رأى أنّه خيرٌ له أن يعيش مدةً بذراعٍ واحدة، حتى إذا اجتمع لديه من المال ما يكفي اشترى يد آشر الاصطناعية، أو أيّ نوعٍ آخر أجود منها. غير أنّ المعضلة كانت…
“همم؟ يا هذا، أأنت بذراع واحدة؟ إذن فالأمر عسير في العمل.”
“أليس في ذلك عجز عن أداء الواجبات؟”
“المعذرة، لا نستطيع توظيفك.”
“إذا كان أيمنك قد بُتر وأنت أيمن، فكيف تعمل؟ سيشقّ عليك الأمر.”
“وستُكلَّف بأعمال تحتاج إلى قوة، فلا يصلح هذا، لا يصلح.”
فما إن عاد من جلسة العلاج حتى انكبّ يفتّش بجنون في الإعلانات عن عمل، لا يفرّق بين مهنةٍ وأخرى، فيرسل سيرته حيث يرى أجرةً أفضل. لكن داميان رُدّ مرارًا، وسقط في مقابلات التوظيف كلها. فما وجد مكانًا يقبل أن يضمّ إلى خدمه رجلاً بيدٍ واحدة.
‘لا بأس، ما مضى غير يومين اثنين فحسب. إن أكثرت من إرسال سيرتي فلا بد أن أُصيب واحدًا منها ولو صدفة.’
أما ليليانا، فلمّا رأت داميان على حاله ذلك – وجهٌ كاسف، ورأسه مطأطأ كما كان قبل يومين – رفعت حاجبها استغرابًا وقالت:
“إذن ما الأمر هذه المرة؟ أهو ما زال شأن اليد الصناعية؟”
رمقها داميان بعينٍ يملؤها الكآبة وقال:
“إني أذوق مرارة الواقع الجائر، فاستبدّ بي القنوط.”
“وما ذاك الواقع الجائر؟”
“لأشتري يدًا صناعية لا بدّ أن أجمع مالًا.”
“ثم؟”
“لكنني بلا يدٍ صناعية فلا أستطيع أن أجمع مالًا.”
وأخذ داميان يتنهّد تنهّدات متتابعة لم تجرِ بعادته، ثم قصّ عليها ما جرى له.
“حقًّا، إنها معضلة.”
قطّبت ليليانا جبينها، وقد بدا عليها الجدّ. فما كان عنده مال يكفي لشراء يد، ولو قَبِل ذلك مؤقتًا، فإن بقاءه بلا عمل يعني أن معاشه نفسه في خطر قبل اليد الصناعية.
“ألا توجد مهنٌ يمكن أداؤها بذراعٍ واحدة؟ كأعمال الأوراق مثلًا…؟”
لكن داميان زفر زفرةً أخرى وقال:
“أستطيع ذلك نظريًا، غير أنني أيمن، والكتابة باليسرى لم أعتدها بعد. إنني أتمرّن في العلاج على استعمالها للكتابة وغيرها، لكن لم يمضِ زمنٌ كافٍ، فالحق أني لا أكاد أفلح في شيء بها.”
وكان صوته يزداد حزنًا كلما مضى في الكلام.
“إلى أن أعتاد يدي اليسرى يمكنني أن أعتمد على مدّخراتي، لكنني لا أدري كم سيستغرق الأمر.”
جلست ليليانا تهزّ ساقها وهي تفكّر، ثم رفعت رأسها بملامح عزم وقالت:
“أما عندك معرفة تنفعك؟ أو أحدٌ تقترض منه؟ أو صلةٌ تدخلك عملًا من علٍ؟”
فكر داميان على الفور بـبول، لكنه أسرع يهزّ رأسه نفيًا:
“لا، لا أريد التورّط معه.”
“ولِمَ؟”
“لقد عاهدت نفسي أن لا أتشابك معه بعد الآن.”
“همم…”
واسترخت ليليانا على الكرسي متشابكة الذراعين.
“يبدو أنّ في حياتك من التعقيدات ما يكفي.”
“أجل….”
أجابها داميان بصوتٍ مستسلم، وهو يسترجع عمره القصير. في الأكاديمية كان غريبًا بين أقرانه بلا صديق، وفي الجيش كانت رتبته متوسطة فلا هو من الضباط الكبار ولا من الجنود، فلم يقرّب إليه أحدًا غير بول. وأما أن يبثّ حاله إلى جنوده وهو قائدهم فذلك مما لا يُحتمل.
“إن ضاق صدرك فبُح لي بما عندك.”
“لا حاجة. سيُدبّر الأمر. أولى لي أن أسرع في التدريب على الكتابة باليسرى.”
