5
“نعم. لن أفعل أبدًا شيئًا يزعج السيّدة ماكالين.”
“جيّد جيّد. هيّا، لننزل الآن.”
نزلتُ من العربة خلف الكونت و الكونتيسة برو، ثمّ دخلتُ قصر ماكالين الّذي يتباهى بهيبة هائلة.
‘قصر الكونت برو لم يكن عاديًّا أيضًا، لكنّ هذا المكان لا يقلّ عنه.’
من حسن حظّي أن زرتُ قصر برو أوّلاً قبل القدوم إلى هنا. لو لم يحدث ذلك، لما استطعتُ السيطرة على تعبير وجهي أبدًا.
يا لارتفاع هذا السّقف!
“أهلاً و سهلاً، الكونت برو، الكونتيسة برو!”
الّذي رحّب بالكونت و زوجته عند مدخل قاعة الحفل كان الكونت ماكالين نفسه. لم أكن بحاجة للتّأكّد.
‘إنه يشبه ذلك الرّجل!’
كان يذكّرني بذلك الشّرطيّ الّذي لمحته من قبل. رجل في أواخر الخمسينيّات أو أوائل الستّينيّات، كان بالتّأكيد وسيمًا في شبابه.
“شكرًا على الدّعوة، أيها الكونت. هذه ابنة عمّي من الدّرجة الثّانية. روزالين، قومي بتحيته.”
“يشرفني لقاؤكَ. أنا روزالين تيسيس.”
انحنيتُ بتواضع كما تعلّمتُ.
مـرّ نظر الكونت ماكالين عليّ، لكنّه لم يبدُ مهتمًّا بي أو يرغب في محادثة أكثر من تحيّة بسيطة.
“استمتعي بوقتكِ، يا آنسة.”
انتهى الأمر بذلك.
بالنّظر إلى أنّه يجب عليه استقبال أكثر من مئة ضيف اليوم، فهذا أمر طبيعيّ.
بعد أن ابتعدتُ عن الكونت ماكالين، تبعتُ الكونت و الكونتيسة برو باجتهاد.
السّبب في توتّري اليوم ليس لأنّ عائلة ماكالين عظيمة جدًّا.
‘لو كانت روزالين قد كوّنت صداقة مع أحد أثناء احتجازي في السّجن، لكانت تلك كارثة. و إن كوّنت عداوة، فذلك أسوأ.’
في هذا المكان يوجد شرطيّ مسؤول عن حادث حريق منزل المدينة أيضًا.
لهذا كنتُ أدعو بحرارة ألا يقترب أحد ليحيّيني كمعرفة قديمة، لكن إن حدث ذلك، كنتُ أنوي التمسّك بقصتي بكلّ وقاحة.
‘لم أسمع أنّ روزالين التقت أحدًا خلال هذه الفترة. هذا يعني أنّها لم تكن نشيطة خارجيًّا كثيرًا.’
لذا، من المحتمل أنّها لم تلتقِ الكثيرين فعليًّا.
سأتمسّك بقصتي. أنّني روزالين تيسيس الحقيقيّة. لا يوجد أحد في هيرونا يمكنه إثبات أنّني مزيّفة.
“روزالين! تعالي. هذه زوجة الفيكونت هاوارد. شخصيّة واسعة الاتّصالات في المجتمع.”
بينما كنتُ أشدّ عزيمتي، ناداني الكونت برو فجأة إلى جانبه أثناء تحيّته لمعارفه.
الّتي قدّمني لها كانت سيّدة تبدو طيّبة و متقدّمة في السّنّ. نظرتها التي تفحصتني لم تكن صريحة جدًّا، لكنّني لستُ ساذجة إلى درجة عدم فهم معناها.
‘آه! إذن هذا هو معنى “واسعة الاتّصالات في المجتمع”.’
وسيطة زواج.
يجب أن أتذكّر جيّدًا لماذا بذل الكونت و الكونتيسة برو كلّ هذا الجهد ليصطحباني إلى هنا.
لو لم تكن هذه السيّدة “وسيطة تبيع البضاعة بثمن جيّد”، لما كان هناك سبب لتقديمي أنا الرّيفيّة الواضحة.
