ومع أنّ في محيّاها نفَسًا غليظًا يبعث على التوجّس، غير أنّها ابتدأت بالتحيّة، فبادلها داميان القول بلسانٍ مؤدّب:
“آه، نعم. سُررتُ بلقائكم، يا سيـ….”
وإذ به ينتبه بعد لحظة أنّ باسكا لم تذكر كُنيتها، فوقع في ارتباك: بأيّ اسمٍ يُناديها؟ فلما رأت حيرته هزّت كتفيها وقالت:
“دعك من اللقب، يكفي أن تقول: باسكا.”
“حسنًا، سيدة باسكا. أنا داميان ستيرن. سعدتُ بلقائكم.”
قالت باسكا باسمة:
“يا للعجب، وأنا أيضًا سررتُ. ولكن، ما شأنك أنت بفتاتنا ليلي؟”
صرخت ليلي:
“خالتي! إيّاكِ أن تقولي شيئًا غير لائق لداميان! إنه صديقي فحسب!”
توسّطت بينهما باضطراب، إلا أنّ باسكا لم تُلقِ لها بالًا وقالت:
“آها، صديق… ومتى بدأتم التعارف؟”
“لعلّه منذ عشرة أيامٍ أو يزيد قليلًا.”
“وهل جرى بينكما في تلك المدّة أمرٌ يُذكر؟ أكان من ليلي خطأٌ أو تجاوز؟ أم العكس ربما؟”
كان كلامها ليّنًا، لكن في ثناياه حدّةٌ واضحة. ومن خلف ابتسامتها الطريفة كان يتسرّب شعورٌ يقول: ‘ومن تكون أنت حتى تتودّد إلى ابنة أختي؟’
فأحسّت ليلي بذلك، ولوّحت بيديها:
“لا يا خالتي! ما هذه التُرّهات؟ داميان ليس من هذا النوع أصلًا!”
واحمرّ وجهها حتى صار كالجمر، وكادت تبكي من شدّة الحرج.
أما داميان فكان يعي أنّ الاعتراض أو إظهار الغضب لن يزيد الأمر إلا سوءًا، إذ باسكا تراقبه بريبة. لذلك تكلّم بأكبر قدرٍ من السكينة:
“ليس الأمر كما تتخيّلين. بل إنّني كنتُ ممتنًّا لآنسة ليلي، إذ أحسنت إليّ.”
نظرت باسكا إليه نظرةً فاحصة من أعلى إلى أسفل ثم قالت:
“فما مهنتك إذن؟”
“كنتُ في الجيش…”
وكاد يصرّح باسمه ورتبته كما اعتاد، ثم تذكّر فجأة أنّه قد سُرّح. فصمت هنيهةً ثم قال:
“كنتُ جنديًّا، أمّا الآن فقد تسرّحتُ، وأنا عاطل أبحث عن عمل.”
“جنديّ؟”
انزلقت عيناها إلى ذراعه اليمنى لحظةً ثم عادت. وبدا أنّها قد أدركت شيئًا من حاله من غير أن يسهب في البيان. أكان في ذلك تعاطف أم شفقة؟ لا يدري، لكنّه لاحظ أنّ شدّة الريبة في وجهها قد خفّت قليلًا، فسارع إلى الإيضاح:
“لقد التقيتُ الآنسة ليلي في المستشفى على سبيل المصادفة، فشرّفتني بأن صارت أنيسةً لي في الحديث، فكان لها عليّ فضلٌ كبير.”
والحقّ أنّها لم تُعاونه إلا في تمارين الخطّ، غير أنّه بالغ قليلًا في الوصف لحاجته إلى ذلك.
فقالت ليلي مندفعةً:
“أجل! لقد أعنتُه في أشياء شتّى! ولهذا فإن داميان شكرني بأن ابتاع لي شرابًا، بل صحبني أيضًا في الطريق!”
وكانت تعلم أنّ أمر المرافقة قد رفضته ابتداءً، لكنها اتفقت معه على وجوب المبالغة قليلًا لإقناع باسكا.
واجتهد الاثنان في إثبات أنّ داميان ليس رجلاً سيئًا.