“ألا أُعينك أنا؟”
لكن داميان لوّح بيده نافيًا:
“ها؟ لا، لا داعي. أستطيع وحدي. لا أريد أن أكلّفك عناءً.”
قالت باسمة:
“بل أنا التي سأكون شاكرة لك، فأنا غريبة في هذا المكان، لا أعرف أحدًا، ولا صديقة لي. والوقت في المستشفى بطيء مملّ، فما أبهجني لو وجدت شيئًا أشغل به نفسي. بل إني أفرح بالحديث معك كلما التقينا!”
فخجل داميان وحك رأسه، بينما نهضت ليليانا قائلة:
“إذن، بعد العلاج نلتقي في المقهى الذي اجتمعنا فيه أول مرة، اتفقنا؟”
أومأ داميان من غير وعي، فابتسمت راضية. وحين نادى عليها الطبيب لتدخل قاعة العلاج التفتت إليه مرةً أخرى محذّرة:
“تذكّر! سأنتظرك، فلا تهرب، ها؟”
“علمت.”
ضحك داميان بخفوت وهو يشيّعها بعينيه. غير أنّ ليليانا عادت فجأة، تنظر إليه بعينين ضيقتين، وقالت كلمة واحدة:
“مخادع.”
“……؟”
مال داميان برأسه عجبًا، فإذا بها تتمتم وهي تمضي:
“لا أدري أهو ثعلب أم دبّ.”
فلم يفهم قصدها. بدا أنها غير راضية عن أمرٍ ما، ولكن ما هو؟ لو بيّنته له لعرف كيف يتصرّف، أما أن تتركه هكذا حائرًا… فذاك أشدّ عليه.
—
فرغ من جلسة التأهيل، ومضى إلى ذلك المقهى، فإذا بـليليانا تسبقه وقد جلست هناك. وكانت ما تزال بثوب المستشفى الأبيض، بلا رداء.
“هكذا خرجتِ؟”
تنهد داميان خفيةً، وألقى معطفه على كتفيها.
“آه، لقد شغلتني الأوراق والقلم فنسيت.”
“وهل طلبتِ شيئًا تشربين؟ إن لم تطلبي فأنا أذهب.”
“لا بأس. لقد طلبت لك أيضًا.”
“لي أنا؟”
“شاي أعشاب يزيد التركيز.”
لم يكن له خيار. فهي التي خصّصت وقتها لأجله، فما عليه إلا الطاعة.
جلس قبالتها، فإذا بها تنتقل إلى جانبه الأيمن وتعطيه القلم.
“هيا، جرّب أن تمسك القلم.”
قبض عليه داميان كما لو أنه معتاد عليه، لكن ما إن خطّ على الورقة حتى انفجرت ليليانا ضاحكة.
كان خطّه لا يشبه إلا زحف دودة، بل ذلك ظلمٌ للديدان.
تأوّه دتميان، فربّتت على ظهره قائلة:
“لا عليك! هذا لضعف اليد بعد. إن واصلت التدريب فسرعان ما يتحسّن خطّك.”
ثم خطّت له حروف الأبجدية واحدة واحدة، ودفعَتْ الورقة نحوه:
“ألا ترى أن تتدرّب على تتبّع هذه الحروف؟”
نظر داميان إلى الحروف التي كتبتها، وحدّق فيها طويلًا حتى غاب عن الدنيا.
“هيه… داميان؟”
“…….”
“داميان؟”
لمّا لم يجب، لمستْه برفق، فانتفض فجأة كالمستيقظ من غيبوبة.
“ن… نعم؟!”
“ما بك؟”
مسح عينيه وقال:
“لا، لا شيء. شرد ذهني قليلًا.”
“بأيّ خاطرٍ غريبٍ كنتَ شاردًا؟”
“المعذرة.”
“لا داعي للاعتذار…”
“حقًّا، لا شيء. أين كنّا؟”
“قلتُ لك أن تتبع خطّي في الكتابة.”
“أجل، أجل.”
راح يقلّد حروفها، غير أن عينه لم تزل معلّقة بخطّها.
‘خطّها مطابق.’
فكّر وهو يقرأ ما خطّت:
‘هو نفسه خطّ الرسائل.’
إن هذه الحروف المستديرة اللطيفة…
‘إنه خطّ السيّدة لينتري.’
صررر…
انحرفت سنّ القلم فمزّقت الورقة.
—
اطالب بمشهد هذيان داميان وخو مريض باسم لينتري وليليانا تغار!
ادري المفروض اسفل فيه لنص سنه قدام عشان جلطني بقصة الرسائل ذي بس مشهد احلامه اشفى غليلي بصراحه خلوه يلقم. عقبال اكليد ليت ايفي تعطيه فرصه لتأنيب الضمير!
التعليقات لهذا الفصل " 26"