“تشرفني مقابلتكِ، الفيكونتيسة هاوارد. أنا روزالين تيسيس.”
“سمعتُ عنكِ كثيرًا. رؤية آنسة شابّة تتجاوز مصيبة كبيرة بهذه الشّجاعة أمر يؤثر في القلب.”
أمسكت يدي بقوّة بوجه يبدو حزينًا جدًّا. بالطّبع، ليس كلامًا يُصدّق. متى رأتني لتتصرّف كصديقة؟
‘هذا هو الموقف الأساسيّ للسّادة النّبلاء. يتظاهرون بالكرم و التّعاطف الشّديد، بينما يحسبون مصالحهم فقط.’
كتمتُ رغبتي في السّخرية، و ابتسمتُ “ابتسامة حزينة” تناسب فتاة فقدت والديها مؤخّرًا. إن بقيتُ صامتة، فسيتابعون الحديث بينهم.
في تلك الأثناء، اقترب شخص آخر ليحيّي الكونت و الكونتيسة برو، فتبعتهما و أدّيتُ مقدّمتي مرّة أخرى.
لا أعرف كم مرّة تكرّر ذلك.
‘التقيتُ بكلّ هؤلاء النّاس، و لا يبدو أنّ أحدًا يشكّ في هويّتي.’
كنتُ على وشك الاطمئنان، عندما…
“روزالين تيسيس…؟”
قشعرّ جسدي عند سماع اسمي.
‘اهدئي. أنا روزالين تيسيس.’
أخذتُ نفسًا عميقًا، ثمّ أدرتُ رأسي ببطء.
لكنّ ذلك الشّخص كان ذا وجه أعرفه.
“الآنسة دارتمور…؟”
كانت هيذر دارتمور.
كيف نسيتُ أنّها قد تحضر أيضًا؟
تلاشت جهودي للسّيطرة على أعصابي، و تجمّد وجهي. هذه المرأة ستكتشف فورًا أنّني لستُ روزالين.
“أهلاً…؟”
حيّيتُها بصعوبة، و فكّي متيبّس.
لكنّها، دون أيّ إشارة خاصّة، قالت وهي تحافظ على ذقنها المرفوعة بتكبّر:
“سمعتُ أنّكِ مررتِ بمصيبة كبيرة. لم أقصد ذلك، لكن يبدو أنّني سبّبتُ لكِ جرحًا كبيرًا، فأردتُ مقابلتكِ يومًا لأعتذر.”
“أن تعتذري لي أنتِ، يا آنسة دارتمور؟ عن ماذا؟”
“كما تعلمين جيّدًا، إصراري على تعويض الخادمة كان فقط لتصحيح سلوكها. و كنتُ أنوي إعادة المال فعليًّا.”
أصبح أمر واحد واضحًا. هيذر لم تكتشف أنّني لستُ روزالين الحقيقيّة.
‘هل هذه المرأة لم تكن تنظر إلى روزالين جيّدًا أصلاً، أم أنّني زيّنتُ روزالين لتشبهني كثيرًا؟’
ربّما كلا الأمرين.
مهما كان، فهو أمر جيّد بالنّسبةِ لي.
و بما أنّني علمت أنّ هيذر لم تتعرّف عليّ، يجب أن أتصرّف الآن كـ”آنسة تيسيس” الطّبيعيّة.
العلاقة بيننا متوتّرة أصلاً، فلا داعي لأكون ودودة الآن. و بما أنّها جاءت لتعتذر لكنّها تنظر إليّ من علو، يجب أن أردّ عليها بما يناسب.
“إذن، ما الذي تريدين قوله بالضّبط؟”
“أتمنّى ألاّ تفهميني خطأ.”
خطأ؟ أيّ خطأ؟ جعل الخادمة –أي أنا– تدفع المال؟ الأمر قد انتهى، فماذا تقصدين بـ”لا تفهمي خطأ”؟
“سمعتُ أنّ تلك الخادمة حاولت اقتراض المال من البارون، و عندما فشلت أضرمت النّار؟ لم أتوقّع أبدًا أن يحدث ذلك.”
