فكّرتُ في حيلةٍ أخرى، غير أنّي لم أكن واثقة من نجاحها. لكن ما العمل؟ لا بدّ من المحاولة، فلن يضير شيئاً إن أنا جرّبت، ولن يُصاب داميان بأذًى جرّاء ذلك.
مدّت ليليانا كفّها فوق يدي داميان اللتين كانتا تسدّان أذنيه. عندها انفرجت عيناه المغمضتان ببطء، إذ أحسّ بحرارةٍ سرت في ظاهر كفّه.
“داميان، لا تُلقِ بالاً لذلك الصوت. ركّز عليّ أنا.”
هزّ رأسه إيماءً بطيئاً، غير أنّ الارتجاف ما برح يسري في جسده.
“إنّما تركّز عليّ وحدي، أفهمت؟ أنظر إليّ فقط. أتستطيع؟”
أومأ ثانيةً.
“حسنٌ إذن.”
قرّبت ليليانا وجهها من وجه داميان. فكان هو يحدّق فيها بذهولٍ منغمس، حتى إذا أطبقت جفنها، أحسّ بشيءٍ دافئٍ ليّن يلامس خده.
اتّسعت عيناه فجأة. تجمّد من الدهشة، ولكنها لم تتزقف هنا، إذ أنزلت كفيها من على أذنه وأحاطته بذراعيها.
“لا بأس…. أهدأ….”
كانت تهدئه كالطفل الصغير مع تربيته خفيفه على ظهره.
“ركز علي، فقط أنا وأنت هنا الآن.”
وما هي إلا لحظات حتى خفت اضطرابه، وزال غشيانه، ولم يعُد في أذنيه من دويّ. لم يدرِ أذلك لأنّ كفّ ليليانا حجبت عنه ضجيج المفرقعات، أم لأنّ الموقف أربكه حتى شلّ سمعه. لكنه سرعان ما أدرك أنّ ذلك لم يعد يعنيه. إذ أخذ الارتجاف يخبو من جسده شيئاً فشيئاً، وأغمض عينيه من جديد.
نسي صخب الذكريات المرعبة، وملوحة هواء البحر، ورطوبة الليل، ونسي كلّ ما يحيط به.
ومضى زمنٌ لا يدري قدره. ثم أفلته ليليانا ببطء. ففتح عينيه وفيه لوعة. أمّا هي، فما زالت تمسك يده وتبعدها عن أذنه. وكان وجهها يستحيي بعض الشيء تحت نور الهلال الخافت.
داميان أحسّ بحرارة تتوهّج في وجنتيه، أيقن أنّه لا يبدو على حاله. بقي صامتاً، يكتفي بالنظر إليها، بينما هي تميل رأسها نحوه متسائلة:
“أأنت بخير؟ أظنّ أنّ الألعاب النارية قد انتهت.”
وكان كما قالت، لم يعُد هناك صوتٌ سوى حفيف الموج وصوت اليخت الخشبي يتأرجح.
فلم يعُد الخوف يتملّكه، عاد بصره صافياً، وأنفاسه مستقيمة، وارتجافه ساكناً. غير أنّ قلبه يخفق بقوّةٍ لم يعرف لها مثيلاً.
تنهّدت ليليانا في ارتياحٍ حين رأت وعيه قد عاد. ومسّت شفتيها بظاهر يدها دون شعور. عندها ناداها داميان:
“ليليانا…”
“نعم.”
رفّت أهدابها وهي تحدّق فيه، فإذا هو يبدو حائراً بعض الشيء. ثم قال قولاً لم يكن على بالها:
“أتعلمين أنّي أُحبّك؟”
تردّدت لحظةً، ثم أومأت ببطء:
“… نعم.”
فانخفض طرفا عينيه شيئاً فشيئاً. كان يعلم أنّها، بيقظتها وذكائها، قد أدركت ذلك منذ زمن. فابتسم في نفسه ابتسامةً مرّة. بل لعلّه هو أيضاً كان يعلم أنّها تعلم. فكم من فعلٍ طائشٍ بدر منه من فرط المحبة، وكانت لا بدّ تدرك معناه. منذ يومٍ في مدينة الملاهي حين تشابكت أصابعه بأصابعها رغماً عنها.
