هل يمكن اعتبار شعوري بأنّه يسخر منّي دليلاً على أنّ مقولة اللص يرتعد من تلقاء نفسه؟
في الحقيقة، كنتُ أتجنّب لقاء الشّرطة طوال الوقت مستخدمةً صدمة فقدان والديّ كذريعة. لم أخضع للتحقيق المباشر إلّا في بداية الحادثة قبل تغيير المسؤول، و بعد ذلك تولّى الكونت برو و زوجته الأمر بنشاط.
لكن لا يمكن أن يستمرّ الأمر هكذا إلى الأبد. حان الوقت لكي أشدّ من عزيمتي و أرفع من مستوى تمثيلي.
“أجل. كنتُ أشعر بالأسف الشّديد لاستبدالي التّحقيق بالمراسلات طوال هذه المدّة. لكنّ الحديث مباشرة عن ذلك الحادث كان مؤلمًا جدًّا حقًّا…”
“أفهم ذلك. ففي النّهاية، فقدتِ عائلتك بأكملها.”
“نعم…”
توقّفتُ هنا قليلاً و ضغطتُ على أسناني الخلفيّة بقوّة. جعلتُ عينيّ رطبتين، و رفعتُ نظري إلى السّقف كأنّني أحاول كبح الدّموع.
رمشتُ ثلاث أو أربع مرّات، ثمّ شهقتُ زفيرًا عميقًا و بطيئًا، و عُدتُ إلى رسم تعبير يوحي بأنّني بخير.
بهذا تكتمل صورة “المرأة البائسة التي تحاول إخفاء ألمها” في نظر أيّ شخص يراها.
“هل هناك شيء جديد تمّ اكتشافه بعد آخر خبر تلقّيته؟”
“بسبب احتراق القصر بالكامل و تلف معظم الأدلّة، يتقدّم التّحقيق ببطء، لكنّنا اكتشفنا بعض النّقاط المشبوهة.”
لم يبدُ أنّ آش ماكالين تأثّر بتمثيلي مطلقًا.
فمه كان مغلقًا بخطّ مستقيم تمامًا، و مع ذلك أشعر باستمرار أنّه ينظر إليّ من الأعلى بسخرية.
“لا يزال من السّابق لأوانه الحديث عن التّفاصيل، لكنّه قد يتعيّن علينا النظر إلى الحادث من زاوية مختلفة تمامًا.”
“ماذا تعني بزاوية مختلفة؟”
“الجميع يعتقد أنّه مجرّد حادث حريق عاديّ، لكنّني أبقي على جميع الاحتمالات مفتوحة.”
توقّف قليلاً ثمّ قال:
“ربّما يكون انتقامًا ناتجًا عن علاقة عداء، أو حريقًا متعمّدًا للتّستر على جريمة أكبر.”
بدا و كأنّه ينتظر أن أرتجف، لكنّني لم أشعر بأيّ ذنب. أنا لستُ متورّطة في ذلك الحريق أصلًا.
“كانت عائلتنا قد انتقلت إلى هنا من تيسيس قبل عشرين يومًا فقط. مَنٔ كان يمكن أن يحمل لنا ضغينة؟”
“مَنٔ يتبادر إلى الذّهن فورًا هو الآنسة إيما هامبتون. و قد تكون هناك علاقات أخرى متشابكة أيضًا.”
“إيما؟ لو أرادت إيما الانتقام، ألم تكن لتفعل ذلك بحقّ عائلة دارتمور؟”
“سمعتُ أنّ هناك حديثًا عن أنّها تعرّضت للتّهمة ظلمًا.”
لماذا يخرج هذا الكلام الذي طالما أردتُ سماعه الآن فقط؟
كنتُ أرغب بشدّة في التّحدّث من وجهة نظر إيما هامبتون، لكنّني الآن روزالين تيسيس.
“ظلم؟ ماذا تقصد بذلك؟”
“هناك حديث يقول إنّ الّتي سكبت النّبيذ على تنورة الآنسة دارتمور لم تكن إيما هامبتون.”
هل شهد أحد تلك اللحظة حقًّا؟ مستحيل.
