“هل يمكن أن يكون أحدهم… أشعل النّار للتّستر على ذلك؟”
“لا أعرف. فإشعال النّار عمدًا لإخفاء سرقة لم تُكتشف بعد أمر يصعب قبوله بسهولة.”
“إذن ماذا؟ تقول إنّ السّرقة التي حدثت قبل الحريق مباشرة و لا علاقة لها بالحادث؟”
تظاهرتُ بدور الضّحيّة و سألته بنبرة تشبه نبرة التحدّي. محاولةً عدم الانهزام أمام نظرته الثّاقبة.
“أنا أيضًا أرى أنّها مصادفة دقيقة جدًّا لتكون مجرّد صدفة. مع استمرار التّحقيق، ستظهر بالتّأكيد نقطة اتصال ما.”
كلامه يوحي بأنّ الأمر قد يكون هكذا، لكنّ سلوكه يبدو وكأنّه قد توصل إلى نتيجة بالفعل.
لم تنتهِ أسئلته عند ذلك.
“أخيرًا، سؤال واحد فقط. بشأن هويّات المتوفّين في الحادث.”
“أليس كلّ ذلك قد ظهر بالفعل؟”
“أريد التّأكّد مرّة أخرى فقط. أوّلاً، البارون و البارونة. أتقدّم بتعازيّ.”
“شكرًا.”
“ثمّ في الطّابق الثّاني خادم و خادمة، وفي الطّابق الأوّل خادمة واحدة، و أخيرًا سائق عربة خرج من القصر لكنّه توفّي في النّهاية. هكذا تـمّ تحديدهم.”
أومأتُ برأسي. ربّما كانت الخادمة التي ماتت في الطّابق الثّاني هي روزالين.
نظر إليّ آش بهدوء ثمّ سأل:
“أنا أجد أمر الخادم و الخادمة الّلذين توفّيا في غرفة نومكِ غريبًا جدًّا. يمكن للخادمة أن تدخل غرفة سيّدتها الصّغيرة، لكن لماذا كان الخادم هناك؟”
عند سماع ذلك، أدركتُ أنّه محقّ. حتّى البارون تيسيس نفسه نادرًا ما يدخل غرفة روزالين، فلماذا يدخلها خادم؟
“حـ، حقًّا.”
“بل إنّ الخادمة التي عُثر عليها في غرفتكِ يُعتقد أنّها إيما هامبتون، فكيف استطاعت خادمة تمّ طردها الدّخول إلى غرفتكِ؟”
الأمر يصبح أكثر تعقيدًا.
الّتي ماتت هناك ليست أنا، بل روزالين. لذا وجود روزالين في غرفتها أمر طبيعيّ.
لكنّ وجود خادم ذكر معها. لماذا؟
‘لحظة. الخادم… الخادم… آ، آه، هل يعقل…؟’
بعد اليوم التّالي للحفلة الأولى، رأيتُ روزالين تقف على درج السّلّم و هي تتحدّث بهمس مع شخص ما و تضحك بصوت عالٍ. كان الشّخص الّذي تتحدّث معه بالتّأكيد خادمًا أرسلته عائلة الكونت برو. أتذكّر أنّه كان وسيمًا جدًّا، كما يليق بخادم في منزل ثريّ.
‘ظننتُ أنّهما يتبادلان نكات خفيفة فقط، فلم أهتمّ.’
ربّما كانا يتبادلان حديثًا عابرًا فعلاً. لكنّ روزالين، التي عادت من الحفلة ذلك اليوم مهانة، بدت سعيدة منذ ذلك اليوم، و هذا أمر غريب بالتّأكيد.
إذا كان هناك شعور ما قد نشأ بينهما…؟ إذا كان حبًّـا مستحيلاً انتهى بانتحار مشترك…؟
شعرتُ بقشعريرة في مؤخّر رأسي من الفرضيّة التي خطرت لي فجأة، لكنّني حاولتُ تهدئة نفسي.
‘لا، لا يمكن الحكم بسرعة. قد أكون أنا مَنٔ يحاول تركيب الأمور.’
ليس من الجيّد أن يلاحظ آش هذا الاضطراب.
