. لكن بمواصلة القراءة سرعان ما وجد اعتذارها:
[عذراً على السؤال عن عائلتك، أدركت أنني تجاوزت حدودي.]
“حسنٌ أنها فهمت.”
[سؤال آخر: لماذا تخوض الحرب؟ تقول إنها جحيم، ومع ذلك تقاتل فيها!
لو كانت حربك لتفهمت، لكنها نزاع بين دول لا شأن لك بها! كثير من المقاتلين يدافعون عن مبادئ، أو يتضامنون مع المظلومين، عدا من أُجبروا على ذلك.
فهل لي أن أعرف سببك، وإن لم ترغب، فانس السؤال. لابد أن لديك سراً تخفيه.
18 أغسطس 1878.
-لينتري، التي تنتظر منك لقباً جديداً.]
عض داميان شفته السفلى، فالسؤال يلسع كالسيف.
‘لماذا أقاتل؟ وما الفائدة من كشف ذلك؟’
غمره غضب داخلي لكنه لم يجرؤ على لومها. لو كانت مكانها، لما ترددت في السؤال. كيف تفهم إنساناً مجنوناً يقاتل بلا هدف؟
“لماذا أقاتل؟
بينما تكاد تخترق الرصاصات رأسي، وأسفك دماء الآخرين، أن يبلغ بي الأمر مبلغ نسيان إنسانيتي… ما السبب الذي يبرر كل هذا؟”
لا سبب. أقاتل لأنني بلا غاية. من يملك قضية يجب أن يعيش لتحقيقها. أما أنا، ذلك الفراغ الذي يملكه من يريد أن يحيا، فليقاتل عنهم، ويسكب دمه ليبقوا هم أحياء. يكفيه ذلك.
“فليحيا الوطن بمن يقاتل لأجله. فلو مات الجميع، من سيبني المستقبل؟”
عاد يكتب بعد ثلاثة أيام:
[يا سيدتي الفضولية!
رتبتي العالية ليست تميّزاً لي، بل لأن رؤسائي يموتون أسرع من معدل الترقية المعتاد، شغور القيادة دفعني لرتبة الملازم.
درست التكتيكات العسكرية بالأكاديمية، وبدأت عريفاً. ونلت ميداليتي شجاعة كضابط صف. لا شيء مميز بي.
سألتك عن عمرك لسبب بسيط: شاب في الحادية والعشرين؟ ابتعدي عنه! أخطر الحماقات تصدر من أمثاله.
نعم، لا أعرف غرين، وأعتذر إن بدا كلامي تجريحاً له. لكن صدقيني، أغبى الكائنات هم الذكور بين 19 و23 سنة!
جسدياً ناضجون، وعقلياً أطفال. حتى ابن عمي يصفني بالأحمق! لا أمنع صداقتك به، لكن احذري لقاءه بمفردك.]
في قرارة نفسه كان يريد الصراخ: اقطعي اعلاقتك به! فشاب في هذا العمر لا يضيع وقته مع امرأة بلا غايات. لكن بما أنها مصرّة، فكثرة التحذير قد تدفعها للعناد.
التعليقات لهذا الفصل " 4"