لم يبدُ على ليليانا أيّ حيرة في تقبّل كونها قد فقدت ذاكرتها، وأنّها صارت فجأة في الثانية والعشرين. ولم تُظهر على الأقل أمام داميان ما يدلّ على اضطرابٍ في معاشها اليومي.
داميان لم يدرِ أيَّ ردٍّ يليق، فسكت هنيهة ثم قال متحسّبًا:
“أفي سلامٍ أنتِ وإن فقدتِ الذاكرة؟”
تنفّست ليليانا الصعداء وقالت:
“هيهات أن أكون بخير. فأعظم الخسارة أنّ أمري في إنهاء دراستي الجامعيّة صار مبهمًا، وكلّ ما تعلّمتُه هناك قد نسيته.”
قال داميان:
“آه…….”
قالت:
“ثمّ إنّ أعمارنا هذه من أهمّ ما في الحياة، إذ نحن شباب، وفي سبيل المستقبل علينا أن نفعل أمورًا كثيرة. فإذا ضاع منّا عامان كاملان فما أحرّها خسارة!”
قطّبت جبينها وهي تحدّ بصرها في سحابةٍ على هيئة الأرنب، وارتسم على وجهها مزيجٌ من الخواء والخيبة.
داميان كان في تلك السنّ قد خاض الحرب، وقضى زمنه في ساح الوغى. فما خطرت بباله إذ ذاك أمورٌ أخرى. وكان التاسعة عشرة عنده سنًّا كريهة، إذ لم يكن له أساس يخرج به من الملجأ. فلم يرها قطّ سنًّا مهمّة.
لذلك لم يدرِ ما يواسي به ليليانا في حديثها، واكتفى أن يحدّق في محيّاها جانبًا ثم سألها:
“فأيّ حادثٍ أصابكِ يا ترى؟”
داميان كان قد تردّد طويلًا في سؤالها عمّا جرى لها، إذ رآه خروجًا عن الأدب، فظلّ يؤخّر السؤال مرارًا.
ولم يكن يبدو على ليليانا أثرُ إصابة، سوى أنّ قلبها توقّف ثلاث مرّات كما روت من قبل. لذلك بقي في نفسه تساؤل حتى أطلقه الآن.
رفعت ليليانا ساقها ولوّحت بها إلى أسفل لتنهض بجذعها، ثم شبكت ذراعيها وأخذت تفكّر مليًّا وقالت:
“همم…… كيف أعبّر عن هذا…….”
قال داميان:
“إن صعُب عليكِ البيان فدعينا منه.”
“كلا، إنّك قد قصصتَ عليّ ما جرى بك، أفأبقى وحدي لا أُخبرك بما أصابني؟ لطالما فكّرت أنّ هذا جَور. والآن وقد ذُكر الأمر، يحسن أن أبيّنه…….”
ثم أخذت نَفَسًا عميقًا وانتقت ألفاظها قائلة:
“لقد وُلدتُ – كما قلتُ لك من قبل – سليمة البدن. غير أنّي وإن كنتُ صحيحة، فلي بُنْية غريبة، مخالفة للناس…….”
قال داميان:
“بُنية غريبة؟ وكيف ذاك؟”
“أعني أنّي…… همم…….”
ونظرت حواليها ثم نقرَت لسانها بأسى وقالت:
“آه، المكان مُضاء جدًّا، والناس كُثُر…….”
ثم دفعت شعرها إلى الوراء ونظرت إليه وقالت:
“هلمّ بنا نتغدّى.”
قال داميان متعجّبًا:
“في هذه اللحظة؟”
“إنّي لجائعة حقًّا. وقد تجاوز الوقت الثانية بعد الظهر. وإن أبطأنا وقعنا فيغلق المطعم، فلا يبقى لنا إلا شطائر الطريق. أمّا في هذا اليوم الأوّل من رحلتنا فلا أريد طعامًا رخيصًا، وقد جئت ومعي ألف هيرك.”
فتبيّن لداميان أنّها تتعمّد صرف الحديث، ولم يُبدِ تبرّمًا بل تبعها كما شاءت.
وبعد أن تناولا طعام الغداء، جلسا في مقهى حلويات اشتهر بالتيراميسو*، وأخذا يأكلانه ويتحدّثان في شؤون شتّى.
م. آخر الفصل
ولمّا انتهى داميان من طعامه، همّ أن يفي بما وعد نفسه أنّه سيقصر يومه على هذا القدر، ولكن ليليانا جذبته إلى هذا المتجر قائلة إنّ بوسعها أن تقضي الوقت دون أن تُجهد نفسها.
وكان داميان يريد أن يجادلها أنّ لا سبيل إلى ذلك، ولكن ما إن رأى نَضَارة اللون تعود إلى وجهها كلّما أكلت من التيراميسو حتى لم يستطع أن يُصرّ على الرجوع.
فقضيا النهار هكذا حتى غابت الشمس، فأعادها داميان إلى منزلها.
وفي الترام في طريق العودة، أخذت ليليانا تلتفت نحوه بطرف عينها كأنّها تخشى شيئًا. فإذا التقت عيناها بعينيه حوّلت نظرها سريعًا. وظلّت تفعل ذلك مرارًا حتى وصلا إلى المحطّة القريبة من بيتها.
