خرج داميان من المستشفى، فركب الترام عائداً إلى نُزُله، وكان وجهه ملبَّداً بشيءٍ من الكآبة طوال الطريق. وما إن بلغ مأواه حتى اندفع كالمجنون ينبش في حقيبته يقلبها قلباً. فما لبثت الغرفة، التي كانت مرتبة نظيفة في غيابه، أن امتلأت بالأمتعة المبعثرة كأنّ إعصاراً قد اجتاحها.
وبعد أن قلب ما شاء الله له أن يقلب، ولم يقف على ما يبتغيه، هَوَى بقبضته على الأرض.
“تَبّاً….”
هكذا تمتم، وقد انسابت من بين شفتيه لعنة خافتة.
“يا لي من أبلهٍ لا نظير له! كيف… كيف لا يكون منها شيء واحد باقٍ؟ لو كنتُ أعلم أنّ هذا سيقع…!”
ثم استخرج من جيب بنطاله الداخلي ورقة قديمة مثنية بعناية، وإن كان طرفها قد تمزق. جلس على طرف السرير، وبسطها أمام عينيه، وحدّق فيها حتى خُيّل أن نظره سينفذ خلالها.
“كأنها هي….”
ضاق بعينيه وهو يتأمل الخط المصطفّ على الورقة، خط ليليانا.
“خطّها يطابق خطّ السيّدة لينتري كأنهما واحد….”
زفر زفرةً طويلة، وأطرق برأسه حتى كاد أن يغور في صدره.
“يا للحمق! لقد أحرقتُ الرسائل كلها، فلا سبيل الآن إلى مقابلة الخطوط….”
فتّش متاعه كلَّه لعلّ شيئاً من رسائل لينتري بقي له، ولو ورقةً واحده، ولكنْ عبثاً. فقد كان في الماضي شديد الاحتياط، لا يُبقي أثراً لما يودّ التخلص منه، فكان أن جعل جميع رسائلها وقوداً للنار.
“تبّاً لك داميان سترين! مثل هذا الأحمق كان أولى به أن يموت يوم أصابته القنبلة.”
أخذ يجلد نفسه بالملامة. كلّما ألحّ في التفكير لم يجد جواباً لِمَ فعل ما فعل.
لو بقيت ورقة واحدة! بل لا حاجة لورقة كاملة، سطرٌ واحد بخط يد لينتري لكفى!
إنّ المرء مهما تبادل الرسائل، ما لم يتعمّد التدقيق في الخط فلن ينتبه إلى عادات الكاتب الدقيقة أو طرائق يده. بل إنّ حفظ هيئة الخطوص بدقة أمر عسير إن لم يوجّه المرء ذهنه إليه من قبل.
أجال داميان في ذاكرته لعله يستعيد صورة الخط، فلم يذكر غير أنّه كان مستديراً بعض الاستدارة، بلا علامة أخرى تُعينه.
“لعلها مجرّد أوهام… مجرد أوهام.”
قال ذلك في نفسه وهو يطرح جسده على الفراش. ألعلّ التشابه محض مصادفة؟ أو لعلّه هو قد غرق في وساوسه حتى صارت كل الأشياء تلوح له مرتبطة بالسيّدة لينتري.
ثم إنّ المعلومات التي ذكرتها ليليانا عن نفسها لا تطابق تماماً ما يُعرف عن لينتري. فإذا جزم أنّها هي، فثمّ ثغرات لا يُسدّها المنطق. ومع ذلك فقد عقد حاجبيه وأطرق:
“مع هذا… أليس في الأمر تطابقٌ شديد؟”
بدأ الأمر بطيب عطرها، ثم العمر، ثم العبارات التي تنطق بها، وها هو الخط كذلك…
‘وفوق هذا كونها نازلةً بالمستشفى…’
أهذه الخمسة كلها تجتمع اتّفاقاً؟!
تضاربت في رأسه فكرتان: إحداهما تقول إنّ في الدنيا مصادفات، والأخرى تصيح: خمسة قرائن لا تكون إلا أمراً مريباً.
مدّ يده يحكّ شعره بعنف لعلّه يطرد تلك الخواطر. فما جدوى كل هذا التفكّر وحده؟ لن يبلغ نتيجةً قط.
فلابد إذن من تقصّي الأمر مباشرة.
—
“نعتذر إليك.”
“أمّا التوظيف… فلا أمل.”
“يُؤسفنا أنّ الأمر عسير.”
“لقد فكّرنا، فلم نجد سبيلاً إلى ذلك.”
مرة أخرى عاد داميان من مقابلة العمل مكسور الخاطر، وقد اعتاد وقع الرفض المتكرر حتى صار مألوفاً، غير أنّ الألفة لا تمحو ألم الطعنة.
