“فلنبحث عن أمر تُحسن فعله سوى الاقتتال ضَع سيرةً ذاتية، أو امضِ إلى الجامعة.”
“سأفكِّر في الأمر.”
كان داميان يفكّر في ميوله ومواهبه، ثم حوّل اهتمامه بطبيعته نحو ليليانا.
“على ذكر ذلك، فبأي عملٍ تنشغلين يا ليليانا؟”
“أنا؟ كنتُ طالبةً في الجامعة. غير أنّي، كما تراني، في إجازة مرضية بسبب السقم.”
“أفهِمتُ. فأيُّ جامعةٍ تلك إذن؟”
“جامعة نُوستار الحكومية. وأظنّني قد ذكرتُ لك ذلك من قبل، إذ إنني في الأصل من الشرق. هل سمعتَ بكيلتا؟ هناك كنتُ أقيم.”
وكانت نُوستار ولايةً تقع شرق إيستاريكا، ومن ضمنها
كيِلتا. ومع أنّها جامعةٌ في مدينة صغيرة، فإن جامعة نُوستار الحكومية كانت ذات سمعة طيبة. أمّا كيلتا فلم تكن ذات شأن يُذكَر، فلا يعرفها كثير من الناس.
“إذن فأنتِ في سنتك الرابعة الآن؟”
“آه… ذاك… نَعَم… أظنّ ذلك؟”
وأرخَت ليليانا كلامها على نحوٍ غامض، فأطال داميان النظر إليها متسائلاً. فأخذت تلوّح بيديها قائلة:
“بلى، نعم. الرابعة. الرابعة.”
أقرت ليليانا، غير أن في نبرتها ما يثير الريبة. فمال داميان برأسه ثم سألها:
“فأنتِ إذن كنتِ في الشرق طوال هذه المدة بحكم دراستك؟”
“ذاك كذلك.”
“أفلم تَسُحي في البلاد؟ أو لكِ أقارب في أماكن أخرى؟”
“لم أُكثِر السفر، وأما أهلي… فقصتي معقدة… ليس لي من الأقارب سوى خالة.”
ترددت ليليانا في جوابها، فقال داميان بنبرة عابرة:
“فهِمت. وأنا أيضاً لا أهل لي أعدّهم والدين، فأمري متشابك.”
فعندئذ رمشت ليليانا بعينيها الواسعتين ثم انفجرت ضاحكة.
“ما بالكِ؟”
“لا شيء. إنما إذا ذكرتُ قصتي، ظنّ الناس بي بلاءً حالكاً، فيأخذون حذرهم، ولا يحسنون القول. لكنك أول من أراه يذكر أنّه بلا والدين، بغير وجل، وكأنك وجدتَ في أمري شيئاً مشتركاً.”
“أظنني أدرك ما تعنين.”
هز داميان رأسه موافقاً.
“فإذن داميان كذلك بلا والدين؟ ما كان عجباً إن بدا كطائرة ورقٍ انقطع خيطها تهيم حيثما ساقتها الرياح.”
“نعم…”
“أماتوا إذن؟”
“ليس تماماً…”
تلكأ داميان في اختياره للكلمات، ثم أجاب على نحوٍ مبهم:
“الأمور جرت على هذا النحو.”
وكأن ليليانا قد قرأت في ملامحه شيئاً، فلم تُلحَّ عليه.
“أما أنا، فأمي رحلت في صباي، وأبي قُدّر له ذلك حديثاً. ومنذ ذاك وخالتي تعولني.”
“وأنا إذ لا أقارب لي، فقد نشأتُ في دار أيتام.”
“فهكذا إذن.”
وكما لم تتعاطف ليليانا بإفراط، لم يُبدِ داميان أيضاً في قصته سوى الإصغاء، لا الرثاء. وظلّت تحتسي قهوتها بهدوء. وفي تلك اللحظة، كان داميان غارقاً في خواطره:
‘إن كانت تدرس في جامعة نُوستار حتى الآن، فهذا لا يوافق قول السيدة لينترَي إنها منذ العشرين في إيدنفالن. ثم إن نُوستار وكيلتا شرق البلاد، أما إيدنفالن فغربها. فإن لم تكذب، فلا بد أن التنقل بين الشرق والغرب شاقٌّ عليها.’
ومال برأسه قليلاً وهو يواصل تفكيره:
‘لكن متى بالضبط كان موت أبيها؟ إن سألتها أأُثير حزنها؟’
ظل يرمق ليليانا وهي تمضغ الكعك بفتور.
‘أترى هي السيدة لينترَي… أم لا؟’
وإذ شعرت بنظراته، دفعت نحوه علبة الكعك.