“أنا لا أعرف. ربّما اقتحمت إيما غرفتي لتؤذيني، و الخادم لحق بها ليخرجها… لا، لا أعرف.”
أنزلتُ حاجبيّ و هززتُ رأسي.
“لا أعرف ما الذي حدث في القصر ذلك اليوم، لكنّه كان مختلفًا عن المعتاد بالتّأكيد. أتمنّى أن يكشف حضرة المحقّق ماكالين الأمر.”
“يبدو أنّها ليست قضيّة بسيطة، فالعثور على خيط ليس سهلاً.”
كنتُ أدعو داخليّ أن لا يعثر عليه أبدًا، أن يصبح الحادث شيئًا لا يتذكّره أحد إلى الأبد.
“لكنّني سأبذل قصارى جهدي. لذا، إذا أزعجتكِ قليلاً، أرجو أن تساعديني بكرم.”
“ماذا؟ ماذا تعني بـ’أزعجكِ قليلاً’…؟”
“من بين الّذين كانوا في المنزل الرّيفيّ، النّاجية الوحيدة هي الآنسة روزالين. لذا، الشّخص الوحيد القادر على حلّ شكوكي هو الآنسة روزالين أيضًا.”
آه…!
كان حدسي صحيحًا بأنّه سيكون أصعب من المسؤول السّابق. هذا الرّجل ليس صعبًا فحسب، بل عنيد و خبيث.
ما معنى قوله “النّاجية الوحيدة هو أنتِ” أو “الشّخص الوحيد القادر على حلّ شكوكي هو أنتِ”.
ألا يعني بقوله أنّني الأكثر شبهة، فلا يجب أن أفكر في الهروب.
من السّهل ألّا يشكّ في نبيلة فقدت والديها، لكنّ هذا الرّجل ليس سهلاً.
“آه، بالطّبع! يشعرني حماسكَ للتّحقيق بالأمان الشّديد.”
ابتسمتُ ابتسامة عريضة. كشخص بريء و نقيّ.
لا أعرف ما الذي يجعله يشكّ بي، لكنّ الأمر بخير طالما لا يمسك عليّ أي ثغرة.
* * *
عندما خرج آش من قصر الكونت برو، كانت ابتسامة خفيفة تعلو شفتيه.
خلال العشرة أيّام الماضية، لم يأمره رئيسه المفتّش لينبرك بالعودة إلى هذه القضيّة، مستخدمًا حججًا مختلفة. حتّى بعد أن تمّ تعزيز قوى المحقّق وايت في قضيّة الاتّجار بالبشر.
‘السّبب واضح. فالّذي يقيّم أداء المفتّش لينبرك هو المفتّش العام أستريد.’
الشّائعات عن سعيه لترقية قريبه أمر يؤلم الفم حتّى لمجرّد ذكره.
مع مرور الوقت، تختفي الأدلّة و الشّهود، فانتهى الأمر بمواجهة آش للمفتّش لينبرك مباشرة.
“من فضلك ، أعطني أمر العودة.”
“قضيّة الحريق تلك، يكفي ترتيب تقرير التّسليم من المحقّق فيديلو جيّدًا و تقديمه. لذا ركّز على مساعدة المحقّق وايت.”
“كلامكَ الآن يعني أنّكَ ألقيتَ عليّ عمدًا قضيّة لا تستحقّ النظر؟”
“ل، لا، لماذا تقول ذلك؟ أنا فقط لأجل راحتك…”
“المشكلة أنّني لستُ مرتاحًا. لديّ أيضًا ماء وجه للحفاظ عليه في العائلة.”
عند سماع كلمة “العائلة”، ارتجف المفتّش لينبرك و تراجع.
في كلّ مرّة، يضطرّ لاستخدام اسم العائلة غير المرغوب فيه، مما يجعل مزاجه سيّئًا، لكنّه على الأقلّ استعاد ملفّ القضيّة، فهذا أمر جيّد.
‘قضيّة سهلة؟ أيّها الحمقى.’
هل يرى مسؤولو قسم الشّرطة الّذين يغارون فقط من صراعات السّلطة أنّ هذه قضيّة تنتهي بخمس صفحات فقط؟
في نظره، إنّها قضيّة غريبة تحمل ألغازًا عديدة.
