5
لم يُقصِّر طاهي قصر شجرة البلوط في استخدام أفخر المكوّنات من أجل المعلّمة المنزليّة للأميرة الإمبراطوريّة وفارس حراستها.
وتحت شجرةٍ باسقة على ضفاف البحيرة، فرش الثلاثة حصيرةً وملؤوا بطونهم بسندويشات اللحم المُدَخَّن، وفطائر صغيرة بحجم اللقمة، وشايٍ أسود ساخن.
تذوّقت كورا الشاي الأسود الممزوج بمربّى الفاكهة، فأطلقت صيحة إعجاب.
“رائحته رائعة فعلًا! هذه أوّل مرّة أشرب فيها شايًا بهذه الجودة.”
عقدت ديانو حاجبيها.
فقد بدا غريبًا أنّها لم تُبدِ أيّ ردّ فعلٍ يُذكَر تجاه السندويشات أو الفطائر المحشوّة بتوابل باهظة الثمن، بينما بالغت في الإعجاب بالشاي وحده.
انتبهت كورا إلى استغراب ديانو، فبادرت بالشرح.
“الحلويّات سنضطرّ إلى التخلّص منها على أيّ حال، لذلك سمحت لنا رئيسة الخادمات بأكل المتبقّي.
لكن أوراق الشاي ليست كذلك.”
“هذا صحيح.
حين نعود، سأُعطيكِ قليلًا من أوراق الشاي خاصّتي، لتتقاسموها وتشربوها مع باقي الفتيات.”
ارتبكت كورا وراحت تتخبّط.
“لم أقصد هذا المعنى بكلامي.”
“لا بأس. يمكننا إبقاء الأمر سرًّا عن رئيسة الخادمات، أليس كذلك؟
أودّ أن أردّ لكِ جميل خروجكِ معنا إلى هنا.”
بدا أنّ كورا تخشى أن تُوبَّخ، فلم تعرف كيف تتصرّف.
وفي النهاية، تدخّل السير لويسِن، الذي كان يأكل ثالث سندويش له، وقال:
“الآنسة إنّما تفعل ذلك عن طيب خاطر، فاقبلي العرض ببساطة.”
وبعد شيءٍ من التردّد، لم تُومِئ كورا برأسها إلّا حين ملأت ديانو فنجانها بالمزيد من الشاي.
“…شكرًا جزيلًا. السيّدة ديانو حقًّا لطيفة.”
“أنا؟”
هزّت ديانو رأسها.
فأوراق الشاي تُقدَّم بلا حساب في القصر الإمبراطوريّ للضيوف، ولو شربت ديانو خمسمئة فنجان لما اهتمّ قصر شجرة البلوط بذلك.
وإنّما رغبت في مشاركتها مع الخادمات لأنّ ديانو كانت تتعاطف معهنّ من أعماقها.
فبرغم اختلاف المكانة، إلّا أنّ ديانو وكورا كلتيهما لا تعيشان إلّا بعمل أيديهما.
ومن هذه الناحية، رأت ديانو نفسها مختلفةً عن بنات النبلاء الاعتياديّات.
بدت كورا أكثر ارتياحًا في هذا المكان.
فراحت تُحادثهما بلا تكلّف، وهي جاثيةٌ بأدب.
“لا بدّ أنّكِ درستِ العلوم والآداب كثيرًا يا سيّدتي ديانو؟”
“درستُ الآداب، ودرستُ الحساب أيضًا……
يمكنني القول إنّني درستُ كلّ ما يُمكن دراسته.”
أرسلت كورا نظرةً امتزج فيها الإعجاب بالاحترام.
“إذا كنتِ ستعلّمين سموّ الأميرة، فلا بدّ أنّكِ معلّمة بارعة حقًّا.”
“ربّما، لكنّني لم أُجرِّب التدريس بعد…….”
تلاشى صوت ديانو في آخر الجملة.
فبعد أكثر من عشر سنواتٍ من الدراسة، لا شكّ أنّ لديها ما يفوق تعليم أميرةٍ لم تتعلّم إلّا داخل القصر الإمبراطوريّ.
وكانت واثقةً أنّها لو وُلِدت رجلًا، لتمكّنت حتّى من الالتحاق وأكمال الدراسةِ اكثر.
لكنّها، مهما رغبت في إثبات قدراتها، لم تكن تملك سبيلًا إلى ذلك ما دامت الأميرة نفسها ترفضها.
