كانت ديانو أورتينسا كئيبة. كانت كذلك غالبًا كلما اضطرت إلى إنفاق المال.
“…ألا توجد طريقة لإصلاحه؟”
“لو خيطناه فسيظهر الأثر. يمكن إخفاؤه إن وضعنا تطريزًا من الطرف إلى الطرف، لكن……”
هزّت كورا رأسها نفيًا. كان معنى ذلك أنّه ليس غرضًا يستحق هذا العناء.
التقطت ديانو الشريط الموضوع على طاولة الزينة بإصبعين.
كان شريط الساتان قد انشق تقريبًا إلى نصفين.
الجزء الصغير الذي لم يتمزق، بحجم ظفر الإصبع، كان بالكاد يمسك بالشريط المتدلّي، فبدا منظره مثيرًا للشفقة.
“أنا آسفة يا آنسة ديانو. يبدو أنني شددته بقوة أثناء ربطه.”
“لا، لا بأس. كان غرضًا قديمًا. حتى لو لم يحدث اليوم، فكان مسألة وقت فقط.”
لقد كانت تستخدمه منذ أيام دراستها، وكان قد تجاوز عمره الافتراضي منذ زمن. لم يكن في الأمر ما يدعو للأسف. المشكلة أنّه كان آخر شريط تملكه ديانو.
لم تكن ديانو، في الأساس، تنفق المال على الزينة والمظهر.
فهي أصلًا لا تستطيع الزواج، ولا فائدة من التأنق لجذب أنظار الرجال.
لكن الشريط كان ضروريًا. شعرها الكثيف والطويل كان مصدر فخرها، إلا أنّها لا تستطيع التجول في القصر الإمبراطوري وشعرها منسدل.
“كورا، إذا احتجنا إلى شيء في القصر الإمبراطوري، كيف نشتريه؟”
“هناك تجار يتعاملون مع قصر البلوط. يأتون بكل الأنواع إذا ذكرتِ الصنف. صاحبة السمو الأميرة لا تحب اختيار الأشياء بنفسها، لذلك غالبًا ما تتولى رئيسة الوصيفات تجهيز الحُلي.”
كان الأمر يبعث على الصداع. السلع التي يتعامل بها التجار المرتبطون بالقصر الإمبراطوري لا بد أن تكون باهظة الثمن.
ديانو لم تكن بحاجة إلى شيء نفيس أو جميل. كان يكفيها شريط بسيط ومرتب لربط شعرها أو تضفيره.
‘لو كنتُ في بيت الدوقية الكبرى، لاشتريته ببساطة من متجر في المدينة…….’
كانت لديها قطعة ذهبية أعطتها إياها الدوقة الكبرى لإيربينجل كنفقات سفر، لكن إنفاقها على شريط بدا لها تبذيرًا.
وبينما كانت ديانو تعقد حاجبيها غارقة في التفكير، اقترحت كورا بحذر.
“ما رأيك أن نطلب من إحدى وصيفات سمو الأميرة؟”
“وصيفة؟”
كانت ديانو على علم بوجودهن منذ زيارتها الأولى لقصر البلوط. لكنها، حتى بعد انتقالها للعيش هناك، لم تكن على علاقة تُذكر بهن.
لم ترهن إلا وهن يقفن بهدوء خلف الكونتيسة الصغرى أورنين، يقمن بالأعمال الصغيرة.
هل يصح أن تطلب استعارة غرض من نبيلة لا تربطها بها صداقة؟ فكرت ديانو في الأمر. ربما ينزعجن أو يعددن ذلك تطفلًا.
“لكن لو كنتُ مكانها، ورأيتُ فتاة في مثل سني في مأزق، لأعرتها دون تردد. ووصيفات الأميرة لا بد أن لديهن أشرطة أكثر من اللازم.’
وبعد أن حسمت أمرها، سألت ديانو كورا.
“هل توجد وصيفات في قصر البلوط الآن؟”
“رأيتُ قبل قليل الآنسة بيرتونا تدخل القصر. هي المسؤولة عن إدارة رسائل سمو الأميرة.”
“إذن سأذهب لإلقاء التحية. رتبي شعري موقتً.”
ألقت ديانو بالشريط التالف جانبًا.
‘ما كان ينبغي أن أهدي ذلك الشريط لذلك السيد يومها.’
ندمت متأخرة، لكن لا فائدة من الندم الآن.
* * *
كانت بيرتونا، ابنة البارون ألديبارون، في صالون استقبال الأميرة.
وكما قالت كورا، كانت تكافح جبلًا من الرسائل المتراكمة.
مع توقف الأميرة عن جميع الأنشطة الخارجية، لا بد أن كمية الرسائل المتدفقة إلى قصر البلوط كانت تفوق الخيال.
شعرت ديانو بالشفقة وهي تراها تفتح الأظرف بلا توقف وتفرز الرسائل، عابسة الجبين.