لو كان الأمر كذلك، لأبلغت عنه هيذر في اللحظة التي غضبت فيها. فهي ابنة شخصيّة ذات نفوذ كبير، بينما روزالين مجرّد فتاة ريفيّة صعدت حديثًا، يمكن للجميع التّسلّي بها.
‘هذا الرّجل يختبرني الآن.’
و هذه ليست المرة الأولى التي أتعرّض فيها لمثل هذا “الاستجواب”.
“لا، ليس كذلك. إيما هي مَنٔ أسقطته بالخطأ فعلاً. بالطّبع، ربّما قد حملت ضغينة لأنّني لم أتمكّن من تهدئة الأمر بشكل جيّد…”
يقول المجرمون: قبل ظهور دليل قاطع، أنكر كلّ شيء مهما كان. بوقاحة، و بمظهر البراءة التّامة و الظّلم الشّديد.
بهذا يمكن تجنّب أسوأ عقوبة حتّى لو كان الخصم نبيلاً.
تعاليمهم تُضيء طريقي اليوم أيضًا.
“أها.”
بدت و كأنّ آش قد قرّر إنهاء استجوابه اليوم عند هذا الحدّ لعدم وجود تقدّم إضافيّ في الحديث.
لكنّ الانفصال هكذا قد يدفع النّاس لتوجيه نظرات الشّكّ إليّ، لذا أضفتُ كلمة لقلب الجوّ.
“هل كنتُ مخطئة في ذلك الوقت؟ أليس كذلك؟ حتّى بالنسبة لكَ يبدو الأمر و كأنّ كلّ ذلك حدث بسببي، أليس كذلك يا حضرة المحقّق؟”
كنتُ أحتفظ بالدّموع لهذه اللحظة تحديدًا.
استعدتُ ذكريات طفولتي المؤلمة التي شعرتُ فيها بالظّلم الشّديد، و أجبرتُ الدّموع على التّدفّق.
هذه المرّة أيضًا تظاهرتُ بالصّبر، لكنّني لم أمنع أنفي من الاحمرار و تكوّن الدّموع في زاوية عينيّ.
سؤالي كان عاطفيًّا جدًّا و غير لائق، لكنّ ذلك لا يهمّ.
أنا الآن امرأة فقدت والديها قبل فترة قصيرة و غارقة في الحزن.
هذا المستوى من الوقاحة سيُغفر بسهولة.
و كما توقّعتُ، مـرّ لأوّل مرّة شيء يشبه العاطفة على وجه آش الجامد.
“لا، لم أقصد ذلك.”
“لكنّكَ افترضتَ أنّ إيما فعلت ذلك بسبب التّهمة الظّالمة…”
“إنّها مجرّد واحدة من الاحتمالات العديدة جدًّا. أعتذر لأنّني لم أراعِ مشاعر الآنسة تيسيس التي تعاني صدمة كبيرة و تفوّهتُ بكلام غير مدروس.”
اعترف بخطئه و تراجع بسرعة أكبر ممّا توقّعتُ. كنتُ أتمنّى لو صمّم أكثر قليلاً.
حسنًا، يبدو أنّ التّحيّة يجب أن تنتهي عند هذا الحدّ. فالكونت برو و زوجته بديا محرجين بعض الشّيء.
* * *
غيّر آش رأيه في روزالين تيسيس. لم تكن تلك الريفية السهلة التي تخيّلها.
‘لقد هاجمتني. بدت و كأنّها تقول لي: لا تستهن بي.’
كان لديه موهبة في قراءة الصّدق من ردود فعل الآخرين. موهبة صنعتها طفولته المضطربة و هو يراقب أمّه الممثلة البارعة، بينما يتساءل هل تحبّه حقًّا أم ستتركه يومًا.
لذلك كان يعتقد بصدق أنّ مجرّد مواجهة روزالين تيسيس و تبادل بضع كلمات سيمنحه خيطًا للحادث بسهولة. فلم يسمع أيّ حديث عن ذكائها عندما بحث عن خلفيّتها.
“روزالين تيسيس؟ آه، تقصد ضيفة ذلك القصر الذي احترق هذه المرّة؟ همم… لا أتذكّر جيّدًا كيف كانت.”