بعد أن أنهت ديانو آخر قطعة من الفطيرة بعناية، نهضت من مكانها وهي تنفض أطراف ثوبها.
ونهض السير لويسِن بدوره.
قالت ديانو بنبرةٍ متعمّدةٍ من البشاشة:
“بما أنّنا شبعنا جيّدًا، فلنذهب الآن للبحث عن سموّ الأميرة.”
اقترح السير لويسِن بحذر:
“إن بحثنا عشوائيًّا، فسيحلّ المساء قبل أن نُدرك ذلك.
لنبدأ بتفقّد المواقع البارزة على الطرق المعبّدة.”
“مواقع بارزة؟”
“ككوخ حارس الصيد، أو البرك، أو الأشجار الكبيرة……
هناك نقاط تُعدّ علاماتٍ واضحة.”
“حسنًا. كورا، سنعود قبل غروب الشمس، فاستريحي هنا.”
نظرت كورا بقلقٍ إلى طرف فستان ديانو.
فرغم أنّه كان أريح فستانٍ لديها للمشي، إلّا أنّه لم يكن الأنسب للسير في دروب الغابة.
“هل أنتِ متأكّدة أنّكِ بخير؟”
“ولِمَ لا أكون بخير؟
مهما حدث، فالسير لويسِن سيحميني ببسالة.”
كان في كلامها شيءٌ من المزاح، لكنّ الفارس أومأ برأسه بجدّيّة.
“سأحميكِ ولو على حساب حياتي.”
كان رجلًا لا يفهم المزاح إطلاقًا. تنهدت ديانو وأسرعت بخطاها.
وبرغم أنّ السير لويسِن كان مستعدًّا للموت، لم يكن هناك ما يُهدِّد ديانو.
كان ميدان الصيد في وضح النهار ساكنًا على نحوٍ غريب.
فباستثناء زقزقة الطيور وصرير الحشرات، لم يظهر أيّ أثرٍ للحيوانات.
سار ديانو والسير لويسِن بهدوءٍ على طريق الغابة.
وبعد نحو ساعة، قال السير لويسِن، وهو يتأمّل الأرض تحت قدميه:
“لقد مرّ شخصٌ يمتطي حصانًا من هنا.
لم يمضِ وقتٌ طويل.”
لم ترَ ديانو في الطريق سوى ترابٍ عاديّ، لكنّها وثقت بحكم السير لويسِن.
“هل يمكن أن تكون سموّ الأميرة؟”
“الاحتمال كبير.
فالدخول إلى هنا على ظهر حصانٍ محظورٌ إلّا في أوقات الصيد.”
باستثناء أفراد العائلة الإمبراطوريّة، الذين يمكنهم امتطاء الخيل في أيّ وقت.
فهمت ديانو ما لم يُقَل.
حثّت السير لويسِن بصوتٍ منخفض:
“أسرعي، قبل أن تغادر سموّ الأميرة إلى مكانٍ آخر.”
“لا أظنّ أنّ هناك حاجةً إلى ذلك.”
“ماذا؟”
“أصغِ جيدًا.”
أشار السير لويسِن إلى الفراغ.
أرهفت ديانو السمع.
كان هناك، في مكانٍ ما، صوتُ غناء.
صوتٌ نسائيّ رقيق ينساب مع لحنٍ شجيٍّ جميل.
لم تتبيّن الكلمات بوضوح، لكنّ الحزن كان طاغيًا.
همست ديانو على عجل:
“ابقَ هنا يا سير لويسِن. سأذهب وحدي في ذلك الاتّجاه.”
“ماذا؟ لكن……”
“أليست سموّ الأميرة ترفض الحراسة؟
إذا ظهرتَ أنتَ، فقد تهرب مجدّدًا.”
تردّد السير لويسِن قليلًا، لكنّه وافق في النهاية.
“حسنًا.سأنتظر هنا، فإن حدث شيء……”
“سأصرخ بأعلى صوتي. اطمئن.”
لم تكن تعتقد حقًّا أنّ شيئًا سيحدث.
تحرّكت ديانو بحذر، متتبّعةً صوت الغناء دون أن تُصدر ضجيجًا.
أوّل ما رأته كان حصانًا يشرب الماء وقد غمس أنفه في جدولٍ جارٍ.
