الفصل 17
هل يعقل أن لوسيان بيرتو نفّذ ذلك العقد مقابل حياته؟
“أهذا ممكن حقًا؟”
“إن كانَ هو، فـ.. فمن الممكن. لم يكنْ بالإمكانِ مـ.. معرفةُ ما يفكرُ بهِ أبدًا. تباً.”
كنتُ أتفقُ مع كلامها، لكنني شعرتُ بريبةٍ لا أعرفُ مصدرها. هناك شيءٌ مريبٌ خلفَ الأمرِ….
“لا تستمعي إلى كلامِ الشيطانِ بجديةٍ.”
“ألم أقلْ لكَ إنني لستُ شيطانًا!”
“كلامُها هذا ليسَ سوى خدعةٍ تافهةٍ لإيقاعِ الآنسةِ في الشرِّ.”
أيقظني صوتُ أدرييل الخالي من النبراتِ من أفكاري.
لكنَّ هذا الرجلَ مضحكٌ أيضًا. ألم يكنْ ينظرُ إلى روزماري في السابقِ كأنها وحشٌ أسوأُ من الشيطانِ….
حسنًا، لا يزعجني هذا التغييرُ على أيةِ حالٍ.
“سيدتي….”
“آه، ويت. هل أصبحتَ بخيرٍ الآن؟”
“ويت لا يزالُ يتألمُ. قولي ‘هوّ’ وامسحي عليَّ….”
“…….”
تعلقَ ويت، الذي عاد لهيئةِ الهيكلِ العظميِّ، بفخذي وهو يترنحُ.
نظرتُ بهدوءٍ إلى جسدِ ويت الذي لم يبقَ منهُ سوى العظامِ.
أينَ يفترضُ بي أن أنفخَ لتهدئةِ ألمه؟
بينما كنتُ أفكرُ في الأمرِ بجديةٍ.
أمسكت يدٌ كبيرةٌ برأسِ ويت فجأةً وقذف بهِ إلى الوراءِ.
نظرتُ بذهولٍ إلى صاحبِ تلكَ اليدِ، أدرييل.
“التواصلُ المتكررُ مع الشياطينِ مضرٌّ بالصحةِ.”
ردَّ على نظراتي المستنكرةِ بوجهٍ جادٍّ لدرجةِ الوقاحةِ.
بدا وكأنَّ ملامحَهُ أصبحت أكثرَ انشراحًا، فهل كانَ للأمرِ علاقةٌ بمشاعرَ شخصيةٍ؟
“ماذا؟ مَن الذي قذفَ ويت؟ مَن هو؟
سيدتي، مَن هو؟”
نهضَ ويت عن الأرضِ وهو يشعرُ بالارتباكِ.
يبدو أنه لم يصدقْ أنَّ أدرييل، الذي ظنَّ أنهُ أضعفُ منه، قد غلبَه بالقوةِ.
“يا لكَ من احمق يا ويت. هل سُحرت ببشريةٍ لدرجةِ أنكَ أصبحت ضـ.. ضعيفًا هكذا بالفعلِ.”
وبّخَ تارو ويت الذي كانَ مذهولًا.
بينما كنتُ أنظرُ إلى ويت وتارو بالتناوبِ، تذكرتُ فجأةً شيئاً كنتُ قد نسيتُه.
قلادةُ أوبيرون.
لقد سُحرتُ بقدراتِ تارو للحظةٍ ونسيتُ وجودَ القلادةِ.
أهمُّ شيءٍ بالنسبةِ لي الآنَ هو معرفةُ سببِ وجودِ هذهِ القلادةِ في منزلِ الكونت فيريال.
على أيةِ حالٍ، لقد دخلتُ جسدَ روزماري، وعليَّ العيشُ بهذا الجسدِ مستقبلاً.
لكنْ، هل هناكَ سرٌّ مخفيٌّ لروزماري التي ظننتُها مجردَ شخصيةٍ ثانويةٍ شريرةٍ؟ ماذا لو تسببَ ذلكَ في مشكلةٍ ما لاحقًا؟
الخطرُ يجبُ معرفتُهُ مسبقًا للتمكنِ من الوقايةِ منهُ.
“إذن أيتها البشريُّة، هل تـ.. تريدينَ التعاقدَ معي؟”
“إييك! مَن سمحَ لكَ بالتعاقدِ مع سيدتي!”
