كان من العسير عليه أن يكتب بيده اليسرى، وزاد الأمر مشقّةً أن تركيزه يتبدّد منه على غير إرادة، فلا يستطيع أن يسطّر شيئاً على وجهٍ صحيح. فقبضَ داميان جبينه بغير وعي، وألقى بالقلم من يده.
“ما بالك؟ أتؤلمك يدك؟”
فعَضّ داميان على يده اليسرى وقبضها ثم بسطها وقال:
“يبدو أنني أصبت بشد عضلي.”
قالت ليليانا بوجهٍ يملؤه القلق:
“حقّاً؟ ولم لم تُخبرني؟ لعلّك بالغت منذ البدء.”
وما لبثت أن أمسكت بكفّه اليسرى على حين غرّة، وقبل أن يُبدي داميان أي ردّ فعل، إذا بها تعصر يده عصراً كمن يقرصها، حتى صاح متألّماً من شدّة الوجع.
“آي، آي، آي!”
“اصبر على الألم، فإنّ الضغط على مواضع العصب أجدى ما يكون في إرخاء عضلات اليد.”
فقال يئنّ:
“تؤلمني! بالله عليك قولي لي، ماذا تأكلين حتى يصير في قبضتك مثل هذه القوّة؟!”
فقالت ساخرة:
“لقد ذقتَ وابل القنابل، أفلا تحتمل هذا؟”
ومع شدّة الألم تلاشت من رأسه كلّ خواطره عن الخطوط وعلاقتها بِلينترِي، وراح يحدّث نفسه: ‘ما أعجب أنّ هذه اليد الصغيرة، ككفّ الأرنب، تُخرج مثل هذه القوّة المهولة!’
بيد أنّ ما قالته كان صدقاً، إذ أخذت يدُه ترتخي شيئاً فشيئاً حتى شعر بليونة العضلات، بينما هو قد طأطأ رأسه فوق الطاولة وعضّ على شفته ليكتم صراخه.
فلما انتهت قالت:
“لعلّه كفى الآن؟”
ثم تركت كفّه بعد أن صار محمرّاً كالجمر من شدّة الضغط، فاختطفه داميان سريعاً، وجذب يده إليه، وهي تضحك بهدوء وهي تجمع أدوات الكتابة.
“أحسب أنّ الأجدر أن نكفّ اليوم عن الدرس ونستريح. لعلّي أرهقتك أكثر مما ينبغي.”
“لا بأس. فإنّ التدرّب لا بد أن يُداوَم عليه…….”
ثم لما همّت أن تأخذ الأوراق التي كتبها، خطفها منها بلطف وقال:
“دعيني آخذها أنا. ذاك أنّ عليّ أن أتمرّن في البيت أيضاً.”
“أهكذا؟ فليكن إذن.”
ثم طوى الأوراق بيد واحدة وأدخلها جيب سرواله، وقال معتذراً:
“آسف، إذ أراكِ خصّصتِ وقتاً لي اليوم، ومع ذلك ما أحسست أنّي قد أحسنت التركيز.”
“لا عليك. فإنّ التعب قد يثقل أيّ امرئ.”
ثم ناولته معطفه الذي كان قد ألقاه عليها من قبل، فأوقفها بيده قائلاً:
“دعيه عليكِ إلى أن أوصلك. فالجوّ بارد في الخارج.”
ومدّ ذراعه ليصطحبها، غير أنّها ألقَت نظرةً صامتة إلى ذراعه الممدودة ثم تجاهلته وتقدّمت بخطواتها. فخفض ذراعه في حرج، وأسرع يلحقها بخطىٍ واسعة حتى صار إلى جانبها.
فقالت وهي تسير بجواره:
“اسمع يا داميان، كان يجول في خاطري سؤال منذ زمن، أيسعني أن أسألك إيّاه؟”
قال:
“سلِي.”
قالت:
“هل أنتَ من النبلاء؟”
فتباطأت خطاه لحظة، ثم سرعان ما استقام على خطوها وقال:
“لستُ من النبلاء.”
قالت متأمّلة:
“لستَ من النبلاء، ها…….”
قال:
“ولِمَ خطر لك هذا الظنّ؟”
قالت:
“لأنّك وإن لم تلج الجامعة، إلا أنّك تلوح وكأنّك قد تلقيتَ علماً رفيعاً، ثم إنّ فيك سمتاً من آداب القوم، فساءلتُ نفسي.”
قال متثاقلاً:
“حقّاً أنّي في الأكاديمية قد أحرزتُ نتائج طيّبة، لكني ما حفظتُ من الآداب ما يخالط الطبع ويغدو سجية. إنّما تعلّمتُ منه قدر ما أستعمله في المواضع التي تحتاج، ولا أحرص على التزامه مع كلّ أحد.”
“أهكذا؟”
ثم التفتت بجسدها قليلًا ورفعت نظرها إلى وجهه، وكان رأسه يعلو رأسها برأسٍ كامل، فهبطت عيناه تلقاءها.
