“أليس هذا أمرًا لا مفرّ منه؟ لقد التوى خصري هذا الصباح.”
‘من المؤكّد أنّه تظاهر بالمرض فقط كي لا ينحني برأسه لمرتزقة!’
رمقته فينيت بنظرةٍ حادّة.
وكان مجرّد عبثه بشاربيه الممدودين يمينًا ويسارًا، متعمّدًا تجنّب التقاء العيون والتحديق في الفراغ، كافيًا ليغيظها إلى حدّ لا يُطاق.
منذ البداية، لم تكن فينيت مرتاحةً لهذا الرجل المسمّى كونفي.
لا يبدو أنّه جاء بتوصيةٍ رسميّة من الكونت رينجير، ومع ذلك كانت تربطه به علاقةٌ ما، على نحوٍ غامض.
كما أنّه انطلق معهم من الإقطاعيّة نفسها.
وفوق ذلك، بدا في الظاهر شخصًا سهل التعامل، لكنّها كانت تشعر أحيانًا بهالةٍ غريبةٍ يستعصي وصفها بالكلمات.
“يبدو أنّ خصرك يؤلمك كلّ يوم.”
“ههه، مع تقدّم السنّ يضعف الجسد حقًّا. ولهذا فأنا أعتمد على السيّدة أكثر، أليس كذلك؟“
لم تستطع فينيت التخلّص من شعورها بالنفور وعدم الارتياح من هذا كبير الخدم الغامض كونفي، مهما تفنّن في إطلاق كلمات التملق بسهولة.
“الاعتماد شيء، لكن لا تلقِ بالأعمال على عاتقي.”
“ههه، سأضع ذلك في الحسبان.”
“الكلام سهل…”
“على أيّ حال، هل صحيح أنّ تلك المرأة العاميّة جعلت الدوق يهدأ أثناء نوبته؟ ومن دون دواء؟“
لمع بريق الفضول في عيني كونفي الكبيرتين أصلًا، حتى بدا شكله شبيهًا بيعسوبٍ غريب.
فشعرت فينيت بنفورٍ أشدّ، فأدارت نظرها عمدًا إلى مكانٍ آخر.
“نعم، هذا ما حدث. وعلى كلّ حال، لديّ الكثير لأقوم به، فاسمح لي.”
وبما أنّ ضيقها لم يزل، تركته خلفها ومضت.
لكنّ كونفي، حتى بعد أن بقي وحده، ظلّ واقفًا برهةً طويلة يحدّق في الغرفة التي تقيم فيها ريجينا.
ظلّ ينظر إلى الباب المغلق لأكثر من عشر دقائق، من دون أن يرمش بعينه أو يبتلع ريقه مرّةً واحدة.
****
بعد أن أخرجت فينيت من الغرفة، أخذت ريجينا تتفحّص المكان الذي ستعيش فيه لعامٍ كامل.
‘مهما كانت المهمّة طويلة الأمد، فإنّ ابتعادي وحدي هكذا أمرٌ لم أختبره منذ زمن.’
حتى المهمّات التي كانت تمتدّ عبر القارّة لم تكن تدوم غالبًا أكثر من فصلين.
وكانت دومًا برفقة أعضاء النقابة.
‘على الأقلّ، لا يبدو أنّ في الغرفة تجهيزاتٌ خاصّة أو أفخاخ خفيّة.’
مرّرت ريجينا أطراف أصابعها على الجدران ببطء، باحثةً عن أيّ شيءٍ مريب قد يكون زُرع سرًّا.
ففي نقابة بيرسونا، لم يكن أحدٌ غيرها قادرًا على تمييز وجود السحر والتعاويذ.
لكن، ولحسن الحظّ، لم يظهر شيءٌ غير اعتيادي.
لم يكن في المكان سوى فراغٍ وبرودةٍ موحشة، كأنّها شهادةٌ على أنّ الغرفة ظلّت بلا مالك زمنًا طويلًا.
“لو علموا أنّني هنا وحدي، لقامت القيامة.”
لم يكن يعلم بهذه المهمّة سوى ماوت، وغايل، وروزي.
أمّا شانرو، فكان من بين أمهر خمسة في بيرسونا، وربّما أفشى ماوت له الحقيقة أيضًا.
“ومع ذلك، يزعجني قليلًا أنّني كذبت.”
في الواقع، لم تستطع ريجينا كشف الحقيقة كاملة.
خرجت من بيرسونا بذريعة زواجٍ تعاقديّ بلا مراسم، لا غاية له سوى الحماية.
‘طالما ضمنتُ الطلاق، فسأحلّ الأمر قبل ذلك وأعود، ولن يعلم أحد.’
لو علموا أنّها وقّعت عقد الزواج فعلًا، لهجموا عليها جميعًا.