نظرَ إليَّ ويت بنظراتٍ مستعطفةٍ وكأنهُ يقولُ ‘ليسَ كذلكَ، يا سيدتي؟’.
أجبتُ تارو بحزمٍ.
“كلا.”
“ماذا؟!”
“هيوو، كما هو متوقعٌ من سيدتي.”
بدا تارو وكأنّه لا يصدقُ ما سمعتهُ أذناه، بينما تنفسَ ويت الصعداءَ وهو يقولُ إنهُ كان يثقُ بي.
“أشكركَ على العرضِ ولكنني أرفضُ. على عكسِ الماركيز بيرتو، أنا شخصٌ يقدرُ حياتَهُ.”
“تـ.. ترفضينَ نعمةً هبطت عليكِ من السماءِ. لا تندمي على ذلكَ لاحقًا.”
هل كان يظنُّ أنني سأقبلُ عرضَه فورًا؟ أظهر تارو خيبتَه رغمَ محاولتِه التظاهرَ بالعكسِ.
راقبتُ ردةَ فعلِ تارو ثمَّ بدأتُ الحديثَ بحذرٍ.
“… بدلاً من ذلكَ، أودُّ العودةَ للحديثِ عما كنتَ تقولُه قبلَ قليلٍ.”
“عن ماذا تتحدثينَ؟ “
أصبحَ صوتُ تارو فظًا أكثرَ من ذي قبل، لكنني سألتُ متجاهلةً ذلكَ.
“يبدو أنكَ تعرف الكثيرَ عن قلادةِ أوبيرون… أودُّ سماعَ تلكَ القصةِ بالتفصيلِ.”
عندما طرحتُ الموضوعَ لتغييرِ مجرى الحديثِ، فتحَ تارو عينيه على وسعهما وكأنّه تذكر شيئاً غابَ عنهُ.
“صـ.. صحيحٌ، أيتها البشريُّة! هل أنتِ من أتباعِ أوبيرون؟”
“أنا؟”
“لا فائدةَ من التظاهرِ بالجهلِ الآنَ. أوه، أيها الملكُ. لم أكنْ أعلمُ أنَّ أتباعَهُ لا يزالونَ مـ.. موجودينَ حتى الآنَ. إذا علمَ الـ.. ملكُ بهذا…!”
لا، أخبروني مَن هو أوبيرون هذا.
بينما كنتُ أنتظرُ التوقيتَ المناسبَ للسؤالِ، تمتمَ أدرييل بصوتٍ منخفضٍ بجانبي.
“أوبيرون؟”
لكنَّ نبرتَهُ لم تكنْ تساؤلاً عن هويةِ أوبيرون كما فعلتُ أنا. بل كانت نبرةً تستنكرُ كيفَ يمكنُ لهُ أن يعرفَ أوبيرون.
وعندما طرحَ أدرييل سؤالَهُ التالي، أدركتُ أنَّ حدسي كانَ في محلهِ.
“تستمرونَ في ذكرِ هذا الاسمِ، ما علاقتكم أنتم الشياطينُ بأوبيرون؟”
“العلاقةُ عميقةٌ جدًا! أوبيرون هو ملكُ جنيَّاتنا…!”
وفجأةً، توقفَ تارو عن الغضبِ ونظر إلى أدرييل بنظراتٍ مرعبةٍ.
“هل يُعقلُ أنكَ كنتَ أـ.. أحدَ أتباعِهِ أيضًا؟”
“أنا مَن سألَ أولاً. أجبِ أولاً، أيها الشيطانُ.”
“لقد تذكرتُ الآنَ. تلكَ الطاقةُ المـ.. مقززةُ التي كانت تنبعثُ منكَ في المرةِ الماضيةِ… ذلكَ وحدهُ يكفي للتأكدِ من أنكَ من أتباعِ أوبيرون. أوه، أيها الملكُ. متى وصلت قوةُ أوبيرون إلى المعبدِ!”
أخبروني مَن هو أوبيرون هذا. لا تحتفظوا بالمعلومةِ لأنفسكم، أخبروني أنا أيضًا.
كانَ من الصعبِ عليَّ السؤالُ في ظلِّ هذا الجوِّ الذي يبدو فيهِ الجميعُ عارفًا بالحقيقةِ إلا أنا.
“يـ.. يجبُ قتلُ جميعِ البشرِ الذينَ رأوا هيئتَنا الحقيقيةَ. وخاصةً إذا كانَ ذلكَ البشريُّ من أتباعِ أـ.. أوبيرون.”