كدتُ أبدي تعبيرًا مذهولاً دون شعور.
لماذا قد أضرم النّار؟
لحظة. إذا فكّرتُ جيّدًا، عندما طلبتُ الكفالة، قلتُ بالفعل إنّني سأذهب إلى البارون تيسيس لأحاول اقتراض المال.
‘يمكن أن يُفهَم خطأ فعلاً.’
لم أقرّر بعد إن كان يجب تصحيح سوء الفهم هذا أم لا.
لكن بغضّ النّظر عن ذلك، كلامها يزعجني جدًّا.
شخص ما كاد يموت بسبب تعويضات لا يمكنه دفعها، و الآن هي تقول إنّها كانت تنوي إعادة المال؟
ربّما كانت ستقول ذلك حتّى لو القيتُ نفسي في النّهر و مـتّ، متظاهرة بالحزن: “لم أتوقّع أن يحدث ذلك”، و ربّما تبكي.
ثمّ تنسى أمري تمامًا في اليوم التّالي.
كنت أغلي من شدّة الغضب من الدّاخل. فكيف سيخرج مني كلام لطيف الآن؟
“آه، ذلك؟ ذلك الأمر انتهى الآن. التّفكير في “لو كان” متأخّرًا لا فائدة منه.”
“سعيدة أنّنا نتفاهم…”
“حتّى لو افترضنا أنّ إيما أضرمت النّار.”
قاطعتُها، و ابتسمتُ بمرارة ثمّ أضفتُ:
“كان واضحًا أنّ ذلك التّعويض سيدمّر حياة إيما! لكن مَنٔ كان يتوقّع أن تضرم النّار؟ أليس كذلك؟”
تجمّد وجه هيذر فورًا.
مهما كان، واصلتُ كلامي بنبرة ناعمة و مهذّبة:
“فضلاً عن ذلك، سوء فهم؟ هل تظنّين أنّكِ فرضتِ دينًا كبيرًا على خادمتي لتؤذيني أنا؟ احتمال فشل هذه الخطة عالٍ جدًّا.”
“الآنسة تيسيس.”
“لذا لا تقلقي. أنا آسفة لأنّكِ قلقتِ بشأن ذلك الحادث أيضًا، آنسة دارتمور.”
كانت شفتاها المغمضتان ترتجفان.
بدأ وجهي يتصلّب أيضًا لأنّ وقاحتي بدت مفرطة، لكن في تلك اللّحظة بالذّات، لوح لي الكونت برو من بعيد.
“روزالين! تعالي إلى هنا.”
ابن عمّي من الدّرجة الثّانية مفيد جدًّا بطرق عديدة. كيف علم أنّني لا أريد الاستمرار في الحديث مع هذه المرأة؟
“آه، الكونت برو يناديني. أتمنّى لكِ أمسية ممتعة اليوم.”
انحنيتُ بأناقة ثمّ توجّهتُ نحو الكونت برو. لكنّني من بعيد لاحظتُ ملامح الرّجل الواقف بجانبه.
‘إنه هو!’
عرفته فورًا.
كلام الكونت برو عن أنّ طوله البارز سيجذب النّظر لم يكن مبالغة أبدًا.
كرّرتُ في ذهني عدّة مرّات: لا تظهري التّوتّر، ثمّ اقتربتُ منه.
“روزالين. هذا الشّاب هو ابن الكونت ماكالين الأصغر، المسؤول عن حادث حريق منزلنا في المدينة. قومي بتحيته.”
عندما وقفتُ أمامه، خرجتْ منّي تنهيدة إعجاب تلقائيّة.
لم أرى في حياتي عيونا ذهبيّة صافية إلى هذا الحدّ!
عيون الكونت ماكالين كانت ذهبيّة أيضًا، لكن مقارنة بهذا الرّجل، تبدو بنيّة فاتحة فقط.
عندما نظرتُ إلى عينيه الذّهبيّة الدّاكنة النّادرة، شعرتُ دون شعور أنّني أُسحب إليها.
“تشرفني مقابلتكَ. أنا روزالين تيسيس.”
“آش ماكالين. أخيرًا ألتقي بكِ”
التعليقات لهذا الفصل " 5"