وسلكا الطريق من المحطّة إلى المنزل، وليليانا ما زالت واجمة الفكر. ولمّا وقفا عند بابها، تلكّأت قليلًا ثم رفعت يدها تريد أن تُودّعه.
فلم يُطق داميان أن يتغافل عنها وقال:
“إن كان لكِ كلام، فقولي.”
“همم……؟”
“أهو في شأن ما بدأنا الحديث عنه آنفًا؟”
قالت:
“نعم، ولكن…….”
“أتودّين البوح به أم تميلين إلى كتمانه؟ على كلٍّ، افعلي ما شئتِ، فإنّي لا أُعنى بالأمر. حقًّا لا بأس.”
“إنّي…… أريد أن أبوح، أجل. إنّني حقًّا أريد…….”
وتردّدت. فتنفّس داميان قصيرًا وقال:
“ولكن ليس الآن، أليس كذلك؟”
قالت بدهشة:
“هاه؟”
“أيًّا كان السبب، فلا تستطيعين أن تقوليه الآن، أليس هذا هو المقصود؟”
“بلى…… هو ذاك.”
“فإذن قولي على مهل. لن أُعجّل بطلب جوابك، فليس الأمر بتلك العجلة.”
فعادت الطمأنينة إلى وجهها وقالت بخجل مبتسم:
“أحقًّا يجوز؟”
“ألستِ تسألين عن أمرٍ بديهي؟ سأنتظر.”
“ههه…… شكرًا لك يا داميان. إذا توضّحت أفكاري فسأقصّ عليك كلّ شيء.”
ثم سرعان ما أشرق وجهها، ولكنّها لمّا رأت الكدمة الداكنة في وجه داميان، عاد القلق إلى ملامحها وقالت:
“ليت الورم يزول سريعًا، وإلا صعُب أن نلتقط الصور…….”
“دعي أمري، والتقطي صوركِ أنتِ.”
ودفع بالكاميرا نحوها. فأخذتها وقالت:
“ما هذا؟ بل نصوّر معًا، معًا! فما أجمل أن نُكثر من الذكريات الحسنة.”
وما إن سمع ذلك حتى تبسّم داميان بمرارة، إذ تذكّر أنّه لم يَقبل صورة من السيّدة لينتري، فظلّ وجهها مجهولًا لديه، كما أنّها لم تعرف وجهه.
ولم تفهم ليليانا ما به، فقال لها:
“صدقتِ.”
“فحسن إذن…… سأدخل الآن!”
ولوّحت بيدها وهي تمسك بمقبض الباب، فدعاه قائلاً وقد غلبته الدوافع:
“آنسة ليليانا.”
والتفتت، فقال بخجل:
“إن ألمّ بكِ أمرٌ عسير أو نازلة، فأخبريني به في كلّ حين.”
فابتسمت قائلة:
“شكرًا لك.”
ثم لوّحت مرة أخرى ودخلت الدار.
مضى داميان في طريقه، ورفع عينيه نحو الهلال وتفكّر قائلًا:
“عامان…….”
وكان يثقل على قلبه أنّ ليليانا قد فقدت من ذاكرتها سنتين كاملتين.
‘فراغ في الذاكرة بعد العشرين…….’
وكانت السيّدة لينتري قد استقرّت في إيدنفالن وهي في العشرين، ومكثت فيها سنتين.
‘أترى هذا محض صدفة؟’
وظلّ داميان يُقلّب الفكرة حتى بلغ موقف الترام.
‘أيمكن أن يكون كلّ هذا مصادفة؟’
وظلّت الأفكار تتزاحم حتى أعيته.
—
دخلت ليليانا غرفتها، وألقت بثيابها وأشيائها فوق السرير كيفما اتّفق، وأسرعت إلى الهاتف في الصالون.
وبعد أن التقطت أنفاسها، رفعت السماعة وأدارت القرص. وبعد لحظات جاءها صوتٌ مألوفٌ مفرح:
“مرحبا؟ آه، يا خالة! اتّصلتُ لأحدّثك عمّا جرى اليوم.”
فأجابتها باسكا بنبرة قلقة:
―قلتِ إنّك ستجولين في العاصمة، أأتممتِ جولتكِ بسلام؟ أأصررتِ على الخروج وأنت مريضة؟ ليتني كنتُ معكِ…….
فقالت ليليانا:
“لا تقلقي، لا تقلقي! كنتُ بخير. رافقني داميان. ولم أُجهد نفسي. زرنا قصرًا واحدًا ثم أكلنا وانتهى اليوم.”
فقالت باسكا:
―أرجو أنّك لم تُثقلي على السيّد داميان ولم تُزعجيه؟
قالت ليليانا:
“ما هكذا أكون! ألستُ أعلم أنّه صديق؟ لا أعامله بجفاء. وهو أيضًا قال إنّه لا بأس!”
وضَحِكت وهي تلفّ سلك الهاتف بين أصابعها ثم قالت متردّدة على غير عادتها:
التعليقات لهذا الفصل " 38"