“كان شعرها بنيًّا، أليس كذلك؟”
“لا، سمعتُ أنّه أحمر.”
معظم النّاس لم يكونوا يعرفونها أصلًا.
و حتّى الّذين يتذكّرونها لم يكن لديهم انطباع قويّ عنها.
“كانت نبيلة ريفيّة نمطيّة. لا تعرف شيئًا و غير راقية أبدًا. حسنًا، لم أنظر إليها عن كثب.”
“كانت تبدو جميلة نسبيًّا، أليس كذلك؟ أم لا؟”
“ربّما كانت جميلة. و إلّا هل كانوا سيجرؤون على إحضارها إلى هيرونا؟ فعائلتها لا تملك سوى لقب تافه إضافة إلى ذلك.”
تحدّث بالفعل مع هيذر دارتمور أيضًا.
أفشت هي كلّ شيء عن سخريتها من روزالين و عن مطالبة الخادمة التي سكبت النّبيذ بتعويض كبير.
“ربّما كانت تلك الريفية هي مَنٔ سكبت النبيذ على تنورتي؟ أمرتُ بالتّعويض لأنّني شعرتُ أنّها ألصقت الفعلة بالخادمة، لكنّ تلك الخادمة ظلّت صامتة حتّى النّهاية.”
“هل أنتِ متأكّدة أنّها فعلة الآنسة روزالين؟”
“لستُ متأكّدة تمامًا… لكن هل لهذا علاقة بالحادث هذه المرّة؟”
سألت هيذر بتعبير متضرّر من كرامتها لأنّها اضطرّت للاعتراف بتسلّطها الطّفوليّ بلسانها.
“لأنّ الخادمة إيما قد تكون هي مرتكبة الحريق.”
“ماذا؟ حقًّا؟”
“سمعتُ أنّ آخر ظهور لها كان عندما خرجت من السّجن قائلة إنّها ستذهب لتطلب المال من البارون تيسيس.”
“يا إلهي! هل انتشرت هذه الشّائعة بالفعل؟”
بدت هيذر مصدومة جدًّا. ربّما خوفًا على سمعتها.
في البداية شكّ في أنّها هي مَنٔ أمرت إيما بذلك، لكنّه حذفها من قائمة المشتبه بهم بعد أن رأى تذمّرها المتواصل من عدم ذكر اسمها في حادث الحريق.
فالمجرم الحقيقيّ لن يعلن رغبته بهذا الشّكل العلنيّ.
‘همم. على أيّ حال، روزالين تيسيس ليست دقيقة إلى هذا الحدّ أيضًا.’
كانت هيذر متردّدة، لكنّه كان متيقّنًا أنّ روزالين هي مَنٔ أسقطت الكأس. لو كانت إيما فعلاً، لكانت روزالين قد بدأت بالارتباك و الانحناء إلى الأرض قبل أن تقول إنه خطأ خادمتها.
أي أنّ إيما هامبتون، كما اشتبه السّير غريك نورمان، مشتبه به قويّ جدًّا.
‘لكنّ التّسرّع في اليقين خطير.’
حتّى لو كانت هي مَنٔ أشعلت النّار، فهناك الكثير من النّقاط التي لا تُفسَّر. و الشّخص الوحيد القادر على تقديم خيط لهذا اللّغز هو روزالين.
لذلك رمى لها طُعمًا عمدًا.
سواء كانت هي مَنٔ أسقطته أم لا، لو ارتبكت عند سماع هذا الكلام، لانتهى الأمر بسهولة.
فكشف الحقيقة من شخص يُظهر عواطفه بسهولة ليس صعبًا.
لكن لو بقيت هادئة؟ عندها يتغيّر الأمر.
‘سيتوجّب عليّ أن أنظر إلى المرأة التي تُدعى روزالين تيسيس من جديد تمامًا.’
سواء كان ذلك مقصودًا أم لا، فهي تُظهر دائمًا وجهين متناقضين في الوقت نفسه.
في جنازة عائلتها، كان كتفاها يرتجفان من الحزن، لكنّها فجأة لوَت طرف شفتيها ابتسامة، و في حفل اليوم تبعت الكونت و الكونتيسة برو بتواضع، ثمّ هاجمتني بوجه بريء.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"