كلّما أعمل داميان فكره في ذلك الشقيّ ازداد فضوله. أيُّ رجل عظيم الشأن ذاك حتى أخفته ليليانا عنه، بل وعن كيسي أيضًا، وأصرّت على أن يبقى سرّه طيّ الكتمان؟
وقد خطرت بباله فكرة أن يكلّف صاحب المعلومات بالتحرّي عنه، غير أنّه صرف النظر، إذ خشي أن ينتهي به الأمر إلى أن يُوخَزَ خلاياه العاطفية الهشّة فلا يلبث أن يضعف.
“لا حيلة إذن. فليس هذا الآن ما هو أولى بالاهتمام.”
قالت ليليانا: “فما شأنك بسيديل؟ ما الذي تنوي فعله؟”
تردّد داميان لحظة ثم قال:
“إن كان ذاك هو المقرّ حقًّا أم لا، فلن يُعرَف إلا إذا ذهبنا. غير أنّ ما يثير العجب أنّهم إن كانوا يملكون سحرًا يتلاعب بالفضاء، فلمَ يجعلون له مخرجًا في نيهيرو، بدل أن يخفوه في مكان مقفر يضمن لهم الأمن؟”
“فما العمل إذن؟ نغضّ الطرف؟”
“حاشا.”
حكّ داميان مؤخرة رأسه وقال:
“سنهاجم خلال أيّام.”
فسأله كيسي وهو يطأطئ رأسه متسائلًا:
“غير أنّه إن لم يكن المقرّ، أفينفع الهجوم؟”
“بل له معنى. فإن لم يكن هو المقرّ، فهو مأوى صالح لتدبير مكرهم، وإزاحته من أيديهم ضربٌ من المكسب. أوَليس ما فُضح اليوم من أوكارهم سيُحرمون منه؟ فلا شكّ أنّ في ذلك خسارة عليهم.”
قالت ليليانا: “لكنّ المدخل مسدود بسحر.”
فأجاب داميان:
“أما ذاك الباب، فلعلّ في يد السيّدة سولَيير حيلة، فهي ساحرة عظمى، ولا ريب أنّ بيدها من الفنون ما يفوق سيديل. فربما عرفت سحرًا يبطل سحره.”
هزّ كيسي رأسه مؤيّدًا:
“إذن فلنسرع إليها. إن كنا سنهاجم قريبًا، فلِمَ لا نذهب اليوم؟”
قال داميان وهو ينظر إلى ساعته: “لكنّي اتفقت مع ليليانا على التسوّق…”
فأشارت ليليانا بيدها: “آه، ذاك مؤجَّل. لا بأس أن تؤجّله وتذهب اليوم لقضاء شأنك مع سولَيير.”
لكن داميان لم يلقِ بالًا إلى قولها، بل التفت إلى كيسي:
“أنا لن أذهب، فلتخرج أنت مع ليليانا للتسوّق. أما أنا فسأقصد السيّدة سولَيير.”
لكنّ داميان كان يضمر في نفسه أنّه إنما أراد أن يخرج معها وحدها، فإذا انضمّ كيسي فما الفائدة؟ فأبدى شيئًا من العناد:
“أنا لست بحاجة إلى شيء. أنتما اشتريا ما تحتاجانه؛ ثياب ليليانا للحفل، وثياب كيسي كذلك.”
فقال كيسي بلا مبالاة: “إذن لنخرج نحن معًا. لا ضرورة أن نكون ثلاثتنا عند سولَيير.”
ثم التفت إلى داميان وقال متعجبًا:
“لكن يا داميان، لم تذهب أصلًا إلى الوليمة؟”
قال: “لأنهم دعوني…”
“أفكلما دعوك أجبت؟ أما لك سببك الخاص؟”
كان كيسي – الذي يبدو غافلًا في أكثر الأحايين – قد فاجأه بسؤالٍ ثاقب. فقال داميان:
“إنما أريد أن أتيقّن أنّ رفاق الكتيبة ما زالوا على قيد الحياة.”
فاقتنع كيسي بما سمع.
وأدرك داميان أنّ شأنه قد غدا مثيرًا للشفقة؛ يذهب للوليمة وينوي أن يستفتي في الهوى. لكنه لم يبح بذلك، وإن خامره شيء من المقت لنفسه. مع ذلك لم يكن كاذبًا في رغبته بلقاء رفاقه.
“ثم إننا لا نذهب إلى مهلكة، بل إلى وليمة.”
فابتسم في نفسه وقال: “إذن فلآخذ ليليانا معي.”
ثم سأل كيسي: “أتودّ المجيء؟”
فأجابه: “لا. أكره الزحام.”
—
وحين قصد داميان سولَيير، بدت متعجّبة إذ رأته.
