1
الفصل الأول
في ليلةٍ تعصف فيها الرياح العاتية،
اهتزّت النافذة المضغوطة عبر فجواتها المرتخية، تصطكّ بعنفٍ متواصل.
بردٌ لاذعٌ كان ينهش جلدي، فارتجف جسدي بلا توقف.
فمي مكمّم، لا أستطيع حتى تحريكه،
ويداي وقدماي متخشبتان من طول القيود.
«أُمم… أُومم!»
كنتُ أريد الهرب، بأي وسيلة.
لكن لا سبيل إلى ذلك ما لم يُطلق هو سراحي بنفسه.
والمفارقة القاتلة…
أن اللحظة التي يمنحني فيها حريتي،
هي اللحظة التي سأُدفن فيها إلى الأبد في أعماق هذا القصر السفلي.
لقد تقمّصتُ جسد شخصية.
ليس تقمّصًا اعتياديًا في رواية،
بل بطلة لعبة رعب شهيرة بصعوبتها الجحيمية،
لم يتمكّن أحد من إنهائها حتى الآن:
Hallucination of Tracker: هلوسة المُطارد.
قيل إن عالمها تحكمه مصّاصو الدماء،
وإنها تختلف عن ألعاب الرعب التقليدية باتساع عالمها،
وجرافيكها الباذخ،
كونها لعبة تقمّص أدوار مفتوحة من منظور الشخص الأول،
مليئة بالسحر والعناصر الفانتازية…
حتى ذاع صيتها بين اللاعبين على أنها ممتعة حدّ الإدمان.
لكن…
لماذا بالضبط أنا من انتهى به المطاف هنا؟!
الذي اختطفني هو العقل المدبّر في هذه اللعبة—
الظلّ الأسود: «سِرِن كروشيه».
سيد دوقية كروشيه،
رجل بملامح تفوق النساء جمالًا،
وشخصية يستحيل الجزم إن كان فاقدًا للمشاعر،
أم سايكوباثيًا، أم سوسيوباثيًا خالصًا.
قصة مألوفة حدّ الابتذال.
وُلد سِرِن لقيطًا في عائلة الدوق،
لكن لعدم إنجاب الدوقة، اعتُرف به كوريث شرعي.
طفولة بائسة شوّهته تدريجيًا،
إلى أن أصبح مهووسًا بابنة عائلة فامينيون الكبرى—
«رايتشل».
حبكة مستهلكة،
وصعوبة قاتلة…
ومع ذلك، كان سِرِن شخصية شديدة الشعبية.
إلى درجة أن كثيرًا من اللاعبات خضن هذه اللعبة المرعبة
فقط لرؤية هذا الشرير الوسيم.
ويا لسخريّة القدر—
أنا تقمّصتُ جسد بطلة تلك اللعبة المجنونة.
ولأن لا أحد سبق ونجح في إنهائها،
ما زلتُ عالقة في اليوم الأول،
أفشل تلو الآخر.
عيناي معصوبتان،
لا أرى شيئًا،
كأنني محتجزة داخل ظلام دامس.
وما هو أسوأ…
أنني لم أجد حتى الآن أي وسيلة للخروج من هذا الجحيم.
حينها…
دَنغ… دَنغ… دَنغ—
رنّ جرس برج الساعة،
مخترقًا هدير المطر.
ارتسمت على وجهي ابتسامة ساخرة باهتة.
ها قد بدأ من جديد.
هذا هو لحن بداية اللعبة.
اللحظة التي تستفيق فيها البطلة بعد اختطافها.
رغم تكرار هذا المشهد مرارًا،
تسرّق العرق البارد إلى ظهري.
لقد حان وقته.
‘٣… ٢… ١.’
خطواتٌ تقترب.
توقّفت تمامًا أمام الغرفة.
ثم—
كليك—
دارت مقبض الباب الصدئ.
اشتدّ صوت المطر،
وتفجّرت السماء برعدٍ عنيف.
«أُمم… أُومم!»
ارتجف جسدي كغصنٍ يابس.
قلبي هبط إلى قاع صدري.
وحين كدت أختنق من الرعب—
صرير—
انفتح الباب.
حبست أنفاسي.
حواسي كلّها انصبّت على وقع خطواته.
توقّف أمامي.
لم يبقَ في الغرفة
سوى أنفاسنا.
كنت أعرف ما سيفعله.
ومع ذلك، توسّلت في داخلي يأسًا:
‘لا… لا تفعل.
لا ترفع العصابة.
أفضل أن أفقد بصري من أن أراك!’
لكنّه فعل.
انزلق القماش عن عينيّ.
وأوّل ما واجهني—
عينان بلون زهر الكرز.
نظرة فارغة من المشاعر،
انحنت ببطء حين التقت عيناه بعينيّ.
أسقط القماش من يده،
وقال بصوتٍ عذب:
«صباح الخير، رايتشل.»
أيّ صباحٍ هذا أيها المجنون؟!
المطر، الرعد،
الليل الأسود خلف القضبان.
ومع ذلك…
أكثر ما يصعب اعتياده
هو مظهره المثالي.
جمالٌ يشبه نزول ملاك،
ناعم، فائق الإتقان،
تتخلله رجولة خفيّة تسلب الأنفاس.
…لا. ليس هذا وقت الشرود.
«كنتُ أريد أن أكون معك على انفراد،
لكن يا للخسارة… دخلت فأرة إلى القصر.»
مرّر نصل السكين على سبّابته بعبث.
كنتُ الوحيدة التي تخاف أن ينزف.
«أكره الإزعاج.
سأتخلّص منه بسرعة،
انتظريني قليلًا.»
تلألأت عيناه بحمرة خفيفة.
ذلك “المزعج”
هو أردينهار سيفيرتا—
صديق طفولتي،
والشخص الذي يجب أن أنقذه لأهرب.
لكنني…
لم أصل إلى تلك المرحلة قط.
لأن—
«لن تهربي في غيابي… صحيح؟»
هززت رأسي بجنون.
ابتسم.
«أحسنتِ.
إن التزمتِ، سأمنحك مكافأة خاصة.»
…مكافأة؟
رأس أردينهار؟
في المرة الأولى…
انتظرتُه ببراءة.
فعاد برأسٍ مقطوع،
ودمٍ لم يجف بعد.
بكيت.
فقتلني.
في الثانية…
لم أتفاعل.
فسحق وجهه أمامي.
ومتُّ رعبًا.
وهذه الثالثة.
لن أنتظر.
لكنني… فتحت الباب.
وكان هو هناك.
«ألم أقل انتظري؟»
عيناه باردتان.
سؤاله كالسيف:
«لماذا خرجتِ؟»
تحوّل لون عينيه إلى الأحمر.
«ألم يكن تحذيري كافيًا؟»
قبض على كتفي.
«قلتُ انتظريني!»
ثم—
«دعينا نلعب…
لعبة الدمى.»
طعنة.
أخرى.
وأخرى.
«رايتشل…
أنا أحبك حقًا.»
ثم—
[النهاية]
[نهاية سيئة (6) – لعبة الدمى]
[لقد متِّ]
[احذري من استفزاز سِرِن.
إن متِّ سبع مرات أخرى، ستُحبسين هنا إلى الأبد.]
…
يا له من جحيم.
وهكذا…
لقيتُ موتي الثالث.
يتبع في الفصل التالي ▶
التعليقات لهذا الفصل " 1"