حينها، بدأ تارو الذي كانَت ينادي الملكَ وكأنَّ نهايةَ العالمِ قد حانت، ينظرُ إليَّ بنظراتٍ غريبةٍ.
شعرتُ بالخطرِ فوضعتُ يدي ببطءٍ على غطاءِ صندوقِ المجوهراتِ.
إذا أحسستُ بأيِّ حركةٍ مريبةٍ، سأقذفُ القلادةَ نحوها.
لاحظَ تارو حركتي، فأضافَ كلامَه بسرعةٍ.
“لـ.. لكن أيتها البشريُّة! أنتِ أولُ بشريٍّ تـ.. تعترفُ لي بحبهِا.”
… اعترافُ حبٍّ؟
في تلكَ اللحظةِ، شعرتُ بفقدانِ طاقتي تمامًا.
عندما التفتُّ بوجهٍ مذهولٍ، سألني أدرييل بتعبيرٍ جادٍّ.
“آنسة، هل هوايتكِ هي جمعُ الشياطينِ؟”
وهل تعتقدُ أنها هوايةٌ حقًا؟
لم يكنْ الأمرُ يستحقُّ الردَّ.
هززتُ رأسي نفياً، لكنَّ ويت اقتربَ مني هذهِ المرةَ وبدأ يزعجني.
“ماذا يعني هذا؟ سيدتي، هل اعترفتِ لتارو؟ متى؟ متى يا سيدتي؟”
“لذا أيتها البشريُّة، سأؤجلُ الـ.. الحكمَ عليكِ. فربما تـ.. تعاقدينَ معي يوماً ما.”
” تارو الاحمق! لا تتدخل بينَ ويت وسيدتِهِ!”
“ويت، أيها الصغير. الـ.. مستقبلُ لا يعلمُهُ حتى الملكُ.”
ماذا الآنَ. لماذا تتشاجرانِ أنتما أيضًا.
توقفا عن الشجارِ وأخبراني مَن هو أوبيرون. ولماذا كانت هذهِ القلادةُ في عائلةِ روزماري.
“أيها الشيطانُ. لقد طلبتُ منكَ أن تخبرني عن علاقتكَ بأوبيرون.”
“ويت ليسَ شيطان! وأنا لا أعرفُ حتى مَن يكونُ ذلكَ الشخصُ!”
“ماذا؟ ويـ.. ويت أيها الغبيُّ. هل كنتَ تـ.. تنام في حصصِ التاريخِ ولا تستمع للدروسِ؟”
آه. لقد فقدتُ تركيـزي تمامًا….
بدأت أصواتُهم تختلطُ بشكلٍ فوضويٍّ، مما جعلَ رأسي يؤلمني.
من المستحيلِ إجراءُ حوارٍ هادئٍ مع هذهِ المجموعةِ.
نظرتُ إلى أدرييل خلسةً.
حسنًا، لا بأسَ. على أيةِ حالٍ، يمكنني استدراجُ أدرييل في وقتٍ لاحقٍ لسؤالِهِ عن أوبيرون.
“… إذن سيد تارو، لماذا أتيتَ إلى غرفتي في منتصفِ الليلِ هكذا؟”
أخيرًا، صمتَ تارو الذي كان يثيرُ الضجيجَ.
***
امتلأت عينا أدرييل الحمراوانِ، وهما ترقبانِ خارجَ النافذةِ، بسماءٍ صافيةٍ خاليةٍ من الغيومِ.
بما أنَّ روزماري قد احتلت الغرفةَ، أصبحَ بقاءُ أدرييل في غرفةِ المعيشةِ أمراً طبيعياً، وصارَ قضاءُ الوقتِ هكذا جزءاً من روتينِهِ اليوميِّ.
“… هاه.”
تصدعَ وجهُ أدرييل، الذي كانَ يحدقُ في السماءِ دونَ تعبيرٍ.
فبينما كانَ يفكرُ في العلاقةِ بينَ الشياطينِ وأوبيرون، طرأ وجهُ روزماري على ذهنِهِ.
“تباً.”
تمتمَ بكلمةِ شتمٍ دونَ وعيٍ منهُ.
في الآونةِ الأخيرةِ، كانَ أدرييل يشعرُ بمشاعرَ غامضةٍ تجتاحُهُ كلما فكرَ في روزماري.
