“الجمعة القادمة؟ في ذلك اليوم لا تكون لي دروس، وكنت أنوي الذهاب إلى المرسم، غير أنّه إن كان ثمّة أمر عاجل، فلا بأس أن أؤخّر المرور بالمرسم إلى وقت آخر.”
أشرق وجه داميان عند جواب ليليانا.
“فهل تذهبين إلى الحفل معي إذن؟”
“حفل؟”
“يقولون إنّهم يقيمون حفلًا لتخليد نصر ليف، ويدعون إليه المقاتلين الذين خاضوا الحرب. وأنا… لأصدقك القول…”
تردّد قليلًا ثمّ واصل كلامه بوجه حائر:
“رئيسي أمرني أن أصطحب شريكًا إن كان لي شريك…”
“آه، فهمت.”
هزّت ليليانا رأسها كمن أدرك الأمر.
“حسنًا، كما كنت أنت قد صاحبْتني إلى البحر، فالواجب أن أصحبك أنا أيضًا هذه المرّة.”
“لا، ما قصدت ذلك.”
سارع داميان يلوّح بيده خشية أن يلقي عليها عبئًا، لكنّها ردّت برفع كتفيها في خفّة:
“لا عليك، بل أراه أمرًا طريفًا. فما شاركتُ في حفلات من قبل إلا حفلة تخرّج الأكاديمية العليا أو حفلة دخول الجامعة وما أشبه. فلأفكّر… ماذا أرتدي؟ لا بدّ من لباس رسمي، غير أنّي لا أملك ما يلائم.”
فأشار داميان إليها قائلًا:
“فما رأيك أن نخرج غدًا للتسوّق؟”
“تسوّق؟”
“نعم، على كلٍّ كنت أفكّر أن أهيّئ لي ثياب الخريف.”
“جيّد! جيّد!”
دارت ليليانا في مكانها دورة خفيفة وقالت بفرح:
“يا للروعة! تسوّق! أنا مسرورة حقًا، شكرًا لك يا داميان!”
“إنّما الثياب يُمكن شراؤها في أيّ وقت.”
“لكنّنا سنختارها لغرض مخصوص، وذلك غير الشراء العادي!”
نظر إليها داميان وهي متحمّسة هكذا، وشعر ببعض القلق: أتراني أفعل صوابًا إذ أصطحبها؟ لست أريد أن أتباهى بها أمام الآخرين، ولكن الناس سيُثيرهم الفضول، وسيكثر السؤال والحديث… ذلك مُرهق.
غير أنّه، حين رأى كيف ينعكس على محيّاها البِشر لمجرّد التفكير بالخروج من رتابة حياتها، قال في نفسه: ‘لعلّه ليس أمرًا سيئًا.’
وما كان أشدّ ما يوجعه أنّ ليليانا تعامل ما جرى بينهما من قبل وكأن لم يكن. فأكان هذا إذن طلبًا للخروج معها أشبه بالموعد…؟ لكنّها، فيما بدا، لم تر فيه غير ذريعة للتسوّق.
“آه! لنأخذ كيسي معنا. هل رأيت خزانة ثيابه؟ ما رأيت أفرغ منها في حياتي! كأنّه لا يغيّر ملبسه أصلًا.”
لو كانت تُعدّه موعدًا لما قالت هذا…
“ليس سيئًا.”
أدار داميان رأسه عنها ولعق شفتيه بمرارة.
“سأبلغه بذلك في طريقي لإرسال الرسالة.”
“شكرًا.”
ابتسمت ليليانا ابتسامة رقيقة، وخرج داميان وهو يتذوّق في فمه طعمًا مُرًّا.
—
في صباح اليوم التالي، جاء رجل من قِبل “موسوعة توينكل” بنفسه إلى “حديقة الأرنب”، يطلب لقاء داميان.
هبط داميان إلى المقهى ومعه كيسي وليليانا، فإذا رجل شعره أشيب منفوش، يلبس بدلة رثّة، يشرب ماءً غازيًا قدّمه له صاحب المقهى.
اقتربوا منه، فرفع الرجل رأسه محييًا بعينيه وقال:
“أنا فيلِمان. هذه أوّل مرّة نلتقي وجهًا لوجه.”
جلسوا أمامه، فقال داميان مباشرة:
“فما هي المعلومة التي تعرض بيعها؟”
وكان يرمقه بعين مرتابة.
“هذا مما سبق أن طلبتموه، وقد عثرت عليه البارحة.”
قال فيلمان وهو يضع على الطاولة صورة.
في الصورة رجل ذو شعر أسود وعينين خضراوين، واقف وسط حشد. بدا قصيرًا قليل اللحم في وجهه، ويُخيّل أنّه في أواخر الأربعين أو أوائل الخمسين. غير أنّ غور عينيه يوهم بكبر سنّه.