“أجئت وحدك؟”
قال: “أفي حرج أن آتي وحدي؟”
“أبدا. لكنّك دَومًا كنت تأتي خلف ليلي، كجروٍ يلازم صاحبته. فحسبتكما لا تفترقان.”
فأجابها: “ليليانا لها شأنها الخاص. ومعها كيسي، فلا حاجة بي.”
فيما كانت تُصغي إليه وهي تهيّئ الشاي على الطاولة الصغيرة، وأقبل الغولم الحجري يتمايل حاملاً إبريق الشاي وبعض الحلوى. جلس داميان من غير تردّد وقد اعتاد ضيافتها، ثم باح بمقصده:
“لقد عثرنا على أحد أوكار سيديل، ولا يُفتح إلا بكلمة سحرية. وإن لم نظفر به، فنحن نريد أن نحرمهم من استعماله.”
أطرقت برأسها وهي تضمّ ذراعيها:
“يمكن، لكن ذاك ليس هيّنًا. أتظنّ السحرة يغفلون؟ لا بدّ أنّ سيديل قد أحكمه بأنواع من السحر لئلا يقتحمه غريب.”
قال داميان: “أفلا أستطيع أنا؟”
قهقهت وقالت: “وأنت لست بساحر، كيف تظنّ؟ أوَحسبتَ أنّك لمّا ابتعت بعض الأدوات السحرية صرت شيئًا؟”
فبهت داميان وألجم لسانه.
قالت: “أدوات السحر لا تحتمل إلا قدرًا يسيرًا. أمّا القوى العظمى فليس لها وعاء يسعها.”
“فما السبيل إذن؟ أما قلتِ إنك قادرة؟”
“أنا التي أذهب، لا غير.”
فتسعت عينا داميان: “بيدك أنتِ؟!”
“أجل، لا بدّ من يدي أنا، إن شئتُ أن أبذل ما يلزمه من قوّة.”
قال داميان برجاء: “أتفعلين ذلك؟”
فأجابته وهي تهزّ كتفيها: “قلتُ من قبل: أمثال سيديل ممّن انحرفوا عن سواء السبيل لا يليق إلا أن يعاقبهم أهل السحر أنفسهم. وأنا ساحرة كبرى، وعليّ نصيب من المسؤولية.”
غير أنّ داميان سألها على استحياء: “وهل… ثَمَّ أجرة للرحلة؟”
فابتسمت بسخرية: “أيّ كلام هذا؟ هذا واجبي، فما لي أن آخذ مالًا؟”
فقال داميان وقد انفرجت أساريره: “إذن حمداً لله.”
فأطلقت لسانها باللوم: “وماذا خطّطت إذن؟”
قال متردّدًا: “لم أهيّئ خطة كبيرة. فما كنت أحسبك تدخلين بنفسك. إنما أردتُ تدمير أحد أوكار سيديل، لا أكثر. أمّا الآن فبوجودك، فالأمر غير ما تصوّرت.”
فقالت وهي تهزّ رأسها: “وكنتَ تظنّ أنّك وحدك تقوى على ساحر؟ لقد خُبّرتك! لا يُقاوَم الساحر بسيف ولا بسلاح.”
قال داميان رافعًا حاجبه: “ليليانا كذلك قالت لي. غير أنّ كيسي أخبرني أنّ نقطة ضعف الساحر هي اضطراب دوائر سحره. وكان ينوي أن يبحث عن دوائر تُحدث تفاعلاً معاكسًا لسحر سيديل.”
فأجابتها سولَيير: “لكنّ دوائر الساحر لا يعرفها إلا هو نفسه. أيُعقَل أن يكشفها لغيره؟ لا أحد يستطيع أن يفضح سره. أنا نفسي لا أقدر أن أعرف دوائر سيديل.”
فقال داميان: “فما العمل إذن؟”
أطرقت لحظة وقالت متفكّرة: “هممم… لكن قلتَ إن كيسي ذكر هذا؟ دوائر مضادة لسحر سيديل؟”
“نعم، قال ذلك بنفسه. إن جعلنا سيديل يستعمل سحره، وأعددنا دوائر تُحدث تفاعلاً عكسيًا، فسيبطل.”
قالت: “نظريًا، ذاك صواب. لكن كما أسلفت: لا سبيل لمعرفة دوائر الساحر. فلا يمكن تنفيذ تلك الخطة.”
“فهل أخطأ كيسي؟”
وضعت إصبعيها على صدغيها وقالت: “ربما… إن كان روحًا أو ما يقاربه، فذلك في طاقته. وكيسي أقرب ما يكون إلى الأرواح، فلهذا تراه يتكلم هكذا…”
التعليقات لهذا الفصل " 164"