“أترغب في الأكل؟”
“كلا. عجبتُ فحسب لشهيتك.”
وكانت حلاوة الكراميل ماكياتو مع الكعك تُذيب لسان داميان الذي لا يحب السكريات، بينما ليليانا كانت تستمتع بوجهٍ راضٍ. فأخذ يتأملها حتى خطر بباله أن يسأل:
ثم دفع نحوها علبة الكعك ثانية، فأخذت تأكل كالأرنب يلتقط الجزرة، وقالت:
“على ذكر ذلك، ألستَ مقيمًا في نيهيـرو منذ صغرك، إلا حين خرجتَ إلى الجبهة؟”
“نعم، في دار الأيتام والمدرسة هنا.”
“آه، فإذن أنت أعرف الناس بنيهِيرو؟”
وأشرق بصرها فجأة:
“أما أنا فلم أزرها إلا مرةً وجيزة في طفولتي. فجهلي بها عظيم. ومنذ شفائي أردت شيئاً…”
“وما هو؟”
“ليس إلا أن أطوف بنيهِيرو سائحة! أزور معالمها، وأتذوق طعام مطاعمها المشهورة! ولذلك… ولذلك…”
“تريدين أن أكون دليلك؟”
فأومأت برأسها مراراً.
“إن كنتَ مشغولاً فلن أُلزمك، لكن إن تيسّر لك وقت، فهلا صحبتني؟ وإن لم ترغب، فارفض.”
قالت ذلك في صوت خافتٍ متردد. أما داميان فأجاب بغير تردّد:
“ليكن.”
“حقاً؟ لا بأس عندك؟”
“نعم. ليس بالأمر العسير، ولا موجب للرفض.”
فأشرق وجهها طرباً:
“واها، هذا رائع! كنتُ أظنني سأمضي وحدي، وخفتُ أن أقع فريسة لأن نيهيـرو معقدة كثيراً!”
“الأمر ليس بتلك الصورة. لكن ألن ترافقكِ السيدة باسكا؟”
“آه… خالتي مشغولة بعملها في كِلتا، فلا تأتي إلا مرة في الأسبوع.”
وأطرقت عينيها بأسى. فأدرك داميان أن وحدتها في المشفى أثقلت عليها. فلم يكن لها في العاصمة أهل أو صديقات يزورنها. فلعلّ صحبتها له كانت سلوتها.
‘لا عجب أنها تبعتني بسهولة.’
وألقى عليها داميان نظرةً متفكرة.
“فمتى إذن يكون خروجك؟”
“يوم الجمعة القادم!”
“أسرع مما توقعت.”
“إن لم أُجهد نفسي، يمكنني متابعة العلاج خارجاً.”
“ذاك حسن.”
“أجل، أسرع مما ظننتُ. ولكني حزنتُ قليلاً لأني لن أراك بعد ذلك. لكن ما دمتَ ستصحبني زمناً، فذاك عزاء.”
“ومتى تعودين إلى كيلتا؟”
“ذاك لم أحدده بعد…”
وحكّت رأسها.
“سأقيم هنا مؤقتاً. ففي مستشفيات الشرق لم يقدروا على حالتي، لذا نقلوني إلى هنا. فإن عدتُ وكَرّت الأزمة، قد أهلك.”
وكان الشرق متأخراً في بنيته، لاسيما في الطب. فالعاصمة وحدها تكفل للمريض عناية كاملة. ومع ذلك قالت بامتعاض:
“خالتي تريدني أن أبقى في العاصمة حتى أُشفى، لكن أليس الأجدر بمريض القلب أن يعيش في سكينةٍ وهواءٍ طيب؟ أما هنا فالزحام والهواء الفاسد! ثم إن خالتي لا تلبث هنا طويلاً، فأظل وحدي. نعم، أنا راشدة وأقدر على العيش وحدي، لكني كنت أحب أن يكون ذاك في مكانٍ مألوف.”
“على كل حال، كلام السيدة باسكا له وجاهة. فمجاورة المريض لمشفى كبير ميزة عظيمة.”
“وأنت ترى ذلك أيضاً؟”
قطبت حاجبيها، فأجاب داميان ببرود:
“لا تقلقي. إني أرى أنك قادرة على العيش وحدك. فمن قُلبه توقّف ثلاث مرات ثم عاش، يقدر على الحياة أينما وُضع. ثم إنك لستِ وحدك تماماً، لكِ صديق واحد على الأقل.”
ورمشت بعينيها، فإذا به يشير إلى نفسه بإصبعه.
—
ايوا صديق يا نصاب من اللي قال ان الرجل العشريني ما ينشب لمرأه مش مهتم فيها؟
التعليقات لهذا الفصل " 31"