“عذرًا. آنسة ألديبارون؟”
بعد أن ترددت طويلًا قرب الباب، نادت ديانو بيرتونا بحذر. رفعت وصيفة الأميرة عينيها قليلًا، رمقت ديانو بنظرة خاطفة، ثم أعادت بصرها إلى الظرف الذي كانت تفتحه.
كان ذلك مربكًا. فقد أدركت بيرتونا وجود ديانو بوضوح.
قالت ديانو بصوت أعلى وأكثر وضوحًا من قبل.
“آنسة ألديبارون. أعلم أنك مشغولة، لكن هل يمكن أن تمنحيني لحظة من وقتك؟”
“إذا كنتِ تعرفين أنني مشغولة، فلماذا تزعجينني؟”
اتسعت عينا ديانو دهشة أمام الكلمات اللاذعة.
لو كانت تقوم بعمل لا يحتمل التأجيل، لكان يكفي أن تقول ذلك.
ولو كانت حقًا في وضع لا تستطيع تركه، لكانت ديانو انتظرت حتى تنتهي أو عادت لاحقًا.
كان موقفًا فظًا إلى حد مذهل، لا يليق بشخص لم يتبادلا حتى التعارف الصحيح، ولم تتجاوز علاقتهما معرفة سطحية بالوجه.
‘أهذه بيرتونا ألديبارون أم بيرتونا بيلوا؟’
من تصرفها، كان يمكن تصديق أنها ابنة دوق بدين في حديقة الورود.
أرادت ديانو أن تستدير وتغادر الصالون فورًا، لكنها قررت، مراعاةً لوجه الكونتيسة الصغرى أورنين، أن تتحمل هذه الوقاحة مرة واحدة فقط.
قالت بابتسامة مصطنعة.
“لم أكن أعلم أنك مشغولة إلى هذا الحد. سأعود لزيارتك حين يتوفر لك وقت.”
قالت ذلك، لكن خطتها الأصلية كانت قد تلاشت تمامًا. لم تكن ترغب في استعارة شريط، ولا حتى حبة فول، من امرأة كهذه.
همّت ديانو بمغادرة الصالون، تاركة بيرتونا التي ما زالت تتجاهلها، لكن صوتًا حادًا انطلق من خلفها.
“لا أدري ما الذي تفكر فيه رئيسة الوصيفات. أن تُلصق بسمو الأميرة امرأة لا تجيد سوى رعاية الأطفال وتسمّيها معلمة خاصة.”
توقفت ديانو في مكانها. ولم يتوقف الصوت الساخر عند هذا الحد.
“ولا تعرف حتى كيف تشكر نعمة جلالة الإمبراطور، تمضي يومها كله في اللهو والكسل.”
“……”
“وما هذا الشكل لشعرها أيضًا؟ غير مرتب على الإطلاق.”
أغمضت ديانو عينيها ببطء ثم فتحتهما. تعمدت إبطاء أنفاسها المتسارعة.
كان عليها أن تتحمل. كان يجب أن تتحمل.
هذه المرأة وصيفة الأميرة، ونبيلة معترف بها في القصر الإمبراطوري.
ومن موقعها كمن عليها إقناع الأميرة وتعليمها، لا فائدة من عداوةٍ مع شخصية كهذه.
‘‘لكنني بالفعل أصبحتُ عدَوتها، أليس كذلك؟’
يمكن تغيير رأي من ينتقد تصرفًا أو قولًا معينًا. أما من يحتقر وجودك ذاته، فلا سبيل إلى ذلك.
استدارت ديانو ببطء. التقت بيرتونا بنظراتها عمدًا، ثم عبست حين رأت وجه ديانو المشرق بابتسامة هادئة.
قالت ديانو بصوت لطيف.
“يبدو أن لديكِ ثقة كبيرة بفائدتك الذاتية، آنسة ألديبارون.”
“…ماذا قلتِ؟”
قالت ديانو بلغة أراسات.
“إن كنتِ تطمعين في مكاني هذا الذي أعيش فيه آكلةً شاربةً، فلماذا لا تتوسلين إلى جلالة الإمبراطور؟ قولي له إنك تستطيعين التعليم اللغة الأجنبية أفضل من معلمة مبتدئة مثلي.”
احمرّ وجه بيرتونا. حتى لو لم تفهم كل ما قالته ديانو بدقة من لغةٍ أخرى، فلا بد أنها التقطت بعض الكلمات.
فمهارات اللغات الأجنبية لدى نبيلات كاتالوس، ما لم يكنّ دارسات أو شديدات الشغف بالعلم، تكون عادة في هذا المستوى.
انحنت ديانو بأناقة لوصيفة تحدق بها وكأنها تريد قتلها، ثم استدارت.
لم تشعر بأي انتشاء.
—
ما حدث في صباح اليوم التالي كان مفاجئًا.
