الفصل 160
‘لِمَ تصنعين ذاك الوجه كلما تحدّثتُ عن “السيدة لينتري”؟’ كان لا بدّ أن يقنعها بأنّ الأمر طبيعي، فهي نفسها “السيدة لينتري”.
فإن كان كذلك، وجب استرجاع ذكرياتها الضائعة، غير أنّه لم يكن يدري أيّ أثرٍ سيخلّفه ذلك في نفسها.
وفوق ذلك، إن هو تجرّأ ولمس ذاكرتها قبل أوانها، فـكيسي سيزهق روحه لا محالة.
حكّ داميان رأسه بعصبية.
لقد بدا أنّ ليليانا ــ سواءٌ أكانت تعلم بما في قلبه أو لم تعلم ــ لا تريد أن تغيّر شيئًا في علاقتها معه حتى الآن.
وبذلك، كان الجواب واضحًا تقريبًا: أن يساير رغبتها، ويتصرّف على نحوٍ لا يبدّل ما بينهما.
لكن داميان نفسه لم يكن راغبًا في ذلك.
‘لأنّي أعلم أن قلب ليلي لن يتغيّر، فلا أنوي أن أتخطّى هذا الحدّ. لذا تعاملني كأخٍ مقرّب، إذ تعلم أنّي لن أتجاوز الخطوط.’
خطرت بباله المحاورة التي جرت بالأمس مع يوجين.
وكما فعلت مع يوجين، فإن ليليانا ستتغاضى عن حادثة الأمس وعن مشاعره، ما دام لم يتجاوز الخطوط التي رسمتها هي.
غير أنّ داميان لم يفهم لِمَ عليه أن يُبقي على علاقة مبنية على إنكارٍ متبادل وغضّ بصر، هو وليليانا سواء.
‘إن كان القلب يفيض حبًّا، فكيف يُكتم ويُحصر؟ أيّ معنى إذًا في قيد العاطفة وإنفاقها عبثًا؟’ هكذا فكّر.
ترك الحمّام، ومضى إلى الحديقة الخلفية التي تطلّ على البحر.
كان ثمّة آثارٌ تدلّ على أنّ الآخرين قد أنهوا تنظيف موقد الشواء، وبقيت بعض الكراسي ملقاة بلا نظام.
جلس على واحدة منها، وألقى بصره نحو البحر.
راق له خلو المكان من الناس.
في البداية كان رأسه مملوءًا بالهواجس، غير أنّ حركة الموج وصياح النوارس سرعان ما صفّى فكره.
وبقيت في ذهنه خاطرة واحدة لا تزول:
ليليانا… أحبّها.
بات في حيرة من أمره، عاجزًا عن دفع هذا الشعور.
أعجبه شعرها الذهبي البهيّ، وعيناها اللتان تُشبهان مرّةً زرقة السماء ومرّةً لهبًا أزرق صافياً.
أحبّ جبينها المستدير، وأنفها الدقيق، وبريق وجهها الدائم.
أحبّ ذاك العزم الراسخ في جسدٍ رقيقٍ ناحل، الذي يوحي أنّه لا ينكسر أمام أيّ شيء.
وقبل ذلك وبعده، أحبّ الابتسامة التي تهديه إياها كلما التفتت إليه.
‘الآن… أحبّها فقط، أحبّها لذاتها.’
ولم يُرِد أن يُنتَزع منه ذاك الحبّ.
كانت ليليانا أثمن ما وجده في عمره كلّه، خلال إحدى وعشرين سنة قضاها.
غير أنّه لم ينوِ أن يفرض قلبه عليها.
فوجهها البارحة كان مثقلاً، وإن لم يكن الأمر على الحقيقة كما ظنّت، فما دام عاجزًا عن أن يوضّحه، فلا بدّ أن تبدو هكذا.
داميان لم يكن يملك علماً ولا خبرةً كيف يتصرّف بحكمة.
ولأول مرة شعر أنه غبيّ إلى هذه الدرجة.
‘إذن، لعلّ اتّباع ما تشاء هي أقلّ ما يؤذيها؟’
وصل إلى هذا الاستنتاج، فشعر بمرارة في فمه.
فها هو قد أدرك يقينًا قلبه، وظنّ أنّه بدأ يفهم قلبها بعض الشيء، ومع ذلك يلزمه أن يسلك الطريق الملتوي.
تنفّس كظيمًا، والتقط حجرًا وقذفه نحو البحر.
لكن وقع الحجر في الماء كان خافتًا حتى لم يُسمع.
—
“ليلي، انهضي. ينبغي أن نفطر سريعًا وننطلق.”