لا شكّ أنّه صاحب آثار الأقدام التي رآها السير لويسِن.
رفع الحصان الأبيض الأنيق أذنيه، ثمّ ألقى نظرةً جانبيّة على ديانو.
وحين التقت ديانو بعينيه الصافيتين، همّت بالابتسام دون وعي، لكنّها توقّفت فجأة.
فقد انقطع الغناء.
كانت امرأة تمسك بلجام الحصان تنظر إلى ديانو مباشرةً.
وحين وقعت عينا ديانو عليها لأوّل مرّة، شهقت دون إرادة.
كانت فتاةً فاتنة على نحوٍ غير واقعيّ.
شعرها الأشقر المتموّج كان منسدلًا بلا أيّ زينة،
وجسدها النحيل مكسوٌّ بسروال ركوبٍ وسترة.
كان وجهها أبيض شاحبًا، كأنّه لم يرَ الشمس منذ زمن،
لكنّ عينيها كانتا تشتعلان بمشاعر غامضة.
وكان القوس الذي تمسكه في يدها يحمل آثار استعمالٍ واضحة، دلالةً على أنّه ليس مجرّد زينة.
لولا أنّها لم تُشبه الإمبراطور إلى حدٍّ مدهش، لظنّت ديانو أنّها روح الغابة نفسها.
“مَن أنتِ؟”
قالت الأميرة إليفينلا كاتالوس.
كان صوتها باردًا، كأنّه قادرٌ على تجميد كلّ ما حوله.
ومن الصعب تصديق أنّه الصوت نفسه الذي كان ينشد لحنًا رقيقًا قبل قليل.
شقّت ديانو طريقها بحذر عبر الشجيرات وتقدّمت نحوها.
كانت المسافة تكفي، لو قفزت فوق الجدول، لأن تُمسك بالأميرة.
انحنت ديانو بانضباط.
“تشرفتُ بلقائكِ للمرّة الأولى.
أنا ديانو أورتينسا، وقد استدعاني جلالة الإمبراطور لأتولّى مهمّة تعليم سموّ الأميرة.”
مرّ وقتٌ طويل دون أن تطلب الأميرة منها رفع رأسها.
وفي النهاية، حين كادت ديانو تعجز عن الحفاظ على وضعيّتها، رفعت رأسها على مضض.
كانت الأميرة تحدّق بها بعينين جليديّتين.
ورغم أنّ طولهما كان متقاربًا، إلّا أنّ النظرة جاءت كأنّها من علٍ.
‘انتهى الأمر.’
أدركت ديانو ذلك غريزيًّا.
لن يسير هذا اللقاء في اتّجاهٍ جيّد.
كانت الفتاة الجميلة أمامها تبثّ العداء بكلّ كيانها.
قالت الأميرة بسخرية:
“معلّمة منزليّة؟ هذا مضحك.
وماذا يمكنكِ أن تعلّميني، بالضبط؟”
اشتعل الغضب في صدر ديانو، لكنّها لم تكن غبيّةً بما يكفي لتُظهره.
فمنذ أن توقّعت سوء طبع الأميرة، وهي تتدرّب على الصبر، متخيّلةً شتّى السيناريوهات.
ابتسمت ديانو ابتسامةً لطيفة وقالت بخضوعٍ ظاهريّ:
“…إن منحتيني فرصة، فسأُثبت ذلك.”
لم يبدُ أنّ الأميرة راغبة في منحها أيّ فرصة.
فقد قفزت بخفّةٍ إلى ظهر الحصان الأبيض، بحركةٍ أنيقة وسريعة على نحوٍ مدهش.
كانت نظرتها من فوق الحصان متكبّرة وباردة.
وبغير قصد، تذكّرت ديانو الإمبراطور.
فملامحهما متشابهة، لكنّ وجهه كان لطيفًا ودودًا إلى حدٍّ بعيد.
وكان من العجيب كيف يمكن للملامح نفسها أن تُظهر هذا القدر من الاختلاف.
صرخت ديانو بلهفة، موجّهةً كلامها إلى الأميرة التي همّت بإدارة الحصان:
“فهمتُ أنّ سموّكِ لا ترغبين في تلقّي الدروس.
لكن لديّ أنا أيضًا ظروفي الخاصّة.”
“لا شأن لي بظروفك.”
“لكن ظروفي أمرٌ إمبراطوريّ. أفلا يعنيكِ ذلك أيضًا؟”
تشقّق الجمود على وجه الأميرة.