استيقظت ديانو، كعادتها، في وقت مبكر، وتجهزت بمساعدة كورا. ربطت شعرها اليوم أيضًا بالدبابيس على مضض.
وعندما خرجت إلى صالون الاستقبال، كان أحد خدّام القصر الإمبراطوري في الانتظار.
انحنى الخادم بأدب وقال.
“جلالة الإمبراطور أرسل هدية إلى الآنسة ديانو أورتينسا.”
“هدية…؟”
ما يمنحه الإمبراطور لرعيته يُسمّى بالأحرى ‘عطية إمبراطورية’. ولم يكن من الممكن أن يجهل الخادم ذلك. لا بد أن الإمبراطور تعمّد استخدام هذا التعبير تحديدًا.
“وأرسل هذه الرسالة معها.”
ناول الخادم كورا الحزمة، وناول ديانو الرسالة.
كانت بطاقة بسيطة بلا ظرف.
وقد كُتب عليها، بخط جميل للغاية حتى في نظر ديانو ذات الخط الحسن، ما يلي.
الآنسة ديانو أورتينسا،
تذكرتُ أنكِ أعجبتِ بالشاي في المرة السابقة.
آمل ألا تنسي معنى هذا الشاي.
أما البقية، فهي من باب إخلاصي.
أتمنى أن تنال إعجابك.
– ريشيون كاتالوس.
كان معنى ‘الشاي’ واضحًا، وهو احتمال المصالحة مع آراسيس. لكن ما المقصود بـ ‘البقية’، فلم يكن معلومًا. كتمت ديانو فضولها وقالت للخادم.
“سأكتب ردًا. هل تنتظرني قليلًا؟”
“قال جلالة الإمبراطور إنه يفضل تلقي الشكر شخصيًا. وأضاف أن أبواب القصر الإمبراطوري مفتوحة دائمًا للآنسة ديانو أورتينسا.”
بعد أن ودّعت الخادم وهي تشعر بالحيرة، نظرت ديانو إلى كورا التي تحمل الحزمة.
“هل تفتحينها لي؟”
“نعم.”
“لا، لا. سأتولى الأمر بنفسي.”
أخذت ديانو الحزمة ودخلت غرفة النوم، وتبعتها كورا.
جلست ديانو إلى الطاولة الصغيرة الملحقة بالغرفة وبدأت بفك التغليف. أطلقت كورا، التي كانت تراقب بفضول، صيحة إعجاب.
إلى جانب زجاجة الشاي، كان هناك شريط حريري مطرّز بخيوط ذهبية بديعة.
كان طويلًا إلى درجة أنه يحتاج إلى طيّ عدة مرات. وكان لونه أزرق، كلون عيني ديانو.
من جهة، شعرت بفرح يكاد يجعلها تقفز. ومن جهة أخرى، شعرت بالارتباك.
‘لا يمكن أنه أرسل هذا وهو يعلم…….’
لكن أليس هذا التزامن دقيقًا على نحو يصعب عده محض صدفة؟
وبينما كانت تحدق في الشريط بمشاعر متضاربة، قالت كورا.
“إنه شريط جميل حقًا!”
“آه… نعم.”
“لو ضفّرناه مع الشعر فسيكون رائعًا. وسيناسب فساتينك الزرقاء التي ترتدينها كثيرًا. بما أنكِ لا تضعين الكثير من الحلي، فسيكون هذا وحده زينة كافية.”
أجلست كورا ديانو فورًا أمام طاولة الزينة، وربطت شعرها من جديد. وكما قالت، حين ضُفّر الشريط الطويل مع خصلات الشعر البني المتموج، بدا المظهر فخمًا وجميلًا.
لمست ديانو طرف الشريط بإحساس غريب. وهي على هذا النحو، شعرت أنها تبدو حقًا كنَبيلة.
“إنه يليق بكِ كثيرًا. لم أكن أعلم أن جلالة الإمبراطور بهذه الدقة في الملاحظة.”
“…أترين ذلك؟”
“أنتِ جميلة يا آنسة ديانو، لكنكِ دائمًا متقشفة في مظهركِ. ربما لاحظ جلالته هذا الأمر.”
ربما شعر بأن معلمة الأميرة تبدو بسيطة أكثر مما ينبغي، بما يمس الهيبة. كانت ديانو تردد هذا في نفسها، لكن ظل في قلبها تساؤل خفيف.
‘الآنسة أورتينسا.’
كانت زاوية فمه المرتفعة برفق، وعيناه الدافئتان، تحملان ودًّا واضحًا.
ومع إضافة هذه الهدية، بدا من الطبيعي أن تشك في اتجاه هذا الود.
“حين يُحسن رجل أعزب وسيم المعاملة، قد تسيء المرأة الفهم قليلًا.’
فكرت ديانو أن الإمبراطور سيسامحها على هذا القدر البسيط من الخفة في القلب.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"