كانَ شعوراً يصعبُ تعريفُهُ بأيِّ كلمةٍ، شعورٌ لم يسبقْ لهُ أن أحسَّ بهِ من قبل.
روزماري فيريال.
كانت امرأةً شريرةً لا تتوانى عن استخدامِ أيِّ وسيلةٍ لتحقيقِ أهدافِها، تماماً كما تقولُ الشائعاتُ السيئةُ عنها.
هذا هو التعريفُ الذي وضعهُ أدرييل لروزماري منذُ اللحظةِ الأولى التي رآها فيها.
ولكن، منذُ أن بدأ البقاءَ في هذا المنزلِ، بدأت تلكَ الفكرةُ الراسخةُ تهتزُّ في كلِّ لحظةٍ.
قوتُها التي لا تتناسبُ مع جسدِها الضعيفِ.
وكلماتُها الخرقاءُ التي لا تشبهُ المواساةَ، كانت تجعلُ قلبَ أدرييل ينهارُ عدةَ مراتٍ في اليومِ الواحدِ.
يجبُ ألا أُفتنَ بها.
في كلِّ مرةٍ، كانَ أدرييل يشددُ من عزيمتِهِ مجدداً.
لقد كانت امرأةً قاسيةً لدرجةِ التعاقدِ مع شيطانٍ لاختطافِهِ.
ومع ذلكَ، فقد عرضت عليهِ فجأةً إطلاقَ سراحِهِ وقدمت لهُ عقداً غريباً.
لم يصدقْ محتوى العقدِ الذي يقضي بإطلاقِ سراحِهِ ببساطةٍ، ولم يكنْ لديهِ أيُّ نيةٍ للتوقيعِ عليهِ أصلاً.
عدوةُ عائلتِهِ،
مهمتُهُ المقدسةُ.
بعدَ أن تأكدَ من وجودِ الشيطانِ بعينيهِ، لم يكنْ بإمكانهِ أبداً أن يتركَهُ حياً.
الخطةُ لم تتغيرْ.
التظاهرُ بالامتثالِ وانتظارُ اللحظةِ التي يسترخي فيها الجميعُ لقتلِ الشيطانِ.
والعودةُ إلى المعبدِ للبحثِ عن ذلكَ الشيطانِ الذي قتلَ عائلتَهُ وتحقيقِ انتقامِهِ.
كانت هذهِ الخطةُ راسخةً بقدرِ رسوخِ قلبِهِ.
لكنَّ حقيقةً واحدةً كانت تثيرُ أعصابَهُ باستمرارٍ مثلَ نتوءٍ جلديٍّ صغيرٍ.
إذا قتلَ ذلكَ الشيطانَ المزعجَ، فإنَّ روزماري فيريال ستموتُ أيضاً.
على الرغمِ من أنَّ مصيرَ روزماري لا يهمُّهُ، إلا أنَّ مجردَ التفكيرِ في هذهِ الحقيقةِ كانَ يجعلهُ يشعرُ بضيقٍ غريبٍ في صدرِهِ.
هل أشعرُ بالشفقةِ تجاهَ تلكَ المرأةِ؟
الشفقةُ تجاهَ المرأةِ التي اختطفتني وحاولت أذيتي. شعرَ بالسخريةِ من نفسِهِ.
“كيك… كيكيك… سيدتي الآنَ….”
ازدادت أعصابُ أدرييل حدةً وهو يبتلعُ ضحكةً ساخرةً.
لقد سمعَ صوتَ ضحكةِ الشيطانِ من داخلِ الغرفةِ التي تقيمُ فيها روزماري.
شعرَ أدرييل بضيقٍ، فنهضَ من كرسيهِ واقتربَ من الغرفةِ.
“هناكَ الكثيرونَ الذينَ يستهدفونَ سيدتي.”
كلما أصبحَ صوتُ الشيطانِ أكثرَ وضوحاً، ازدادت العقدةُ بينَ حاجبي أدرييل عمقاً.
“لكنْ من اليومِ، سيدتي ملكٌ لويت. إنها ملكي. كيكيكيك.”
بام-!
رُكلَ بابُ الغرفةِ، الذي كانَ مفتوحاً قليلاً، بقوةٍ.
وقعت نظراتُ أدرييل الباردةُ على ويت، الذي كان يضحكُ بخبثٍ وهو في هيئةِ الجنيةِ.
“ماذا تنوي أن تفعلَ، أيها الشيطانُ.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"