لكن أيّ وجهةٍ نظرت بها هي إليه مذ ذاك؟ وأيّ رأيٍ حملت عنه في سرّها؟ ذلك ما لم يجرؤ على سؤاله يوماً، مخافة أن يُفضي إلى ما يوجعه.
غير أنّه في هذه اللحظة استجمع شجاعته. فأطلق السؤال، فجاء الجواب على نحوٍ لم يتمنّه.
قالت ليليانا، وفي ملامحها تصلّب:
“لكنّ من تحبّه حقاً ليس أنا.”
“ماذا… تعنين؟”
لم يفهم بادئ الأمر. فإذا بتعبيرها يظلم، وشفتيها ترتجفان وهي تقول:
“إنّما تحبّ ‘السيدة لينتري’ التي ترى ملامحها فيّ.”
فانعقد وجه داميان، وأحسّ ببرودة تسري في دمه. وقالت هي بصوتٍ حاسم:
“أنت تعلّقت بي لأجل ما يذكّرك بـ’السيدة لينتري’.”
“لا! ليس الأمر كذلك!”
أنكر على عَجَل، ولسانه يتعثّر إذ لا يحسن التعبير. لم يخرج من فمه إلا نفيٌ أخرق:
“لا، لستُ…! ليس هذا صحيحاً!”
إذ لو قال لها: “لأنّك أنتِ السيدة لينتري عينها”، أفكانت تصدّقه؟ كلا، بل لظلّت ترفض. فما عساه يقول إذن ليُبلغها بصدق قلبه؟ لم يجد جواباً.
وبينما هو يتردّد، قالت ليليانا بوجهٍ مرير:
“أمّا أنا… فقد كففت عن التساؤل حول من أحببتُه في الماضي، بسببك أنت.”
فعجبت عيناه، بينما هي تطأطئ رأسها، فلا يظهر وجهها في ضوء القمر.
“غير أنّك، كلّما نظرت إليّ، أراك بذلك الوجه الذي كنتَ تصنعه حين تذكر ‘السيدة لينتري’. فلا أدري بعدُ كيف أتعامل معك، داميان.”
هنالك عاد الدم يسري في أوصاله، وأفاق فجأة، فهتف:
“لا، ليليانا! ليس كما تظنّين…!”
لكنه عجز عن صياغة القول، يفتح فاه ويطبقه دون حيلة. إذ لو أراد أن يبيّن لها أنّها هي نفسها السيدة لينتري، لوجب أن يوقظ ذاكرتها كلّها.
‘أتظنّ أنّ ليلي، إن عادت إليها ذكرياتها ومشاعرها نحو أبيها، ستظلّ على حالها؟’
رنّ في ذهنه تحذير كيسي: دعها تبقى في نسيانها.
فأخذ نفساً عميقاً، بينما هي تبتعد قليلاً، تقول بنبرة متحسّرة:
“أرأيت؟”
وكان في عينيها مسحةُ جرح. مدّ يده كأنّه يوشك أن يمسك بها، فإذا بصوت كيسي يتردّد من بعيد:
“ليلي! أين أنت؟ هل وجدتِ داميان؟!”
فعادت ليليانا تنهض وتلوّح بيدها:
“أخي! أنا هنا! داميان معي أيضاً!”
أسرع كيسي بخطاه نحو الصوت، حتى أبصرهما ينزلان من على اليخت، فأطلق نفساً مرتاحاً، ثم التفت إلى داميان متهكّماً:
“داميان، ما بك بحق خالث السماء؟ أتهرع فجأة فتجعل الجميع في قلق؟”
“… عذراً.”
“ولم فعلت ذلك؟”
“…”
آثر داميان الصمت، فلم يكن يريد أن يشرح علّته لأحدٍ غير ليليانا.
عندها بادرت ليليانا، وهي تلمح حيرته:
“لقد كان داميان مريضاً قليلاً، هذا كلّ ما في الأمر.”
التعليقات لهذا الفصل " 158"