“فمتى إذن تُلزم نفسك بالآداب؟”
فتذكّر داميان كلام صاحبه تيانت في قبره، وقال:
“ربما دون شعورٍ ألتزمها مع النساء والضعفاء. ولم أكن أعلم ذلك حتى نَبّهني بعضهم.”
“فما شأن بقيّة الناس؟”
“فليكن ما يكون، لا أبالي.”
فانفجرت ضاحكة وقالت:
“إنّك طيّب يا داميان. وأنا أحبّ ذوي المروءة مثلك.”
قال متردّداً:
“أه……كذا؟”
وهو لا يدري ما الذي رأت فيه من الطيبة. ولم يطل به الفكر حتى قالت:
“إذاً، إن لم تكن نبيلاً، فما أنت؟ فقد ظننّتُك من أبناء الأغنياء، حتى سمعت اليوم أنّك بلا مال. سوى أنّك جنديّ متقاعد، فما كنتَ قبل ذلك؟”
فأعرض بوجهه وقال:
“لا أدري بأيّ لفظ أصفه…… فليس ممّا يُسرّ أن يُذاع بين الناس.”
قال هذا بلهجة متعمدة للبرود، فابتعدت عنه قليلاً وسارت وهي تنظر أمامها وقالت:
“عذراً.”
“أيّ عذر؟”
“أحسب أني سألتُ ما لا ينبغي.”
“لا، ليس إلى هذا الحدّ…… لكنّي خشيت أن يطول الحديث، ووقتُنا قصير.”
قالت باسمة:
“صدقت. فخيرٌ أن نؤخّر ما يطول من حديث إلى وقتٍ أفسح.”
ثم قالت:
“وليس عدلاً أن تبوح لي أنت وحدك، فإذا سنح الوقت قصصتُ عليك بعض شأني أيضاً. فما زلنا نجهل الكثير عن بعضنا.”
“ذاك حقّ.”
وابتسم في لطف، ولمحَت هي ابتسامته وهمّت أن تقول شيئاً، غير أنّه كان يعدّ غرف العلاج فلم يرَها.
“آه، هذه هي الغرفة، ادخلي إذن.”
ورمقها وهو يشير، فرأى على محيّاها شيئاً من الضيق، فقالت محتجّة:
“أرأيت؟ إنّك تفعل هذا قصداً!”
“هاه؟ أيّ شيء؟”
“أنت! أتتعمّد أن……!”
غير أنّ قولها انقطع إذ انفتحت فجأةً باب الغرفة، وخرجت منها امرأة تصيح:
“ليلي! أين كنتِ حتى الآن؟!”
كانت امرأةً بادية الغضب، في أوائل الأربعين من عمرها، حسناء الطلعة، فارعة الطول أكثر حتى من نيكول التي يعرفها داميان، ذات شعرٍ أحمر ونظّارة مستديرة.
قالت بعصبية:
“لقد فرغ علاجك منذ حين، ولم تعودي، فكم أقلقتني! ثم هذا من؟”
صرخت بليليانا، ثم التفتت إلى داميان بعينٍ لا تخلو من ريبة، وجذبت ابنة أختها خلفها، ووقفت أمامه متحفّزة.
فقالت ليليانا مسرعة تهدّئها:
“مهلاً يا خالتي، لا تخشي شيئاً. هذا اسمه داميان…… صديقٌ تعرّفتُ إليه قريباً، وهو ليس برجلٍ خطر.”
فقالت الخالة بحدّة أشدّ:
“وكيف تثقين به هكذا؟! لا يجوز أن تركني إلى رجلٍ غريب لم يُعرَف نسبُه ولا حاله! وأنتِ أدرى بذلك!”
قالت ليليانا ممتعضة:
“لكن هذا إهانة له إذ يسمعك!”
فازدادت الخالة توتراً وقالت:
“ثم أنتِ لم تتركي سوى ورقة تقولين فيها ‘خرجتُ قليلاً.’ فكيف لا أقلق؟!”
“لكني بالغة، ولا ينبغي أن أُطلعك على كلّ صغيرة وكبيرة!”
“بالغة أو لا، فأنتِ مريضةٌ يلزمها من يرعاها!”
“لكني لستُ مريضةً على شفير الموت!”
“وقلبك سقيم! فإن لم يكن هذا من حال الخطر فماذا يكون؟!”
وكان داميان بينهما حائراً لا يدري ما يصنع، وقد بان له من المخاطبة أنّها خالتها حقّاً.
“إنّي في الغرفة أختنق من الملل!”
“لهذا أجلب لك الكتب والصحف على الدوام!”
“لكن قراءة الكتب مراراً لا تنفي السأم! أتدرين كم هو موحش أن تظلّ طريح الفراش؟!”
التعليقات لهذا الفصل " 27"