منذ أن عادوا من تلك النزهة إلى البحر، لم يطرأ أي تغيير على العلاقة بين داميان وليليانا.
فقد كان داميان يعاملها تمامًا كما أرادت هي: بلا اختلاف عمّا مضى. وليليانا من جانبها تصرّفت كأن شيئًا لم يحدث قط، فلم تشر إلى ما وقع في ذلك اليوم، ولم تُبدِ أنّ شيئًا تغيّر في قلبها أو سلوكها.
داميان كان يوشك أن يختنق من الضيق.
إذ لم يكن يملك قوة تقلب هذه الحال رأسًا على عقب، ولا حتى لسانًا بليغًا يقنع به ليليانا بموقفه. أمرٌ مجنِن، يدعو المرءَ إلى القفز من جلده.
ومع ذلك، لم يكن يملك الجرأة ليفتح هذا الحديث بنفسه. كان يخشى أن يثير عشّ الدبابير، فيزيد ذلك العلاقة جفاءً وبعدًا. وذلك ما رُوّع منه قلبه.
هكذا مضت أحد عشر يومًا في غموض وارتباك لا هو وصال ولا هو فِراق.
حين عاد داميان بليليانا من المرسم إلى البيت، لمح في صندوق البريد بضع رسائل. أخذها معه، وفي طريقه إلى المصعد أخذ يقلّبها واحدة واحدة.
الأولى كانت باسم أنيت، من مصلحة الضرائب. الثانية رسالة شخصية موجهة إلى آشر. الثالثة إلى “داميان ستيرن”…
ارتفع حاجباه قليلًا حين رأى المرسِل: وزارة الدفاع في جمهورية إيستاريكا.
أزاحها جانبًا، وانتقل إلى الرسالة التالية فإذا هي أيضًا باسمه، والمرسِل هذه المرة: بول جيسكا. عندها نقر لسانه بضجر.
“ما بالك قطّبت وجهك؟”
سألته ليليانا وقد أخذت منه رسالتين، ورأت كيف دسّهما في جيب سرواله.
أجاب: “رسائل مزعجة.”
قالت: “لمَ؟”
فأجاب وهو يشيح: “سأفتحها بالداخل.”
دخلوا البيت وتفرّق كلٌّ إلى غرفته. جلس داميان وحده ومزّق أولى الرسائل.
كانت من وزارة الدفاع، موجهة على العموم إلى من شاركوا في حرب رليف وسوفيلز. مضمونها: إقامة وليمة للانتصار، ودعوة المقاتلين للحضور، والرجاء بالإجابة عن المشاركة من عدمها.
داميان ألقى الرسالة في سلة المهملات، ثم فتح رسالة بول جيسكا.
كانت مكتوبة بخط أرستقراطي متأنق:
[“إلى ابن عمي العزيز، داميان ستيرن.
كيف حالك يا داميان؟ كنت أودّ أن أسأل عنك، لكن الحرب شغلتني عنك. أما أنت، فمِن فراغك، ألم يكن في وُسعك أن تكتب إليّ رسالة واحدة؟ لقد أرهقني غياب أخبارك.”]
‘وقت؟ لم يكن عندي وقت! ما كان لي أن أحنّ إلى بول جيسكا أصلًا.’
[“أما أنا فقد عدت الآن إلى إيستاريكا، وأقيم في بيت العائلة قبل عودتي إلى عملي. استعلمت عن عنوانك من الوزارة وها أنا أكتب إليك. عرفت أنك في نيهيرو. كيف حالك؟ وكيف ذراعك وجراحك؟ أرجو أن تكون قد شُفيت. أما أنا، فكما أحببت أن تطمئن: عدت بلا خدش واحد.
أظنك تلقيت خطابًا من وزارة الدفاع، أو لعل رسالتي سبقتك. هم يريدون أن يقيموا حفلة كبرى على شرف الجنود الذين خاضوا حرب ليف. أتمنى أن تحضر إن استطعت.”]
داميان ألقى نظرة إلى سلة المهملات، ثم عاد إلى قراءة الخط.
[ “أظنك قلتَ الآن: لا أريد الحضور. لكن، أرجو أن تفعل. أريد أن أراك بعد طول غياب. أعرف أنني إن جئت إلى نيهيرو لرؤيك فلن تحب ذلك.
فليكن إذن، دع هذا الحدث ذريعة لترانا ونراك.
ثم إنني دعوت بعض رفاقك القدامى، وقد وعدوا بالحضور. إن كان يهمّك أن تعرف أخبار فصيلك، فلا غنى لك عن الحضور.”]
“آه… تبا.”
أنّ داميان.
صحيح أنه يودّ الاطمئنان إلى رفاقه، لكنه لا يجد داعيًا للذهاب إلى وليمة من أجل ذلك. ‘لا بأس أن أعرف إن كان أحدهم قضى نحبه… لكن إن لم تصل أخبار، فذاك خير خبر.’
تذكر الرقيب فيك مفكرا
‘ ذاك لا يموت ولو شُنق ألف مرة. و أما الرقيب نيكول حظّها عجيب. فلا بد أنها نجَت…’
فجأة انتفض صائحا:
“الرقيب نيكول!”
خرج اسمها من فمه. شوقٌ جارف اجتاح قلبه. فهي الوحيدة التي كان يقدر أن يفضي إليها بأسراره، لا سيما هموم القلب! كانت تبثه هي مشكلاتها العاطفية، وهو يسمع، ومع ذلك لم تَبخل عليه بنصح حتى في شأن “السيدة لينترَي”. بل هي التي شجعته أن يلقاها بعد أن يسرَّح.
والآن، وهو غارق في الحيرة بشأن ليليانا، كان يلهج: ‘لو حضرت نيكولُ الوليمة، لأفضيتُ إليها بكل شيء!’
بهذا الأمل وثب داميان إلى سلة المهملات، وانتشل منها خطاب الوزارة، وملأ استمارة الحضور في آخره، وكتب: “سأحضر.”
رفع عينيه فإذا التاريخ:
“الجمعة القادم؟! قريب جدًّا!”
كدتُ أن أفوّت الموعد!
تمتم: “الرقيب نيكول… أرجو ألا تكوني قد متِّ.”
تخيّل لو ذهب، فلم يجدها إلا خبر وفاتها! عندها سيكون قد قاسى حزنًا مضاعفًا: فقدٌ، ولقاء بائس مع بول جيسكا، في وليمة خانقة.
لكن لا حيلة. هي فرصته الوحيدة.
طوى الورقة، وأودعها ظرفًا جديدًا، وكتب العنوان. وبعد أن ختم الظرف، عاد إلى رسالة بول جيسكا ليكمل:
[ “إن كان لك رفيقة، فلك أن تأتي بها معك. أحبّ أن أتعرف إليها. على كل حال، نلتقي في الوليمة.
بتاريخ 7 أغسطس، سنة 1879. بول جيسكا.]
زمّ داميان جبينه. ‘رفيقة؟ لا شأن لي بهذا. سأذهب فقط لأرى نيكول.’
خرج مسرعًا ليودع الخطاب في صندوق البريد. لكنه توقّف عند باب ليليانا، وطرق ليخبرها أنه سيغيب لحظات.
فتحت الباب وقالت بخفة: “إلى أين؟”
قال: “إلى البريد، أرسل رسالة. لن أتأخر أكثر من عشر دقائق.”
أومأت برأسها.
لكن داميان توقّف فجأة وهو يهمّ بالانصراف. أمسك الباب قبل أن يُغلق، وحدّق إلى ليليانا، كأن الحروف تتردد على لسانه.
التعليقات لهذا الفصل " 161"