3
بما أنّ الوجه الذي أكثرتُ من تجميله كان وجهي أنا، فإنّني عندما أزيّن روزالين كنتُ أجد نفسي لا محالة أجعلها تشبهني. ليس إلى درجة تجعلنا نبدو كتوأم، لكنّها كافية ليُصدّق المرء أنّنا أختان.
‘دعينا نكفّ عن هذه الأفكار المشؤومة.’
أخيرًا، ارتديتُ الحذاء الجديد الذي اشتريته.
حذاء يناسب قدميّ بهذا الشكل تمامًا، أرتديه لأوّل مرّة أيضًا. يا للرّاحة التي يمنحها حذاء لا يتسع كثيرًا ولا يضغط!
اللّمسة الأخيرة كانت قلادة سرقتها خلسة من صندوق مجوهرات روزالين.
عندما كنتُ أعدّ حقائبي للذهاب إلى هيرونا، رأيتُ فرصة فسرقتُ قلادة ذهبيّة رفيعة، لكنّني عندما فكّرتُ في بيعها أدركتُ أنّ ثمنها لن يكفي أبدًا لسداد التّعويضات، فوضعتها في عنقي ببساطة.
‘هل حان الوقت للخروج و الاستمتاع بيوم رائع؟’
بعد أن تهيّأتُ كآنسة نبيلة، سلّمتُ مفتاح غرفة النّزل، ثمّ مشيتُ في الشّوارع و أنا أهزّ حقيبتي الصّغيرة الجديدة يمينًا و يسارًا.
شعرتُ أنّ نظرات النّاس إليّ قد تغيّرت.
ربّما لأنّ كلّ هذا لا يبدو حقيقيًّا على الإطلاق، فقد شعرتُ و كأنّني بطلة مسرحيّة صعدت إلى خشبة مسرح كبير، كما كنتُ أتخيّل دائمًا.
[انظري إليّ مرّة واحدة فقط!]
[أحبّـكِ!]
كنتُ أحلم بمستقبل يهتف فيه الجمهور باسمي و يرمي الورود، فألتقط إحداها و أنحني بأناقة.
‘عندما وصلتُ إلى هيرونا، شعرتُ أنّ هذا الحلم قد اقترب جدًّا…’
لكن يبدو أنّ نهاية هذه المسرحيّة لن تكون رائعة على ما يبدو.
بعد أن لمتُ مصيري البائس مرّة واحدة، تناولتُ كعكة لذيذة في مقهى أنيق، ثمّ قرأتُ كتابًا على العشب، و تجوّلتُ على ضفاف النّهر.
لماذا تمرّ الأوقات السّعيدة بهذه السّرعة دائمًا؟
أخيرًا، دخلتُ مطعمًا فاخرًا و طلبتُ “توصية اليوم”، ثمّ ابتسمتُ بسخرية و أنا أتذوّق الطّعام الرّائع الموضوع أمامي.
ما اسم هذا الطّبق؟ لا أتذكّر حتّى.
لكنّ هذا الطّعم الرّائع، ربّما لن أنساه حتّى بعد الموت.
التفتُ إلى السّاعة.
السّاعة الآن الخامسة و النّصف مساءً. تبقّى ساعة ونصف فقط قبل أن أعود إلى السّجن.
كان من المفترض أن أشتري زجاجة خمر قويّة من متجر المشروبات هناك، أشربها دفعة واحدة، ثمّ أرمي نفسي من أسفل الجسر، فحتّى لو تمهّلتُ هنا قليلاً، لا يبدو أنّ الوقت سينفد.
فجأة، بدأ النّاس يتمتمون.
‘ما الذي يحدث؟’
نظر الجميع إلى الخارج و هم يتهامسون، فأطللتُ برأسي فرأيتُ دخانًا أسود يتصاعد من بعيد.
“يبدو أنّ حريقًا كبيرًا اندلع في مكان ما.”
حسنًا، ليس شأنًا يهمّ امرأة ستموت بعد ساعة و نصف.
بينما كنتُ أتردّد في شرب القهوة التي قدّمها لي النّادل، و أنا أحرك الكأس يمينًا و يسارًا، حدث ذلك فجأة.
اقتحم الشّرطة المكان، اعتذروا لصاحب المطعم، ثمّ بدأوا يبحثون عن شخص ما وهم يتفحّصون الدّاخل.
شعرتُ أنّ جسدي يتجمد من تلك النّظرات الحادّة.