“انظري! هو وسيم الطلعة، طيب السجيّة، فكيف تظنّينه غريب الأطوار؟”
فتحيّر داميان في نفسه: ‘وما شأن الوسامة الآن؟’
صحيح أنّه اعتاد ثناء الناس على ملامحه، غير أنّ وقع كلام ليلي كان غريبًا عليه.
أمام دفاع ابنة أختها المستميت، لانت باسكا أخيرًا وقالت:
“أعذراني، لقد كنتُ فظة. إنما هي غلظة منّي بسبب شدّة حناني على ليلي، لا سيّما أنّ صحتها واهنة هذه الأيام، فصرتُ أفرط في الحذر…”
فقاطعتها ليلي:
“خالتي، إن كنتِ تعلمين أنّك تبالغين، فهلاّ كففتِ عن ذلك؟”
فأجابتها بحزم:
“اصمتي. الأمران مختلفان.”
قال داميان بهدوء وهو يومئ برأسه:
“أنا أيضًا أشاركك القلق على صحة الآنسة ليليانا، وأعدك أنّي أراعي حالتها في كل لقاء.”
فابتسمت باسكا وقالت ممعنةً في النظر إليه:
“وهذا يعني أنّك تعزم على لقاءاتها مستقبلًا؟”
فانكمش داميان في نفسه، إذ كانت كلماتها دائمًا مزدوجة المعنى، وإن لبست ثوب اللطف. وشعر أنّ الموقف بدأ يثقل صدره.
فقال متردّدًا:
“إن لم أكن مرضيًّا لك، فيمكنني أن أبتعد…”
فقاطعته ليلي بحدة:
“ماذا تقول يا داميان؟! أهذه هي قيمة صداقتنا عندك؟!”
والحقّ أنّها لم تتجاوز عشرة أيام، فكيف تُسمّى صداقة راسخة؟ ومع ذلك لم يجد داميان بدًّا من المراوغة وهو يحرّك عينيه حائرًا.
“ثمّ إنّي فتاة بالغة، أأحتاج بعد اليوم إلى إذنٍ من خالتي كي أختار من أصاحب؟ وهل جئتُكِ بخطيبٍ أقدّمه للزواج؟ إنما هو صديق، لا أكثر! أليس كذلك يا داميان؟”
“بلى… كذلك.”
حدّقت باسكا فيه طويلًا ثم أومأت برأسها:
“لم أقصد أن أسيء إليك. وكما قلتُ، إن كانت لقاءاتكما لا تؤذي صحّة ليلي، فلستُ أمنعها. فهي لم تعد صغيرة بحيث أراقب كل صغيرة وكبيرة…”
ثمّ التفتت إلى ابنة أختها وقالت بنبرةٍ غامضة:
“مع أنّني لا أودّ التدخّل حقًّا…”
فتنهّدت ليلي بيأس وقالت:
“آهٍ يا خالتي، إن همّك كلّه محض هوس.”
فأضافت باسكا:
“على أيّ حال، أنا سعيدة لأن ليلي وجدت لها صديقًا. فإنّي لستُ دائمًا متفرّغة للبقاء معها في المستشفى، وكنتُ أقلق عليها حين تكون وحدها.”
فاحتجّت ليلي:
“أترينني طفلة؟! أقدر على البقاء وحدي. ألا تكفّين عن معاملتي كصبيّة صغيرة؟”
وكان حياؤها شديدًا إذ يجري ذلك أمام داميان الذي لم يَصغرها إلا بعام.
“ثم لا تثقلي كاهل داميان. هو ليس وصيّي ولا مربّيي، إنما هو صديقي لا غير! وهل سمعتِ بأحدٍ يتّخذ صديقه مربّيًا؟ قل لها يا داميان!”
فقال داميان متمالكًا:
“أطمئنكِ أنّي لن أكون سبب قلق.”
ولو كان بول حاضرًا لضحك ساخرًا، إذ يعرف داميان أكثر من غيره. لكنّ من يراه لأول وهلة يظنّه شابًا جادًّا، بلغ الرشد قبل أوانه.
قالت ليلي:
“لا تقلقينا بمثل هذا الحديث.”
لكن باسكا أعادت بوجهها الوادع ويديها ممدودة نحو داميان:
التعليقات لهذا الفصل " 28"