حلّق إناءُ زهورٍ في قوسٍ فوق رأس فينِيت المنحني، ثمّ ارتطم بالأرض وتحطّم.
ارتجفت فينِيت وهي تتخيّل أنّها لو انحنت أقلّ قليلًا، لتلقّت الإناء في وجهها مباشرة.
“ما إن تتناول هذا الدواء حتّى أنسحب. إنّه المهدّئ الذي اعتدت عليه، وستغفى فورًا.”
مدّ توماس إلى فالنتاين قارورةً زجاجيّة صغيرة لا تتجاوز حجم الكفّ.
راقبت فينِيت السائل الأصفر داخل القارورة بتمعّن، لكنّها ما إن رأت فالنتاين يرفع إناءً آخر، حتّى فرّت من الغرفة كمن يهرب من حتفٍ محقّق.
‘إنّه مجنون فعلًا.’
كانت فينِيت الوصيّة القانونيّة للأمير، وقد خدمت كونتيسة منزل رينجير، مسقط رأس الإمبراطورة، وجاءت إلى قصر الدوقيّة برسالة توصيةٍ مباشرة لتتولّى منصب كبيرة الخدم.
كان تعيين كبيرة الخدم في قصرٍ جديد يتمّ غالبًا بهذه الطريقة، لذا لم يكن الأمر غريبًا في حدّ ذاته.
غير أنّ مهمّةً إضافيّة أُسندت إلى فينِيت، وهي مراقبة منزل دوق يوليوس.
‘راقبتُه طوال هذه المدّة، ولا شيء يُذكر لرفعه في تقرير. أحيانًا يبدو واعيًا، لكنّه يوميًّا يدخل في نوبات، ثمّ ينام كالمغمى عليه. يجب أن أبلغها بذلك.’
ربّما كان العثور على أشخاص لا يصل إليهم نفوذ الكونت أسهل من محاولة إصلاح هذا القصر.
ارتعش جسد فينيت وهي تنظر إلى الغرفة التي ما زال الضجيج يتسرّب منها.
أمّا سلامة إقليم فالمين، التابع لدوقٍ مجنون، فلم تكن تعنيها في شيء.
ما كان يهمّ فينيت حقًّا أمرٌ واحد فقط.
كم ستجني من المكاسب بحجّة ترميم هذا القصر المهمل، وسط هذا الإهمال الفاضح.
كانت تحاول كتم ضحكةٍ زلِقة تسلّلت إلى شفتيها، فلم تشعر حتّى باقتراب ألين، الطبيب المكلّف بعلاج فالنتاين.
“سيّدة بايمان، ما الخطب؟“
“آه، السيّد روتين. إنّني قلقة على صحّة الدوق…”
أرخت فينِيت طرفي عينيها بسرعة، وأشارت إلى الغرفة.
ابتسم ألين ابتسامةً ودودة، ودفعها بلطف من ظهرها.
“جلبتُ مهدّئًا أقوى. لا داعي للقلق، تابعي أعمالكِ الأخرى. لا بدّ أنّكِ مشغولة.”
“آه… حسنًا. إن احتجت إليّ، فاقرع الجرس. عدد الخدم قليل، لكنّنا سنأتي بأسرع ما نستطيع.”
“نعم، مفهوم.”
انحنى ألين لها انحناءةً مقتضبة، وما إن ابتعدت حتّى عدّل نظّارته وسقطت ابتسامته فورًا.
كان قد سمع ضحكتها الخبيثة قبل قليل.
كان يعلم منذ البداية أنّها من اشخاص الإمبراطورة، لكنّها كانت أكثر جشعًا ممّا توقّع.
دفع العربة التي تحمل المستلزمات الطبيّة، وطرق باب الغرفة.
لو كانت فينيت ما تزال هنا، لقال إنّ الطَرق لا طائل منه، لكنّ ألين كان يعلم أنّهم يسمعون.
“سأدخل.”
“يبدو أنّك في أتمّ العافية اليوم أيضًا، سمو الدوق.”
كانت تلك أوّل جملة يتفوّه بها الطبيب العبقري ألين روتين، في وجه فالنتاين المصاب بداءِ الجنون.
وقد وُضِعت الأدوات الحادّة والعقاقير في الطبقة العلويّة من العربة.
“كُفّ عن السخرية. تعمّدتُ إسقاط نظري، فأرهقني ذلك.”
كان ألين يعلم أنّ هذا الرجل، فالنتاين آل فونت ديتشار يوليوس، في كامل وعيه.
ورغم ذلك، يصعب وصف رجلٍ يتظاهر بالجنون بأنّه ‘عاقل‘.
“أليست هذه مهمّتك منذ ثلاثة عشر عامًا؟ ما الجديد الآن؟“
“هاه، ألين. حتّى أنا أُنهِكتُ من الصراخ معكم.”
أخرج من الطبقة السفليّة للعربة قارورتين بنيّتين، وناول إحداهما لفالنتين والأخرى لتوماس.
كان دواءً فعّالًا لاستعادة النشاط.
“لا أحد يُجيد هذا سواك يا ألين.”
“سيفيد أيضًا في ترطيب الحلق الجافّ من كثرة الصراخ.”
أومأ توماس برأسه سريعًا، وقد بدا عليه الامتنان.
ثمّ تذكّر فينيت، التي بقيت متسمّرة في الغرفة رغم فزعها، فطقطق لسانه بامتعاض.
“العيون التي تراقبنا كثيرة. بعد القتلة، جاء دور الجرذان.”
“لاحظتُ آثار محاولة فتح خزانتي المقفلة ليلة البارحة. وفيها أدوية قد تصبح سمًّا إن أسيء استخدامها.”
“إن أراد أحدهم التسميم، فلن يكون الأمر صعبًا في هذا القصر.”
تراكمت مخاوف توماس وألين أكثر من الغبار على إطار النافذة.
حتّى دون تمثيل نوبات فالنتاين، لم تكن الغرفة نظيفة أصلًا، كأن لا وجود لكبيرة وصيفات.
“سمو الدوق، لا أحد في هذا القصر يقف في صفّك سوانا. لكن لولا تمثيل الجنون، لما كان لي أو للسير توماس سبيلٌ لطردهم دون إثارة الريبة.”
التعليقات لهذا الفصل " 5"