إنه في حاجة إلى كسب المال ليشتري ذراعاً صناعية، ولكنه في الوقت نفسه لا يستطيع الكسب إلا إذا كان ذا ذراع! يا لسخافة هذا العالم!
تمتم بالسباب بين شفتيه وهو يخطو نحو مكتب العقارات. فالنزل الذي يقيم فيه مؤقتاً باهظ الثمن، ولن يعيش عمره كلّه في فندق. آن له أن يلتمس بيتاً مستقراً.
لكن العقبة أنّه لم يحظَ بعدُ بعمل، فلا يدري في أيّ حيّ يُقيم. على أنّه رتّب موعداً مع وسيط عقاري علّه ينظر في الأمر.
تناول القائمة التي أعدّها له الوسيط، فرجف فمه.
“لقد انتقينا لك أنفَس ما لدينا من عروض. على بُعد نصف ساعة بالترام من قلب المدينة، والبيوت ذات الحال الحسن شحيحة جدّاً. ومع ذلك فلدينا من هذا ما لا تكاد تجده في غيرنا.”
“لكن… أهذا الثمن صحيح؟”
تطلّع داميان بعينٍ واجفة إلى الأرقام المكتوبة. كيف تضاعفت الأسعار في عامين فقط؟
“بلى! بل هي رخيصة إن قيست بغيرها. ثم إنّ حالتها لا يعلى عليها.”
رخيصة؟ رخيصة؟!
نشأ داميان في الميتم، ثم في مدارس داخلية، قبل أن يلتحق بالجيش، غير أنّه لم يكن من الغفلة بحيث يجهل أثمان البيوت.
وقد تفقّد السوق في نيهيرو من قبل إذ كان ينوي الاستقلال. فما يُعرض عليه الآن يفوق ما يعرفه بأضعاف.
نعم، البيوت القريبة من مركز المدينة أغلى بطبيعة الحال، لكن ما سمعه اليوم تجاوز كل قياس.
“هلمّ بنا نرى البيوت بأعيننا، فذلك أيسر.”
وما إن قام الوسيط حتى أشار داميان باضطراب:
“لا… تمهّل! الأحرى أن أجد عملاً أولاً، ثم أنظر في أمر السكن.”
“أه… هكذا إذاً؟”
“نعم. فلا أدري بعد أين أستقر، ثم إنّ النفقة لا أطيقها إلا بقدر ما يأتيني من رزق. فإذا وضحت خطتي….”
قال ذلك وهو يتكلف ابتسامة باهتة. فما كان من الوسيط، وقد بدا الضيق على وجهه، إلا أن أومأ وأمسك عن الإلحاح.
ترك داميان المكان وهو يضرب كفاً بكف على ظلم هذا العالم.
—
“ما بالُك يا داميان؟ كلما لقيتُك رأيت على وجهك غشاوة الحزن. فما قصتك اليوم؟ اليد الصناعية؟ أم الوظيفة؟”
قالت ليليانا وهي تجلس قبالته، ثم تنحني قليلاً حتى تستوي عيناها بعينيه. كانت كل مرة تراه يزور المستشفى يحمل معه هماً جديداً، فتتساءل: أيّ بليّة اليوم؟
زاد وجهه قتامة إذ انسدل شَعره البني القاتم على عينيه.
“إنها أسعار البيوت.”
“آه….”
تنهدت ليليانا تنهيدة قصيرة.
“حقاً، يُقال إنّ نيهيرو بيوتها غالية الثمن. أما أنا فما عشت إلا في الشرق، فلا أعلم من أمرها الكثير.”
“ليست غالية فحسب، بل لقد تضاعفت عمّا كنتُ أذكره.”
“ماذا؟ تضاعفت؟!”
دهشت ليليانا وأطرقت تفكر لحظة، ثم قالت:
“لكن، أليس لك أن تسكن في غير نيهيرو؟ الشرق، مثلاً، وإن كان ريفاً فهو صالح للعيش. فما قولك أن تنتقل إلى هناك؟”
“النقل في ذاته لا أُمانعه، ولكن الأقاليم فرصها أقل من المدن. وهل يقبلون بي في عمل؟”
“بل يقبلون! وإن كانت الفرص قليلة، فالسكان أقل منها عدداً، فلا بد أن الشواغر موجودة.”
“لكن، كما تعلمين، إنني أفتقد ذراعاً، فلا أستطيع غير الأعمال المكتبية. وقد ظللت أقدّم الطلبات فيها، غير أنّ أكثرها لا يرضى إلا بخريج جامعي….”
التعليقات لهذا الفصل " 29"