الفصل 15 : أكاديميّة الضُباط الكارثيّة التي حتى النُّخبة تراها لأول مرّة ⁹
كان الفأرُ الصغيرُ متجمّدًا في مكانه تحت وطأة ضغطٍ يُشبه ضغطَ الأعين المثبّتة عليه، وفي تلك اللحظة اندفعت يدُ كلوِي كوميضِ برقٍ لتقبض على معصمه.
“العينان تبدوان مريبةً جدًّا، فكنتُ أتوقع هذا….”
كان ذلك، لمن يراه، محاولةَ سرقةٍ ليليةٍ واضحة تستهدف نقاط روزيلين.
وبما أنّ النقاط ليس مجرّد سجلٍّ بل هو شيءٌ ملموس، فاحتمال تعرّضها للنهب كان واردًا تمامًا.
ولذا فهي توقّعت يومًا أن يحدث أمرٌ كهذا….
‘لكن لَمْ أظُنَّ أنّه سيكون الليلة.’
في اللحظة التي كانت روزيلين تتذمّر فيها من أنّها ما تزال تملك ستَّ نقاط، لاحظت كلوِي النظراتِ التي كانت تُغرز باتجاه روزيلين وباتجاه مجموعتهما، فقرّرت عمدًا ألّا تنام.
وبعد خوضها وقتيْن من الاستيقاظِ الصباحيّ، كانت تعلم جيّدًا أنّ روزيلين ليست شخصًا يستيقظ بسهولة.
أمّا ذاك الفأر فكان يلتوي محاولًا الإفلات من قبضةِ كلوِي التي أمسكت بمعصمه، لكنه خفَق ببصره إلى الأسفل عندما شعر بقبضةٍ تُمسك بملابسه–
“اه…!”
ووجد نفسه وجهًا لوجه مع عينين خضراوين شرستين تحدّقان فيه.
“ما الأمر؟ لقد استيقظتِ، على ما يبدو؟”
“أتراني كنتُ سأظلّ نائمةً بينما أحدهم يعبث عند صدري بلا توقّف؟”
ردّت روزيلين على كلام كلوِي، ثم رفعت نصف جسدها ببطء وهي تهزّ بخفّةٍ يدَها التي كانت تقبض على ملابس الفأر.
وكان شعرها الأحمر الكثيف المنتفش إلى الأعلى يظهر كأنه لهيبٌ مشتعل.
“أنا، يا هذا، حتى حين ضُرِبتُ على مؤخّرة رأسي بعصا في قمارٍ ما فصار وعيي يذهب ويعود، كنتُ أستطيع دائمًا تمييز اليد التي تحاول سرقة نقود القمار التي أخفيها عند صدري، وكنتُ أعضّها فورًا.”
‘لهذا السبب طردت إلى نورثفورت.’ تمتمت كلوِي داخليًا وضاربةً لسانها. “كيف تجرؤ على سرقة نقاطٍ ثمينٍ حصلتُ عليها بالعَرق؟ نقاطي الثمينة التي سأشتري به لحمِي!”
ثم هوى نطحُ روزيلين برأسها على وجه الفأر فأصابته إصابةً مباشرة.
وبسبب تلك الفوضى، استيقظ بعضهم مِمَن يملكون نومًا خفيفًا، لكن روزيلين لم تُعرهم أيّ اهتمام.
بل كانت منهمكةً في نقش درسٍ كامل على جسد السارق كي تعلّمه لماذا لا ينبغي له السرقة.
‘يبدو أنّ عدد الذين سيحاولون استهداف النقاط ليلًا سيزداد.’
فلبعضهم كان المشهد الذي يراه كافيًا كتحذير، لكن لبعضهم الآخر كان يبدو تلميحًا بأنّ هناك طريقةً للحصول على النقاط، وأن الأمر يستحقّ المحاولة.
ولذا فالجواب واحد.
يجب إيصال التحذير بلغةٍ يفهمها هؤلاء الأوغاد، بلغة الأوغاد أنفسهم.
انحدل ظلٌّ ثقيلٌ على وجه كلوِي وهي تقضي الليلَ كلّه تفكّر بجدية في الطريقة المناسبة.