ولأعلنوا بطلانه، وربّما هاجموا فالمين كذلك.
فعلى الرغم من مظهرهم الخشن، فإنّ معظم أفراد بيرسونا يعتمدون على الدين.
وكانوا، على غير ما يُتوقّع، يقدّسون الزواج ويضعون أرواحهم على كفّ الميزان وفاءً بالعهود.
“…الهدف عامٌ واحد. خلاله سأجعل هذا المكان آمنًا، ثمّ أعود إلى بيرسونا ومعي الدفعة المتبقّية.”
نظرت ريجينا إلى الغرفة القاحلة، التي لا تقلّ جفاءً عن أجواء القصر، وحسمت أمرها.
ستنجز ما يُرضي صاحب المهمّة خلال عام، ثمّ ترحل.
***
في ساعةٍ كان الجميع فيها غارقين في عالم الأحلام، فتح فالنتاين عينيه، بعدما ظنّ الجميع أنّه غارق في نومٍ عميق بفعل الدواء.
لم يكن في عينيه أيّ أثرٍ للنعاس أصلًا، إذ إنّ ما أعطاه له آلين لم يكن سوى شرابٍ عاديّ.
نهض من سريره وفتح النافذة على مصراعيها.
“ويل.”
تلفّظ فالنتاين بالاسم، وهو يقف على بُعد خطوةٍ من النافذة.
فإذا بظلٍّ متلوٍّ، كالأفعى، يزحف على الجدار ويتجاوز إطار النافذة حتى بلغ أمامه.
ثمّ ما لبث أن تجسّد منه رجلٌ بشعرٍ رماديّ.
“هل استدعيتني، سموك؟“
“وأين هارني؟“
“اكتملت الاستعدادات. بمجرّد صدور الأمر، يمكننا الانتقال إلى فالمين فورًا.”
كانت عينا ويل الرماديّتان تفيضان بالولاء، نظرة من يتمنّى لو يركع في الحال ويضع جبهته على الأرض.
وهو ولاءٌ متجذّر في طبيعة عشيرة الظلال، التي إن اتّخذت سيّدًا، وضعت حياتها رهنًا له.
“همم، لقد أدخلتُ قطةً رائعة لطرد الفئران.”
لم يجد فالنتاين حيوانًا أنسب لها من القطة.
ربّما لبرودة نظرتها اللامبالية، أو لحدّة عينيها التي تستحضر هذا التشبيه تلقائيًّا.
“هل مهارة تلك المرتزقة إلى هذا الحدّ؟ إلى درجةٍ تجعلك تنتظرها بثقة؟“
“بلا شكّ. فمنذ اليوم الأوّل، قامت بطرحي أرضًا.”
“يا له من تصرّفٍ وقح!”
انتفض ويل غاضبًا من فكرة أنّ أحدًا تجرّأ على سيّده، لكنّه لمح الابتسامة المرتسمة على شفتي فالنتاين.
بل بدا كأنّه استحسن فعلها.
حتى ويل، الذي خدمه قبل آلين وتوماس،
لم يكن قادرًا على فهم هذا الرجل فهمًا كاملًا.
“يبدو أنّ الفارس توماس لا يثق بها أبدًا.”
“ذاك الرجل ضيّق الأفق. حتى حين التقيتُه لأوّل مرّة، نفَر منّي لأنّني من أقلّيّة.”
“ثمّ ينتهي به الأمر أن يُلدغ، أليس كذلك.”
كان ويل يعلم أنّ فالنتاين ليس ممّن يمنحون عاطفتهم للناس،
ولذلك لم يشعر بنفورٍ خاصّ من بروده الذي يلامس القسوة.
فحتّى لو مات هو، أو توماس، أو آلين، أو رجال هارني،
لبقي فالنتاين على تلك الملامح الفارغة.
وربّما انزعج فقط من عناء البحث عن أدواتٍ جديدة.
‘لقد احترقت روح سيّدي يوم احترق ذلك المستودع. وما تبقّى الآن ليس سوى دميةٍ لا تحرّكها إلا الكراهية والانتقام.’
في تلك اللحظة، اتّجهت رؤوس فالنتاين وايل معًا نحو الباب.
كان هناك من يقترب بخطى سريعة.
تلاشى ايل على عجلٍ خلف الستار،
ذاب في الظلّ الطويل كأنّه لم يوجد في الغرفة أصلًا.
“…هل كان مجرّد وهم؟ لقد شعرتُ به بوضوح.”
تسلّل همس ريجينا عبر شقّ الباب.
تردّدت قليلًا أمام الغرفة، ثمّ بدا أنّها عادت أدراجها.
حلّ صمتٌ ثقيل، أثاره حضور المرتزقة الحادّ.
وكان فالنتاين وحده من بدا مرتاحًا.