قالها كيسي وهو يمضغ قطعة خبز ويطرق باب غرفتها.
كان الثلاثة الآخرون قد صحوا وتناولوا فطورهم، وحدها ليليانا ما تزال نائمة.
وبعد مضي عشر دقائق، أطلت عليهم متأنّقة، تتمطّى في تثاؤب، تلقي على الثلاثة الذين رمقوها التحيّة.
“صباح الخير جميعًا.”
كانت عيناها محمرّتَين من شدة النوم، والنعاس بادٍ على محيّاها.
لكنّهم لم يستغربوا، فقد عُرفت بحبّها للنوم.
ردّ عليها الجمع بتحيّة، وشاركهم داميان بلهجةٍ جافة:
“صباح الخير، ليليانا.”
لبرهة خاطفة، خفضت بصرها، ثم ما لبثت أن ابتسمت له وقالت:
“نعم! هل فرغتم جميعًا من الطعام؟ أما أنا فيكفيني قطعة خبز بالمربّى، ومعها قهوة طبعًا.”
ناولها يوجين خبزًا محمّصًا، فأخذته وبسطت فوقه مربّى المشمش وقضمت لقمة.
قال كيسي:
“متى أنهت ليلي فطورها، نغادر إلى نيهيرو.”
“أواه، لقد تأخرت حقًّا!”
تطلّعت إلى الساعة، وإذا بها تقارب التاسعة والنصف.
“ليلي، أنتِ دومًا تنامين متأخرة.”
“ليس دائمًا! حين تكون لديّ دروس أكون من أوائل المنشغلين! أليس كذلك، يوجين؟ لستُ كَسولة كما يقول!”
فضحك يوجين، بينما اشتبك كلامها مع كيسي.
أما داميان، فشعر بشيء من الطمأنينة لرؤية صباحهم يمضي كما جرت العادة.
ولم يبدُ على ليليانا أنها تغيّرت عن مألوفها، وإن لم يعرف باطنها.
ظلّ يراقبها من طرف عينه وهي تمضغ الخبز متسائلًا:
‘ما الذي يخامرها الآن؟ ليتني أعلم… أو لعلّي لا أريد أن أعلم.’
—
عند الظهيرة، وصلوا إلى مدينة نيهيرو.
يوجين أوصلهم بنفسه حتى باب منزلهم.
قبل أن تفارقه، عانقته ليليانا بخفّة وقالت:
“سعدتُ جدًا بلقائك يا يوجين.”
“سنلتقي مجددًا.”
ابتسمت وهي تتباعد عنه:
“صحيح، سنلتقي مجددًا.”
قال يوجين وهو يسلّم على كيسي وداميان:
“تشرفتُ بلقائكما أيضًا.”
ردّ كيسي: “وأنا كذلك، إلى اللقاء.”
أما داميان فقال: “شاكرٌ لك جميلك.”
لكن يوجين التفت مرةً أخرى إلى ليليانا، كأنه لا يزال متردّدًا:
“اتّصلي، أو أرسلي رسالة وقتما شئتِ. لا تضيّعي رقم هاتفي. إن حدث أمر، فلا بدّ أن تخبريني، وعدتِ؟”
قهقهت ليليانا وأومأت برأسها.
“نعم، نعم.”
حينئذٍ فقط ارتاح وجهه، فصعد سيارته.
“إذن، أراكِ لاحقًا يا ليلي.”
“إلى اللقاء!”
وبقيت ليليانا تحدّق في سيارته وهي تبتعد، ثم التفتت، وفي عينيها مسحة أسى وشعور بالوحشة.
داميان إذ رآها أحسّ كأن شيئًا مدبّبًا ينغرز في صدره.
‘ذاك الرجل ما زال يحمل لها ودًّا… فكيف تُبدي هي تلك الملامح، وهي تعلم؟ أترى ما زالت تميل إليه؟’
سألها كيسي:
“ليلي، أشعرتِ بالحزن؟”
فتدلّت بذراعها على ساعده وقالت:
“قليلًا… لكن ماذا بوسعي أن أفعل؟ ليست الظروف تسمح لي أن ألتقي أصدقائي كما أشاء.”
فقال مطمئنًا:
“لا بأس. ستنصلح الأحوال قريبًا، فلا تجزعي.”
أضافت مبتسمة وهي تلتفت نحو داميان:
“صحيح. ما دمتُ أملك أخي… وما دام داميان أيضًا هنا.”
داميان لم يستطع أن يفهم، ما الذي يدور في خاطرها وهي تبادله تلك الابتسامة العذبة.
—
ما كأن ليلي تمادت تحضن رجال عارفه أنه يحبها؟
التعليقات لهذا الفصل " 160"