وكما يحدث في كلّ مرة، كان أصعب ما في الأمر أنّ تتصرّف كمُستهترةٍ حقيقية أمام المستهترين، وهي في الحقيقة نخبوية ترتدي قناع الاستهتار.
***
وبفضل قضاء الليل في التفكير، استطاعت كلوِي إيقاظ المجموعة قبل طلوع الشمس والاستعداد باكرًا لتفقد الصباح.
وفي تلك الساعة لم يكن كبار الطلبة قد استيقظوا بعد، فلم تعد قلوبهم ترتجف خوفًا من التأخّر كما حدث بالأمس.
ولم يكن على كلوِي أن تُزيح أحد رفاقها الذين يبدو أنهم يريدون غسل وجوههم عشر دقائق كاملة.
أما بقية الدفعة 87 – باستثناء مجموعة كلوِي – فقد ظهروا في التفقد الصباحي على هيئةٍ منقسمة إلى نصفين.
فمنهم من اختار التأخّر مرتديًا الزيّ الرسمي، ومنهم من ارتدى الزيّ العادي وحضر إلى الساحة في الوقت المحدّد.
وطبعًا كان كلا الفريقين بانتظار العقوبة ونقاط الخصم.
انتهى وقت الجري الجحيميّ، وحلّ وقت الطعام السماويّ؛ وإن كان جحيمًا لمن عليهم أكل طعامٍ بلا نقاط.
“روزيلين، هل يمكنكِ أن تحتفظي بنقاطي قليلًا؟”
صدح صوت فيني الواضح في قاعة الطعام، وكان مرتفعًا بما يكفي ليسمعه جميع أفراد الدفعة 87.
‘كما توقّعت، كانت تراقبها منذ الصباح وتحسب خطواتها.’
ابتسمت كلوِي بسخريةٍ بعدما فهمت نوايا فيني بسرعة.
“أنا؟ أوووه… هذا مُزعج. لو تدفعين نقطة لي مقابل الحفظ، سأفعل.”
“نقطةٌ واحدة؟ لا بأس.”
أجابت فيني بيسر.
وأيّ شخصٍ يملك قليلًا من الملاحظة كان سيدرك أنّ الخمسة كانوا يدفعون النقاط قبل تناول الطعام.
اليوم كان المستهدَف روزيلين فقط، لكن من الواضح أنّ جميع الخمسة صاروا أهدافًا محتملة لسرقة النقاط.
وما لم يُوزّع الأساتذة النقاطَ بسخاء خلال المحاضرات، فمن المؤكد أنّ بقية الدفعة ستستهدف هؤلاء الخمسة الذين يملكون النقاط.
أما كلوي وروزيلين فكان بإمكانهما حماية نفسيهما فلا تُسرق منهما النقاط بسهولة، لكن فيني ومارييل ولوسيان – وهم من الأضعف في الدفعة 87 – كانت ظروفهم مختلفة.
‘لهذا كان أفضل خيار لفيني أن تُظهر أمام الجميع أنّها سلّمت نقاطها كلها إلى روزيلين، حتى لا يجلب لها أحدٌ المشاكل.’
وكان ذلك هو حسابها.
صحيح أنها لم تتوقّع أنّ روزيلين ستطلب نقطةً مقابل الحفظ، لكن نقطةً واحدة أفضل من خسارة خمس.
وما إن دفعتها فيني برفق لمارييل كي تقلّدها، حتى كانت مارييل مشغولةً تحدّق في رغيف خبزها وهي تتمتم: “خبزُ شعير… شعير… خمر….”
ولهذا يقولون إنّ الخمر أصل كلّ الشرور. حتى لو حاولت مساعدتها، فهي غارقةٌ في التفكير بالخمر ولا تستطيع حتى تناول لقمة تُمسك لها حتى فمها.
وبعد انتهاء الفطور وزّع المدرّب الأعور الجدولَ الزمني على أفراد الدفعة 87.
تصفّحت كلوي الجدول فور استلامه.
كانت المواد في أكاديمية نورثفورت شبيهةً جدًّا بتلك الموجودة في الأكاديمية الملكية المركزية.