وبعد لحظات، دوّى زفيرٌ طويل، ورفرف الستار بقوّة.
كان ذلك لأنّ توتّر ويل، المختبئ في الظلّ، قد انحلّ.
ابتسم فالنتاين وسأل.
“أرأيت؟ إنّها نافعة، أليس كذلك؟“
“…لقد شعرت بوجودي من الغرفة المجاورة.”
لم يكن هذا مجرّد ‘نفع‘.
لم يتخيّل ويل قطّ أنّ حركاته، الأشدّ خفاءً من الظلال، قد تُكتشف.
فلم يسبق أن كُشف أمره سوى من قِبَل فالنتاين، الذي يصعب عدّه إنسانًا بالمعنى المألوف.
“سيّدي، ما دامت تلك المرتزقة هنا، سيكون دخولي وخروجي من القصر صعبًا. سأعود لاحقًا مع هارني.”
“حسنًا.”
“وأمّا توماس…”
‘يبدو أنّ عليه أن يعرف حدّه.’
أطلّ ويل بعينيه من الظلّ، وحين رأى ابتسامة فالنتاين، آثر الصمت.
بدا أنّ سيّده يفضّل أن تتكفّل المرتزقة بالأمر.
“اذهب.”
تزحزح الظلّ الكثيف خلف الستار، وزحف كالأفعى، ثمّ قفز عبر النافذة المفتوحة واختفى.
نظر فالنتاين إلى ويل وهو يبتعد بسرعة، وشعر بندمٍ طفيف.
‘كان ينبغي أن أختبر إن كانت تستطيع صيد الأفاعي أيضًا.’
لكنّه سرعان ما محا الفكرة.
فريجينا، حين تواجه قتلةً مأجورين، تكون عنيفة بعض الشيء،
ولو اكتشفت ويل في الظلّ، لغرزت سيفها فيه بلا تردّد.
ولم يكن مستعدًّا لخسارته بعد.
بقي فالنتاين وحده، يحدّق في القمر المستدير.
وتسلّل إلى ذاكرته خبرٌ قديم، عن والده، الإمبراطور السابق، الذي لم يكن له من هوايةٍ سوى تربية كلاب الصيد.
‘هل صرتُ أشبهه؟‘
إذًا، هل ما أربيه أنا قطة صيد؟
ضحك فالنتاين من سذاجة الفكرة، لكنّ الحقيقة أنّه كان متشوّقًا.
ليعرف أيّ مهارة صيدٍ ستُظهرها في هذا القصر.
****
كان نوم ريجينا خفيفًا بطبعه.
وخلال المهمّات، كانت حواسّها تشحذ نفسها تلقائيًّا.
وفوق ذلك، شعرت في ليلتها الأولى في القصر بدفوقٍ غريب.
وحين قضت الليل على تلك الحال، استقبلت الصباح المشرق بإرهاقٍ ثقيل بدل الانتعاش.
وهكذا، كان صباحها الأوّل في القصر هو الأسوأ.
‘ماذا عليّ أن أرتدي؟‘
بحسب شروط المهمّة، كان عليها أن تقلّد دوقةً على الأقلّ.
لكنّ أمتعتها لم تحوِ سوى سراويل جلديّة ومعاطف عمليّة.
أمّا فساتين السيّدات الأنيقات، فكانت أقرب إلى الأساطير.
“أنا آلين روتين. هل تسمحين لي بالدخول؟“
“تفضّل.”
دخل آلبن الغرفة، وبدا عليه الارتباك.
فبينما تنام السيّدات النبيلات عادةً بقمصان النوم، كانت ريجينا ترتدي قميصًا خفيفًا من الكتّان، وفوقه صديريًّا جلديًّا، وسروالًا جلديًّا.
أمّا حذاؤها، فلم يكن ذاك ذو الكعب العالي، بل حذاءً جلديًّا متينًا.
ولسببٍ ما، بدا هذا المظهر في عينَي آلين أنيقًا، فازداد حيرته.
‘إذًا، هذا الطبيب وذلك الفارس هما الأقرب إلى صفّ الدوق.’
كانت نظّارته السميكة لافتة دائمًا.
لكن منذ اللحظة الأولى، أدركت ريجينا حدّة نظرته خلف الزجاج.
فهو بنفسه من جاء يطلب حماية الأمير.
“ملابسي هكذا. يبدو أنّ عليّ زيارة متجرٍ للأزياء إن أردتُ لعب دور الدوقة.”
“آه، في الحقيقة جئت بسبب هذا الأمر. الدوق يتناول دواءه وينام في هذا الوقت. وفي فترة بعد الظهر، سيزورنا مصمّمٌ لقياس الفساتين. يمكنكِ طلب كلّ ما تحتاجينه.”
“وهل تتحمّل أسرة الدوق التكاليف؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 12"