‘هل جاؤوا للقبض عليّ مبكّرًا؟ لا يزال الوقت باقيًا…’
لكنّهم، كأنّما يسخرون من أمنياتي، اكتشفوني و توجّهوا نحوي مباشرة.
كانوا ينظرون بالتّناوب إلى ورقة في أيديهم وإليّ، ففهمتُ أنّها تلك الصّورة التّخطيطيّة التي سمعتُ عنها فقط.
شعرتُ أنّ محيطي يدور بي.
أن أُسحب من هنا سيكون أسوأ نهاية ممكنة! لو لم أتكاسل!
قال الرّجل الذي بدا الأكبر سنًّا بين الشّرطة الذين وصلوا أمامي:
“أنا رقيب في القسم الثّاني بإدارة الشّرطة، لويس فيديلو. آنسة روزالين تيسيس، أليس كذلك؟”
…مَنْ؟
لم أعرف كيف أردّ، فاكتفيتُ بوميض عينيّ، فتابع هو بتعبير جامد:
“يجب أن ترافقينا فورًا. لقد اندلع حريق في منزلكم، و توفّي الجميع باستثناء الآنسة!”
“ماذا؟”
انسلّت منّي صرخة حادّة دون شعور.
“ما الذي تقوله؟”
“سبب الحريق الدّقيق غير معروف بعد. يبدو أنّ النّيران انتشرت بسرعة غير طبيعيّة، فلم يتمكّن أحد من الخروج.”
ليس هذا ما سألتُ عنه، أيّها الأحمق!
إذا كانت عائلة البارون تيسيس قد ماتت جميعًا، فلماذا يبحثون عنّي؟
لحظة. لقد ناداني للتوّ روزالين بوضوح…
بينما كنتُ أشعر ببعض الاضطراب، اقترب شرطيّ آخر بوجه متأثّر و همس لي بهدوء كأنّما يواسيني:
“أعلم أنّ الصّدمة كبيرة، لكن يجب على الآنسة أن تستلم رفات والديها لإقامة الجنازة على الأقلّ.”
“آ، آنسة؟”
“…آنسة روزالين تيسيس، أليس كذلك؟”
في تلك اللّحظة، استيقظ عقلي فجأة.
هؤلاء النّاس، لسبب ما، يعتقدون أنّني روزالين.
إذن، إذا أصبحتُ أنا روزالين تيسيس، وأصبحت روزالين الميتة إيما هامبتون… فلن أضطرّ إلى دفع التّعويضات، أليس كذلك؟ و لن أموت!
“نعم، أنا روزالين تيسيس!”
* * *
عندما أخذ خادم الحظيرة الذي كان يحتضر في موقع الحريق يناديني روزالين، أدركتُ أنّ الحظ العاثر الذي كان يضطهدني طوال حياتي قد تغير أخيرًا.
“آه، آنستي… روزالين آنستي…”
بسبب ألم الحروق، كان عقله مشوّشًا، فنادى علي باسم روزالين لأنّ لون شعرنا متشابه و لأنّ ملامحنا قريبة من بعيد.
ثمّ جاء الكونت برو بعد ذلك، و بدا أنّه لم يرَ روزالين جيّدًا من قبل، فناداني روزالين دون تردّد.
بفضل ذلك، لم تشكّ الشّرطة بي أبدًا، وأنا التي كنتُ أنوي الهروب بعد أن أتصرّف بحذر، أصبحتُ نبيلة فجأة.
‘مَنْ كان يظنّ أنّني سأعيش هذه الرّفاهية في حياتي!’
بعد حادثة الحريق، أصبحتُ أعيش تحت رعاية عائلة الكونت برو.
الغرفة رائعة، و الخدم يعاملونني باحترام، وكلّ ما تراه عيناي جميل إلى درجة تجعلني أشعر بالامتنان الشّديد.
لكنّ أفضل شيء على الإطلاق هو الطّعام.
أن أتمكّن من أكل اللّحم متى شئتُ، يشعرني وكأنّني في النعيم!
‘أن أترك هذا عمدًا، يا للأسف.’
كنتُ أتمنّى لو ألعق قاع الصّحن، لكنّني خفتُ أن تُكشف هويّتي، فوضعتُ الشّوكة بصعوبة.