لكن لم يكن لدى ديانو وقتٌ لتتذوّق نشوة الردّ.
فما إن همست الأميرة بشيءٍ للحصان، حتّى ضرب الأرض بقوّةٍ بقوائمه الخلفيّة وانطلق إلى الأمام.
لم تستطع ديانو حتّى أن تصرخ.
كلّ ما فعلته هو التحديق بذهول في الجسد الهائل الذي اندفع نحوها كالموج.
“آنسة أورتينسا! انبطحي أرضًا!”
لو لم تهوِ بجسدها فور سماع الصرخة، لكانت سُحِقت تحت حوافر الحصان.
قفز الحصان فوقها وهو يرفس بعصبيّة، بينما احتضن أحدهم كتفيها المرتجفتين.
كان السير لويسِن.
حدّق في الأميرة فوق الحصان بنظرةٍ امتزج فيها الذهول بالغضب.
“يا سيّدة إليفينلا! ما الذي تفعلينه بحقّ السماء؟”
ضمّ السير لويسِن ديانو نصف ضمّة، ولم يُخفِ سخطه.
“إنّها شخصٌ استدعاه جلالة الإمبراطور خصّيصًا من أجلكِ. كيف تجرؤين على تهديدها هكذا؟”
لكنّ الأميرة لم تُحرّك ساكنًا أمام هذا التوبيخ العنيف.
حدّقت بالسير لويسِن بعينين متّقدتين بغضبٍ بارد.
وبدا أنّ ديانو المرتجفة في حضنه لم تكن في مجال رؤيتها أصلًا.
كانت ساقا ديانو ترتجفان، لكنّها لم تسمح لنفسها بالسقوط.
شدّت أطراف قدميها على الأرض قسرًا.
فالذي كان أقسى من الخوف هو الإذلال.
قالت الأميرة ببرود:
“إن لم يُعجبك الأمر، فاذهب واشكُ إلى جلالة الإمبراطور. أليس هذا ما تُجيده أكثر من غيره؟”
“يا سيّدة إليفينلا!”
“وبالمناسبة، بلّغه أنّني لن أتزوّج أبدًا.”
صرّت الأميرة على أسنانها.
“قولوا له: فليقتلني إذًا،
ثمّ ليُلبس جثّتي فستانًا، ويرسلها إلى أراسيس!”
وبتلك الكلمات، أدارت الأميرة رأس الحصان.
ولم يكن أمام ديانو والسير لويسِن سوى مشاهدة ظلّها وهي تندفع بقوّةٍ إلى عمق الغابة.
انحدر عرقٌ بارد على طول عمود ديانو الفقريّ.
غامت الرؤية أمام عينيها، واضطربت معدتها كأنّها على وشك الإغماء.
غطّت ديانو فمها بيدها، محاولةً كبح الغثيان.
ربّت السير لويسِن على ظهرها بقلق.
“هل أنتِ بخير، آنسة أورتينسا؟”
“…هل أبدو كذلك؟”
“قد لا يكون هذا عزاءً، لكن…
مهارة سموّ الأميرة في الفروسيّة رفيعة المستوى.
حتّى لو لم تتفادي، لما أُصبتِ بأذى.”
أبعدت ديانو يد السير لويسِن ونهضت مترنّحة.
احمرّ وجهها قليلًا، خجلًا من الموقف، لكنّ ثمّة أمرًا كان أهمّ من ذلك.
نظرت ديانو إلى السير لويسِن مباشرةً وقالت:
“إذًا، لم تكن سموّ الأميرة تكره الدروس بحدّ ذاتها، بل ترفض الزواج.”
“……”
“ولهذا كانت تهرب على هذا النحو.
الآن أفهم ما قصده جلالة الإمبراطور حين قال إنّه لا يستطيع أن يفعل شيئًا حيالها.”
تنفّس السير لويسِن بعمق.
“…إجبار شخصٍ يرفض الزواج على الوقوف أمام المذبح، أمرٌ لا يستطيع جلالة الإمبراطور فعله.”
“ولو كان يستطيع، هل كان ليفعل؟”
بدا السير لويسِن غارقًا في التفكير لحظةً، ثمّ هزّ رأسه مبتسمًا بمرارة.
“لا أدري.”
التعليقات لهذا الفصل " 5"