“إنّه سيديل لوريانتس.”
تأمّل داميان الصورة مليًّا ثمّ ناولها إلى كيسي، فقال الأخير:
“نعم، هو بعينه.”
كان علم كيسي عن سيديل قليلًا جدًا، ولهذا استعانوا بالوكالة. لكنّه لم يأتِ بالخبر إلا بعد طول تأخير، لأنّ سيديل كان يُخفي آثاره. وما أسهل أن يُعسر التحقيق مع السحرة، كما قالت سولَيير من قبل. ومع ذلك، استطاعت “موسوعة توينكل” أن تجلب خبرًا عنه.
بدأ فلمن يفيض بالمعلومات:
“سيديل لوريانتس، عمره تسعة وأربعون عامًا. وُلد في قرية ريفية تُدعى غورْتْس شمالًا، من سلالة سحرة. كان له زوجة وابنة، انفصل عن زوجته وربّى ابنته وحده. غير أنّ ابنته تُوفّيت منذ أربع سنوات، وكان عمرها خمس عشرة سنة. وبعد موتها مباشرة التحق بالماركيز سوردين. ومن بعد التحاقه به، يبدو أنّ معلومات عنك يا سيّد كيسي قد تسرّبت إليهم. لا ندري أكان ذلك محض مصادفة أم أنّ سيديل نفسه تلاعب بالأمر.”
ففتح كيسي عينيه بدهشة وقال:
“معلوماتي؟ لطالما تساءلت من أين تسرّبت عنّي أخبار قبل أربع سنوات. كيف عرفوا؟ وقد عذّبنا من كانوا يطاردونني فما نطقوا بحرف.”
هزّ فيلمان كتفيه وقال:
“قصّة مرافقة سلمندر لِخيميائي قصّة هزّت مجتمع الأرواح منذ عهد أوراسيس، فكان لا بدّ أن تنتشر. أظنّهم علموا بقوة السلمندر التي أرادوا أن يُغذّوا بها شارلوت، فصادف أن وقعوا على أثرك.”
“هاه…”
“وأمّا عن معلومات الآنسة ليليانا، فأنتم تعرفون أصل الحكاية، من اتصالهم بباسكا الونوم في كيلتا.”
“نعم، وقد حذّرناها… لكن باسكا حمقاء.”
قال كيسي متنهّدًا، فابتسمت ليليانا ابتسامة مرّة.
فقال فيلمان:
“على ذكر ابنته، هاكم صورة لها.”
وأخرج صورة أخرى.
تطلّع داميان وكيسي إلى الصورة، فشهقا.
“اسمها دوروثي لوريانتس.”
في الصورة فتاة ذات شعر أسود مجعّد طويل، وعينين بلون نحاسيّ. كانت حسناء. ورغم اختلاف لون الشعر والعين، فقد عرف الاثنان تلك الملامح من قبل.
“دوروثي…”
تمتم كيسي في حيرة، فيما شعر داميان بالغثيان.
تطلّعت ليليانا إليهما متسائلة:
“ما الأمر؟”
قال كيسي:
“وجهها مطابق لوجه ذلك الغولم المسمّى دوروثي. الفارق في لون الشعر والعين فقط.”
فتغيّر وجه ليليانا وقالت:
“أفتراه إذن صنع الغولم على هيئة ابنته؟”
“الأغلب كذلك. لقد جعل الغولم صورة مطابقة لابنته.”
قال فلمن بلهجة موحية.
وأضاف كيسي:
“سيديل صنع هذا الغولم لمواجهة قوّتي. ويُسمّونه غولم دوروثي.”
قطّب فلمن جبينه وقال:
“حقًا إنّه لأمر يثير القشعريرة.”
فسأله داميان:
“أفلا علمت سبب انضمامه إلى الماركيز سَوردين؟ “
أجاب فيلمان:
“سيديل لا يهتمّ بصراعات الملكية والجمهورية، فليس قصده قلب النظام وإعادة العرش. فلا بدّ أنّ بينه وبين الماركيز صفقة ما. لكن كما تعلمون، التحقيق في أسرار السحرة عسير، فلا أملك أكثر من ذلك.”
“همم…”
تمتم داميان وهو يتأمّل صورة دوروثي.
“فالرجاء أن تُعجّلوا بالتحرّي في أمر صفقته مع الماركيز.”
قال فيلمان:
“نعمل على ذلك. وقد وجدت له مكانًا يرتاده دوريًّا، لعلّه منزله أو وكره.”
“فما العنوان؟”
“رقم ستة وستين، شارع دروتغا، حيّ إترو. وقد حاولت التسلّل إليه، لكنّ الداخل…”
التعليقات لهذا الفصل " 162"