‘روزالين تيسيس… يبدو أنّ اهتمام المجتمع الرّاقي يزداد بها كوريثة عزباء.’
حسب الشّائعات، عائلة البارون تيسيس ليست غنيّة جدًّا. لكنّ الزّواج منها يمنح لقب البارون فورًا، لذا سيكون مغريًا للرّجال الّذين يملّون انتظار موت والديهم، أو للأبناء الثّانيين الّذين لا يحقّ لهم وراثة اللّقب.
حتّى أنّ أخاه الثّاني كارل قال مثل هذا الكلام بعد الحفلة السّابقة.
“آش، أنتَ مسؤول عن قضيّة موت والديّ تلك الآنسة، أليس كذلك؟ استخدم ذلك كذريعة للتقرّب منها جيّدًا. هكذا قد تحصل على لقب على الأقلّ.”
قالها بنبرة ساخرة جدًّا، لكنّها لم تبدُ مزاحًا كاملاً.
على عكس الأخ الأكبر جويل الّذي سيرث كلّ شيء في عائلة الكونت، كارل الابن الثّاني الّذي يعتمد على ما يعطيه له أخوه، يرى أخاه غير الشّقيق الّذي جاء فجأة شوكة في عينه. فاللّقب و الثّروة المحدودة ستُقسّم.
لذا يقول بسهولة: لا تطمع في لقب زائد، و ابتعد بنفسك.
بالطّبع، لم يتراجع آش بطاعة.
“من الصّعب تقديم شخص قد يكون مشتبهًا في القضيّة لأخي. ابحث عن شخص آخر.”
“ماذا؟ لا، ليس لي…”
“الأمر سيان مع أي شخص آخر. إذا لزم الأمر، أخبره أن يتواصل مع الكونت برو.”
ثمّ قام و خرج.
‘يبدو أنّ روزالين تيسيس لا تعجب كارل أبدًا؟’
سخر ضاحكًا في سرّه. بدت و كأنّها قادرة على اللّعب بكارل إذا أرادت.
تذكّر آش ذلك الحادث و ضحك بخفّة، ثمّ أخرج دفتر ملاحظاته من جيبه و تحقّق مرّة أخرى من سجلّ معاملات حساب البارون تيسيس الذي بحثه في البنك المركزيّ.
في 19 مايو، تمّ سحب 8 ملايين غيلدن، و بعدها أصبح الرّصيد صفرًا.
“في الواقع، سحب آدم تيسيس مبلغًا كبيرًا قبل وفاته، و بسبب الحريق كما تعلم، احترق كلّ ذلك المال. شركة التّأمين ترفض دفع التّعويض لأنّ حجم الخسارة الفعليّة غير دقيق.”
“لقد خسرت الآنسة روزالين كثيرًا إذن.”
الّتي يُتوقّع منها كـ”وريثة” في المجتمع الرّاقي، من المحتمل جدًّا أن تكون تحت ضغط ماليّ كبير الآن.
لا أعرف إلى أيّ مدى يدعمها الكونت برو و زوجته، لكنّهما ليسا من الأشخاص الذين يعطون بسخاء لقريب بعيد يُعتبر غريبًا.
في مثل هذه الظّروف، ماذا تفعل روزالين تيسيس؟
أصبح فضوله شديدًا إلى درجة أنّه قرّر هذه الزّيارة المفاجئة. فإذا كانت مرتاحة ماليًّا، فذلك يعني وجود مصدر تمويل غير ظاهر، و قد يكون ذلك سبب هذه القضيّة.
لكنّ روزالين يبدو أنّها بريئة على الأقلّ في مسألة المال.
‘عندما ذكرتُ اختفاء المجوهرات قبل الحريق، أدركت وجودها فقط في تلك اللحظة.’
لو كانت امرأة مهووسة بالمال، لكانت تذكّرت صندوق مجوهراتها أوّلاً. ليس و كأنّها نسيت وجوده.
لكنّ بشأن الموضوع التّالي، حسنًا.
‘عندما ذكرتُ المتوفّين، تجنّبت عينيّ لأوّل مرّة.’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"