في تلك اللّحظة، ناداني الكونت برو. هو ابن عم روزالين من الدّرجة الثّانية، و أنا قد تعلّمتُ هنا فقط لأوّل مرّة عن وجود كلمتيّ”ابن عم من الدّرجة الثّانية” و”ابنة عم من الدّرجة الثّانية”.
أليس السّابع في القرابة غريبًا؟
كانت روزالين تتباهى دائمًا بأنّ عائلة تيسيس تابعة لعائلة الكونت برو، فظننتُ أنّهم أقرباء مقربون حقًّا.
“اسمعي، أعلم أنّكِ لم تتمكّني من تهدئة قلبكِ بعد… لكن قريبًا ستقيم عائلة الكونت ماكالين حفلة. تبدو فرصة جيّدة، هل تريدين مرافقتي؟”
مر عشرون يومًا على حريق المنزل في المدينة، و خمسة عشر يومًا على الجنازة.
يبدو أنّ الكونت برو اعتبر هذه المدّة كافية لفترة الحداد، فبدأ يضغط عليّ للدّخول إلى سوق الزّواج.
كانت روزالين تيسيس في هيرونا عاصمة مملكة داركا، فقط من أجل الزّواج.
“تجارة الزواج” حيث يتم تبادل لقب البارونة الذي أملكه بثروة عائلة الرّجل، أو ربح أكبر من ذلك.
في اللّحظة التي أنسى فيها هذا الهدف، سيدير هذا القريب البعيد الطّيب المظهر ظهره لي، لذا فهي مسألة وقت فقط.
‘أيًّا كان، هذا مبالغ فيه. حتّى لو مات كلب تربّيه، ستبكي شهرًا عليه، فكيف يطلب منّي تجاوز موت والديّ في عشرين يومًا؟’
يبدو أنّ هذا القريب البعيد غريب فعلاً.
لكنّني الآن لا أملك رفاهية الرّفض. حتّى لو هربتُ لاحقًا، يجب أن أتبع ما يريدونه الآن قدر الإمكان لأضمن سلامي.
“لا أعلم إن كان وجودي معكَ سيسبّب إزعاجًا.”
“ما هذا الكلام! لا تقلقي بشأن ذلك.”
ثمّ أيّدته زوجة الكونت برو من الجانب.
“روزالين، الشّباب قصير. حتّى الآن يمرّ وقتكِ الذّهبيّ. يجب أن تجدي زوجًا في أجمل أوقاتكِ.”
“بالضّبط. مَنٔ يدري، ربّما يقترب منكِ رجل طيّب يشفق على وضعكِ.”
“ليس ذلك فقط، سمعتُ أنّ الكثيرين أصبحوا مهتمّين بكِ بسبب هذا الحادث. فكّري بالأمر مليًّا.”
هل يقولون إنّ موت والديّ أصبح فرصة؟
لا أعرف حقًّا أين معيار أخلاق النّبلاء.
يتظاهرون بالنّبل عندما يحلو لهم، ثمّ يطلبون التّفكير العمليّ في مثل هذه الأوقات.
لأنّها ليست مشكلتهم، يتصرّفون بهذه الطريقة.
إذا كان الأمر يتعلّق بالمصلحة، فكّرتُ أنّ عليّ أن أحسب بعض المصلحة لنفسي أيضًا، ففتحتُ فمي.
“حسنًا. لكن آسفة لقول هذا… لقد احترقت كلّ الفساتين التي أحضرتها من تيسيس…”
“يا إلهي، انظري إلى ذاكرتي! لم أفكّر في ذلك، يا للعار.”
ارتبكت السّيّدة برو، ثمّ نادت رئيسة الخادمات رغم أنّنا في منتصف الطّعام.
“سيّدة تومسون! بمجرّد انتهاء الطّعام، يجب أن نذهب إلى متجر الملابس مع روزالين، فأستعدي للخروج.”
“نعم، سيّدتي.”
ابتسمت لي أيضًا و قالت إنّها ستشتري لي بعض الفساتين اليوم.
في الحقيقة، كانوا قد أعدّوا لي بالفعل الفساتين الداخليّة و البسيطة للخروج، و فساتين سوداء للحداد. كانت من ابنتهم التي تزوّجت و انتقلت.
ظننتُ أنّهم سيعطونني فستان حفلة منها أيضًا، لكن يبدو أنّهم، بسبب كلامهم السابق، قرّروا شراء فستان جديد.
‘يبدو أنّهم عازمون على كسب الكثير من زواجي.’
التعليقات لهذا الفصل " 3"