والمواد الإلزامية لسنة أولى كانت: قانون الحرب، الأخلاق العسكرية، علم التكتيك، الاقتصاد العسكري، وديناميات الجماعة.
وأول محاضرة لهم كانت “الأخلاق العسكرية”.
“يسرّني معرفتكم، أنا آرثر هيرينغتون، وسأدرّسكم الأخلاق العسكرية طوال سنة كاملة.”
استمع أفراد الدفعة 87 إلى تحية الأستاذ بكاد يفهمونها، ثم تراخت أجسادهم على الكراسي من شدّة ارتياحهم بأول لحظة هدوء يشعرون بها في نورثفورت.
يا لها من نعمة أن يجدوا وقتًا مريحًا كهذا!
وكان كون الأستاذ يبدو ضعيفًا مقارنةً بالمدرّبين القتاليين الشرسين سببًا إضافيًا لهذا التراخي. فالاستهتار جزءٌ لا ينفصل عن طبائعهم.
“والموضوع الأول الذي ستدرسونه هو الطاعة. حين يأتي أمرٌ من الأعلى، عليكم تنفيذه مهما كان. هذه أكبر واجباتكم كجنود، وكطلبة ضباط في نورثفورت. اليوم سندرس سلوك الطاعة.”
كانت كلوِي تصغي بانضباط النخبة، ثم أدركت أنّها الوحيدة التي تفعل ذلك، فسارعت لترخي جلستها مثل بقية زملائها.
فمجرد لفت الأنظار إليها قد يضر بمهمتها التخفيّة، وكان هدفها أن تظلّ مندمجة كالأخرى.
وانتقل محتوى المحاضرة فجأة إلى أوضاع الدول المجاورة.
‘في الأكاديمية الملكية، كنّا نناقش هل ينبغي اتباع الأوامر الخاطئة أم لا… أما هنا؟ ما علاقة هذا بالأخلاق أصلاً؟’
والأغرب أنّه لا علاقة له حتى بموضوع الطاعة الذي افتتح به الدرس.
وبينما كانت كلوِي تستمع وهي جالسة بترهّل، وصل إلى مسامعها جزء مزعج من الشرح.
“والآن، انتبهوا من هنا فصاعدًا. الدولة المجاورة لنا على حدود الإمبراطورية: مملكة ديميسين. وهذه المنطقة الآن….”
والواقع أنّ الدولة المجاورة لإمبراطورية دراكينيا هي دوقية نيهلين. فأي أحد يعرف قراءة الخرائط يعرف ذلك.
‘هل أحضروا أستاذًا لا يملك حتى المعرفة العامة؟’
رفعت كلوِي حاجبها بدهشة، ويبدو أن فيني في المقعد المجاور لاحظت الأمر أيضًا، فالتقت عيناها بعيني كلوِي.
“أنت هناك، منذ متى وأنت نائم؟”
فجأة قطع الأستاذ حديثه – وهو نفس الحديث المملّ الذي كان يواصل إلقاءه دون انتباه – وأشار إلى أحد الطلاب في المقدمة الذي كان ينعس.
فانتبه الطالب مدهوشًا.
“ماذا؟ أنا؟”
“أين أضعتَ اسمك ورتبتك؟ أسلوبك مستهترٌ تمامًا. نقطة خصم واحدة. ما اسمك؟”
“طالب الدفعة 87، روك إيلدر!”
لكن حتى لو صرخ بذلك بعد فوات الأوان، فلن تعود النقطة.
ثم طرح الأستاذ سؤالًا على ذلك الطالب العابس.
“ما الدولة التي تجاور إمبراطورية دراكينيا؟”
وكان الجواب بديهيًا لدى أي طفلٍ في السابعة يعيش في الإمبراطورية.
“إنها دوقية نيهلين!”
ضحك الأستاذ ضحكةً قصيرة، ثم أشار إلى باب القاعة معلنًا حكمه.
“أنت خارج المحاضرة. غادر القاعة حالًا.”
وكانت تلك جملةً أعادت التوتّر فورًا إلى الدرس الهادئ.
التعليقات لهذا الفصل " 15"